أثناء العشاء حكـايـات أسمـا السـيد ×2
الفصل الخامس: باب الدولاب
اتجمدت إيدي على مقبض الباب.
الصوت وقف.
بصيت لسارة.
كانت واقفة مكاني، وشها أبيض، وعينيها على الدولاب.
همست:
“إوعى تفتحه.”
استغربت.
“ليه؟”
ردت بسرعة:
“سيبه مقفول.”
لكن آدم كان بيصرخ وهو مستخبي ورا ضهري.
“لا يا بابا… افتحه.”
“ماما هناك.”
بصيت بين ابني وبين سارة.
كل واحد فيهم بيقول العكس.
ولأول مرة في حياتي…
ماكنتش عارف أصدق مين.
قربت خطوة.
مسكت المقبض.
فتحته مرة واحدة.
الدولاب كان…
فاضي.
هدوم آدم متعلقة مكانها.
علب ألعاب فوق الرف.
وبطانية قديمة في الركن.
بس.
تنفست الصعداء.
لفيت أبص لآدم.
لقيته بيعيط.
وقال وهو بيهز راسه:
“راح.”
“كل مرة بيستخبى قبل ما توصل.”
الصبح…
قررت آخد آدم لدكتور أطفال متخصص في السلوك.
الدكتور قعد معاه لوحده حوالي نص ساعة.
ولما خرج…
كان وشه متغير.
قاللي:
“ابنك ذكي جدًا.”
“ومتماسك.”
“مش باين عليه إنه بيهلوس.”
سألته بقلق:
“يعني إيه؟”
قال:
“هو مقتنع تمامًا إنه شاف اللي بيحكيه.”
“وده مش معناه إنه حقيقي…”
“لكن بالنسبة له… حقيقي جدًا.”
رجعنا البيت.
وأنا بحاول أقنع نفسي إن الموضوع نفسي.
لكن أول ما دخلت…
لقيت سارة قاعدة في الصالون.
بتبكي.
أول ما شافتني…
قالت:
“لازم أحكيلك حاجة.”
قعدت قدامها.
وقالت بصوت متقطع:
“من حوالي شهر…”
“صحيت بالليل.”
“ولقيت آدم واقف قدام سريري.”
استغربت.
“وبعدين؟”
بلعت ريقها.
وقالت:
“كان بيبصلي بنفس الطريقة.”
“من غير ما يرمش.”
“ولما ناديته…”
“ابتسم.”
“وقال…”
وسكتت.
قلت:
“قال إيه؟”
انهمرت دموعها.
وقالت:
“قال…”
“إنتِ مش هتفضلي هنا كتير.”
“هي رجعت.”
سكت البيت كله.
الكلمة الأخيرة فضلت تتردد في وداني.
هي رجعت.
قلت:
“مين هي؟”
هزت راسها.
“معرفش.”
“افتكرته بيحلم.”
“لكن بعدها كل ليلة…”
“كان يصحى ويبص ناحية الدولاب.”
ثم رفعت عينيها ناحيتي لأول مرة بثبات.
وقالت:
“أنا مخبيتش عنك علشان بخونك…”
“أنا مخبيتش لأنني كنت خايفة…”
“لأنني بدأت أشوف حاجات أنا كمان.”
في نفس اللحظة…
جاء صوت خبط خفيف…
ثلاث خبطات متتالية…
من داخل أوضة آدم.
مع إن آدم…
كان واقف وقتها بيني وبين أمه في الصالون.
الفصل السادس: الرسمة اللي غيرت كل حاجة
أنا وسارة بصينا لبعض.
الخبط اتكرر.
“طق… طق… طق.”
المرة دي كان أوضح.
جريت ناحية أوضة آدم.
وسارة ورايا.
أما آدم…
فوقف مكانه، وما رضييش يتحرك.
كان بيصرخ:
“متفتحوش الباب!”
لكن كنت خلاص وصلت.
فتحت الباب بسرعة.
الأوضة كانت فاضية.
الشباك مقفول.
الدولاب مقفول.
مفيش أي حد.
دخلت أدور في كل ركن.
تحت السرير…
ورا الستارة…
حتى الدولاب فتحته تاني.
ولا أي حاجة.
وأنا خارج…
لمحت ورقة على مكتب آدم.
ورقة رسم.
مكنتش موجودة الصبح.
مسكتها.
كان مرسوم فيها تلات أشخاص.
أنا…
وسارة…
وآدم.
لكن فيه شخص رابع واقف بعيد.
مرسوم كله باللون الأسود.
وشه متغطي.
وإيده ممدودة ناحية سارة.
سألت آدم:
“إنت اللي رسمت دي؟”
هز راسه.
“آه.”
“مين ده؟”
رد من غير تردد:
“اللي بيجي كل ليلة.”
“هو بيقول لماما تقوم.”
سارة شهقت.
وقالت:
“آدم!”
لكن الولد كمل:
“ولما ماما بتقول لأ…”
“…هو يزعل.”
الليلة دي…
ما نمتش.
قعدت مستني.
الساعة عدت اتنين.
وبعدين تلاتة.
مافيش حاجة.
بدأت أحس إني كنت ببالغ.
لكن فجأة…
سمعت صوت آدم بينادي.
“بابا…”
جريت ناحيته.
لقيته قاعد على السرير.
وشه كله عرق.
بيشاور ناحية الدولاب.
قال وهو بيرتعش:
“سمعته.”
قلت:
“مين؟”
“الراجل.”
“قاللي افتح.”
قربت من الدولاب.
حطيت ودني على بابه.
في الأول…
ولا أي صوت.
لكن بعد ثواني…
سمعت حاجة خلت جسمي كله يقشعر.
كان فيه…
صوت خربشة.
بطيئة جدًا.
كأن ضوافر طويلة…
بتتحرك على الخشب من الناحية التانية.
وقفت مكاني.
حاولت أقنع نفسي إن ده فأر.
لكن الخربشة وقفت.
وبعدها مباشرة…
طلع صوت خافت جدًا.
صوت بالكاد يُسمع.
بينطق اسمي.
“…أحمد…”
اتراجعت خطوة للخلف.
وفي نفس اللحظة…
رن موبايلي.
كان رقم حماتي.
رديت بسرعة.
أول ما سمعت صوتها…
قالت وهي بتنهج:
“أحمد… لازم تيجي حالًا.”
“لقيت حاجة وأنا بنضف أوضة سارة القديمة.”
سألتها بقلق:
“إيه اللي حصل؟”
قالت بصوت مرتعش:
“لقيت صندوق قديم… فيه مذكرات ورسومات.”
“وكلها مرسومة بنفس الرسمة اللي آدم بيرسمها…”
“والتاريخ المكتوب عليها…”
“…من قبل ما آدم يتولد بعشرين سنة.”
الفصل السابع: الصندوق القديم
خرجت أنا وسارة من البيت في أقل من عشر دقائق.
آدم رفض يسيبني.
فضل متعلق في إيدي وهو بيقول:
“إوعوا تسيبوني لوحدي.”
اضطريت آخده معانا.
طول الطريق…
ولا أنا ولا سارة نطقنا بكلمة.
كل واحد فينا كان غرقان في أفكاره.
وصلنا بيت أمي.
كانت واقفة عند الباب.
وشها شاحب.
وأول ما دخلنا قالت:
“تعالوا.”
طلعتنا على أوضة سارة القديمة.
الأوضة كانت مقفولة من يوم جوازنا.
فتحت الدولاب.
وسحبت صندوق خشب صغير متغطي بالتراب.
وقالت:
“كنت برتب… ولقيته مستخبي ورا الدولاب.”
فتحته.
كان جواه كراسات قديمة…
وصور…
ورسومات أطفال.
قلبي وقف.
نفس الشخص الأسود.
نفس الجسم الطويل.
ونفس العيون البيضا من غير ملامح.
حتى طريقة الوقفة…
هي هي.
بصيت لآدم.
لقيته مستخبي ورا رجلي.
وقال بصوت واطي:
“هو.”
بصيت لتاريخ الرسومات.
1999…
2000…
2001…
يعني قبل ما آدم يتولد بسنين طويلة.
قلبت صفحة تانية.
لقيت مكتوب بخط طفلة صغيرة:
“كل ليلة يقف عند الدولاب.”
“يقول لي متقوليش لحد.”
“ولو قولت… هيلبس وش ماما.”
حسيت بقشعريرة.
بصيت لسارة.
كانت بتعيط.
قلت لها:
“إنتِ اللي كتبتي ده؟”
هزت رأسها ببطء.
“أنا… بس مش فاكرة.”
“افتكرت إنها شخابيط أطفال.”
“أمي قالتلي زمان إني كنت بخاف من كوابيس.”
أمها قعدت على الكرسي وهي بتبكي.
وقالت:
“أنا كذبت عليكم.”
بصلنالها كلنا.
قالت:
“سارة وهي صغيرة كانت كل ليلة تصرخ.”
“وتقول إن فيه راجل خارج من الدولاب.”
“لفينا بيها على دكاترة كتير.”
“وكلهم قالوا خيال أطفال.”
“وبعد كام سنة…”
“بطلت تتكلم عنه.”
“فافتكرنا إنها خفت.”
سكتت لحظة.
ثم أخرجت صورة قديمة من الصندوق.
وقالت:
“لكن دي الحاجة الوحيدة اللي عمرها ما عرفت أفسرها.”
أخدت الصورة.
كانت لسارة وهي عندها حوالي خمس سنين.
واقفة في أوضتها وبتضحك للكاميرا.
وخلفها…
باب الدولاب كان مفتوح.
وفي الضلمة…
كان ظاهر طرف شخص طويل واقف.
في الأول افتكرت إنه ظل.
لكن لما قربت الصورة من النور…
اكتشفت حاجة خلت نفسي يتقطع.
اليد اللي طالعة من الدولاب…
كان فيها ست أصابع.
في اللحظة دي…
آدم صرخ فجأة.
وقع الصورة من إيدي.
وأشار ناحية آخر الطرقة.
وقال وهو بيترعش:
“بابا…”
“هو جه معانا.”
رفعنا كلنا رأسنا في نفس اللحظة.
كان آخر الطرقة مظلم.
مفيش حد.
لكن باب أوضة سارة القديمة…
بدأ يقفل ببطء…
لوحده…
من غير ما حد يقرب منه.
الفصل الثامن: الحقيقة التي أخفتها الأم
اتجمدنا كلنا.
باب الأوضة قفل بهدوء…
لحد ما سمعنا صوت “تك”.
كأن حد لف المفتاح من الناحية التانية.
جريت بسرعة.
فتحت الباب.
كان مفتوح.
الأوضة فاضية.
لكن الهوا فيها كان بارد بشكل غريب.
آدم كان مستخبي ورا ضهري، ومغمض عينيه.
قال وهو بيرتعش:
“هو بيحب الأماكن القديمة.”
أم سارة انهارت على الكرسي.
وحطت وشها بين إيديها.
وبعدين قالت الجملة اللي قلبت كل حاجة:
“أنا السبب.”
بصيت لها.
“إزاي؟”
مسحت دموعها.
وقالت:
“فيه حاجة عمري ما حكيتها لسارة.”
“ولا ليك.”
سكتت ثواني…
ثم بدأت تتكلم.
“لما سارة كان عندها أربع سنين… اختفت ليلة كاملة.”
حسيت إن قلبي وقف.
“اختفت؟”
هزت رأسها.
“دورنا عليها في كل مكان.”
“الشرطة نزلت.”
“أهل البلد كلهم كانوا بيدوروا.”
“وبعد حوالي عشر ساعات…”
“…لقيناها نايمة جوه الدولاب.”
بصيت للدولاب المفتوح قدامنا.
وسألتها:
“إزاي يعني؟”
قالت:
“الدولاب كان فاضي.”
“فتشناه أكتر من مرة.”
“ولما رجعنا قبل الفجر…”
“لقيناها جواه.”
“نايمة.”
“كأنها ما خرجتش أصلًا.”
سارة كانت بتبص لأمها بصدمة.
“إنتِ عمرك ما قولتيلي.”
ردت أمها وهي بتبكي:
“خفت.”
“خفت تكبري وإنتِ فاكرة اللي حصل.”
“الدكتور قال انسوها.”
“واحرقوا كل حاجة تفكرها بالليلة دي.”
قلت بسرعة:
“طب والرسومات؟”
قالت:
“نسيت الصندوق.”
“افتكرت إني رميت كل حاجة.”
سكتنا جميعًا.
لكن آدم فجأة شد كم قميصي.
وقال:
“بابا…”
“هو زعلان.”
قلت:
“مين؟”
بص ناحية الدولاب.
وقال:
“بيقول إنكم افتكرتوا.”
في اللحظة دي…
سمعنا صوت طفل صغير…
واضح جدًا…
جاي من داخل الدولاب.
كان بيضحك.
ضحكة هادئة…
لكنها ما كانتش ضحكة آدم.
ولا أي طفل نعرفه.
فتحت الدولاب بسرعة.
فاضي.
لكن على الحيطة الخشبية من جوه…
كان فيه كلام محفور.
قديم جدًا.
الغريب…
إن الحفر كان باين عليه إنه بقاله سنين.
قربت وقرأته.
كانت جملة واحدة فقط:
“لما الطفل يشوف الحقيقة… هيرجع اللي اتاخد.”
لفيت أبص على آدم…
لكن مكانه كان فاضي.
من ثانيتين…
كان ماسك إيدي.
دلوقتي…
اختفى.
وسمعنا صوته جاي من آخر البيت…
وهو بينادي بهدوء:
“بابا…”
“تعالى…”
“لقيت ماما الحقيقية.”
يتيع