اما بعد الوداع حكايات أسما السيد ×4

الفصل الثاني عشر

من أول ما سمعت…

إن كريم طلب يعترف…

عرفت إن في حاجة اتغيرت.

الراجل اللي كان مستعد يبيع أي حد…

عشان ينجو بنفسه…

مستحيل فجأة يقرر يقول الحقيقة.

إلا لو…

حس إن حياته بقت في خطر.

…

تاني يوم الصبح…

أنا والمحامي…

وفؤاد…

كنا واقفين قدام مبنى النيابة.

المحقق خرج بنفسه.

وقال:

“الاعتراف هيبدأ بعد دقائق.”

دخلنا غرفة صغيرة.

وكان كريم قاعد.

وشه شاحب.

وعينه مليانة خوف.

أول ما شافني…

قال:

“أنا مش طالب منك تسامحيني.”

“أنا طالب منك تسمعيني.”

المحقق ضغط زر التسجيل.

وقال:

“ابدأ.”

كريم خد نفس طويل.

وقال:

“كل اللي اتقال قبل كده صحيح…”

“بس ناقص أهم جزء.”

سأله المحقق:

“إيه هو؟”

قال:

“أنا ما كنتش قائد الشبكة.”

“أنا كنت مجرد واجهة.”

فتح المحقق الملف.

وقال:

“مين كان بيديرها؟”

رد كريم من غير تردد:

“نبيل الشافعي.”

“لكن…”

سكت.

المحقق قال:

“كمل.”

بص كريم حواليه.

وكأنه خايف من الحيطان.

وقال بصوت واطي:

“نبيل ماكانش بيشتغل لوحده.”

“كان فيه ممول.”

“ورجل نفوذ.”

“وهو اللي أمر…”

“بالتخلص من والد سارة.”

الغرفة كلها سكتت.

حتى المحقق…

وقف عن الكتابة.

قال:

“اسمه.”

كريم بلع ريقه.

وقبل ما ينطق…

انطفت الكهرباء فجأة.

الغرفة غرقت في الضلمة.

ثواني…

وسمعنا صوت ارتباك في الممرات.

وصوت حد بيجري.

ولما اشتغل مولد الكهرباء…

بعد أقل من دقيقة…

كانت الصدمة.

كرسي كريم…

بقى فاضي.

القيود الحديد…

مرمية على الأرض.

وباب الغرفة…

مفتوح.

المحقق صرخ:

“اقفلوا كل المخارج!”

المبنى كله اتحول لحالة طوارئ.

الكاميرات اتراجعت.

لكن اللي ظهر…

كان أغرب من أي حاجة.

الكاميرا سجلت شخصًا…

لابس زي موظف صيانة.

دخل قبل انقطاع الكهرباء بدقائق.

وخرج بعدها بثوانٍ.

وماحدش وقف يسأله.

…

بعد ساعات…

وصلنا خبر.

عربية متسابـة…

على طريق صحراوي.

ولما الشرطة فتحتها…

لقوا موبايل كريم.

ومحفظته.

لكن كريم نفسه…

اختفى.

المحقق قال:

“إما هرب…”

“أو حد خطفه.”

أما أنا…

فكان عندي إحساس تالت.

قلت للمحامي:

“كريم ما هربش.”

بصلي باستغراب.

قلت:

“هو كان جاي يقول اسم الشخص الحقيقي.”

“والشخص ده…”

“سبقنا بخطوة.”

وفي نفس اللحظة…

وصل ظرف إلى بيتي…

من غير اسم مرسل.

فتحته.

كان فيه مفتاح فضي.

وورقة مكتوب عليها بخط كريم:

“لو الرسالة دي وصلتلك… يبقى أنا غالبًا مش هقدر أكمل. دوري في المخزن رقم 12 بميناء الإسكندرية… هناك هتلاقي الدليل اللي كانوا مستعدين يق*تلوا أي حد عشانه.”

قفلت الورقة…

وبصيت للمحامي.

وقلت بهدوء:

“واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش.”

“المرة دي…”

“على الإسكندرية.”
الفصل الثالث عشر

طول الطريق إلى الإسكندرية…

ماحدش فينا كان بيتكلم.

كل واحد…

غرقان في أفكاره.

أنا…

كنت بفكر في كريم.

هل فعلًا هرب؟

ولا كان بيحاول يكفّر عن كل اللي عمله؟

وصلنا الميناء قبل المغرب.

طلعت الورقة من شنطتي.

كان مكتوب عليها:

المخزن رقم 12.

لكن أول ما قربنا…

لقينا المكان متشمع.

وفيه قوة أمن واقفة.

المحقق أول ما شافنا…

قال:

“إنتوا جيتوا بسرعة.”

سألته:

“في إيه؟”

رد:

“وصلنا بلاغ مجهول.”

“ولقينا المخزن متقفل من سنين.”

قلبي وقع.

قلت:

“لازم نفتحه.”

بعد إجراءات طويلة…

اتفتح الباب الحديد.

ريحة التراب والرطوبة…

ملأت المكان.

كان المخزن فاضي تقريبًا.

غير صناديق خشب قديمة.

وفوق الأرض…

آثار سحب صندوق ثقيل.

المحقق نزل على ركبته.

وقال:

“في حد كان هنا قبلنا.”

بدأنا نفتش.

ساعة…

واتنين…

من غير أي نتيجة.

كنت همشي.

لكن فجأة…

افتكرت كلام بابا في الفيديو.

“بصي تحت اللي الناس كلها بتبص فوقه.”

وقفت.

وبصيت للأرض.

في زاوية بعيدة…

كانت بلاطة لونها مختلف.

ناديت على المحقق.

جابوا عامل.

ورفع البلاطة.

تحتها…

كان فيه صندوق معدني صغير.

مقفول بقفل صدئ.

اتفتح.

ولقينا جواه…

دفتر حسابات.

وثلاثة هواتف قديمة.

وفلاشة.

ورسالة.

الرسالة كانت بخط كريم.

فتحتها بسرعة.

“سارة…

لو وصلتي لحد هنا…

يبقى أنا فشلت أقول الحقيقة بنفسي.

أنا استحق كل اللي حصلي.

لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.

أنا ما وافقتش على قت*ل والدك.

ولما عرفت الحقيقة…

حاولت أنسحب.

ومن يومها…

بقيت أنا كمان مهدد.

لو أنا اختفيت…

يبقى دوري على التسجيل اللي في الفلاشة.

هو الدليل الوحيد…”

سكتت.

لأن الرسالة كانت مقطوعة.

آخرها ممزق.

المحقق وصل الفلاشة بالكمبيوتر.

ظهر تسجيل صوتي فقط.

صوت واضح جدًا.

أول صوت كان صوت والدى.

قال:

“أنا مستحيل أوقّع على العقود دي.”

وبعدين…

جاء صوت رجل آخر.

هادئ…

لكنه مخيف.

قال:

“يبقى هتخسر كل حاجة.”

بابا رد بثبات:

“الفلوس بتتعوض.”

“لكن الضمير…”

“لأ.”

ساد صمت لثوانٍ.

ثم سمعنا نفس الصوت يقول:

“خلاص…”

“إنت اخترت.”

وفجأة…

انقطع التسجيل.

كل اللي في المخزن سكت.

المحقق قال:

“الصوت التاني…”

“لازم نحدد صاحبه.”

لكن قبل ما حد يرد…

دخل أحد أفراد الأمن يجري.

وقال وهو بيلهث:

“لقينا عربية محروقة على طريق الساحل.”

المحقق سأله:

“وبعدين؟”

رد:

“العربية باسم كريم.”

“لكن فيه خبر أغرب…”

سألته بسرعة:

“إيه هو؟”

قال:

“لقينا جواها شخص…”

“بس مش كريم.”

كل العيون اتجهت ناحيته.

قال بصوت منخفض:

“الشخص اللي لقيناه…”

“هو نبيل الشافعي.”

الميت الوحيد في العربية…

كان الرجل…

اللي الكل كان فاكره…

بيحرك اللعبة من أولها.

وده معناه…

إن اللي قت*ل نبيل…

قد يكون نفس الشخص…

اللي ق*تل والدي.

وإن العقل الحقيقي…

لسه حر.
الفصل الرابع عشر

ساد الصمت…

كأن الزمن وقف.

المحقق بصلنا…

وقال:

“اللي حصل…”

“غيّر الق*ضية كلها.”

قلت بسرعة:

“يعني إيه؟”

رد وهو بيقفل الملف:

“لو نبيل مات…”

“يبقى الشخص اللي فوقه…”

“بدأ يمسح كل الأدلة.”

خرجنا فورًا.

ورحنا مكان العربية.

كانت متفحمة بالكامل.

رجال الأدلة الجنائية شغالين.

والشريط الأصفر محاوط المكان.

وقفت أبص للعربية.

وحسيت بقشعريرة.

العربية دي…

كانت آخر خيط يوصلنا للحقيقة.

لكن وسط الحطام…

لفت انتباه أحد الضباط حاجة غريبة.

قال:

“يا فندم…”

“في شنطة حديد تحت الكرسي.”

اتفتحت بحذر.

لقينا جواها…

دفتر صغير.

وجهاز تسجيل رقمي.

ومفتاح إلكتروني.

المحقق سلمني جهاز التسجيل.

وقال:

“اسمعيه.”

شغلناه.

في الأول…

كان فيه تشويش.

وبعدين…

ظهر صوت كريم.

واضح…

ومرتبك.

قال:

“لو حد بيسمع التسجيل ده…”

“يبقى أنا غالبًا مش هقدر أوصل.”

“أنا رايح أقابل الشخص الحقيقي.”

“مش نبيل.”

“نبيل كان مجرد واجهة.”

قلبي دق بعنف.

كريم كمل:

“الرجل ده…”

“كان كل الناس بتناديه…”

“الباشا.”

“ولا حد يعرف اسمه الحقيقي.”

“هو اللي بيمول.”

“وهو اللي بيأمر.”

“وهو اللي قرر التخلص من والد سارة.”

انقطع التسجيل لحظة.

ثم رجع.

لكن المرة دي…

كان فيه صوت تاني.

صوت باب عربية بيتفتح.

وصوت رجل بيقول:

“اتأخرت يا كريم.”

رد كريم بتوتر:

“أنا جبت اللي طلبته.”

الرجل قال ببرود:

“وأنا كمان.”

وبعدها…

سمعنا صوت طلقة.

ثم…

انتهى التسجيل.

وقفت وأنا مش قادرة أتكلم.

المحقق قال:

“يبقى كريم…”

“كان شاهد.”

“مش مقتول في التسجيل.”

“لكن بعد الطلقة…”

“مش عارفين إيه اللي حصل.”

في اللحظة دي…

أحد خبراء الأدلة الجنائية جري علينا.

وقال:

“لقينا بصمة.”

المحقق سأله:

“مين؟”

قال:

“البصمة مش لنبيل.”

“ولا لكريم.”

“لكنها موجودة قبل كده…”

“في ملف قديم.”

رجعنا بسرعة للإدارة.

الخبير فتح قاعدة البيانات.

وبعد ثواني…

ظهر الاسم على الشاشة.

كل اللي في الأوضة سكت.

أما أنا…

فشهقت.

لأن الاسم كان لشخص…

عمري ما تخيلت إنه يدخل الحكاية.

اللواء المتقاعد عادل الشافعي.

الرجل…

اللي كان بيطلع في التلفزيون كل شوية…

ويتكلم عن الشرف…

ومحاربة الفساد.

المحقق قفل الشاشة ببطء.

وقال:

“من اللحظة دي…”

“القض/ية بقت أخطر من أي وقت فات.”

وفي نفس اللحظة…

وصل اتصال إلى هاتفه.

رد.

واستمع لثوانٍ.

ثم رفع عينه نحوي.

وقال:

“لقينا كريم.”

سألته بسرعة:

“عايش؟”

سكت لحظة…

ثم قال:

“أيوه…”

“بس أول كلمة قالها بعد ما فاق…”

“كانت اسمك.”

“وقال…”

“قولوا لسارة… الباشا أقرب إليها مما تتخيل.”
الفصل الأخير

جريت على المستشفى…

وأول ما دخلت أوضة كريم…

لقيته شاحب.

لكن صاحي.

أول ما شافني…

قال بصوت ضعيف:

“سامحيني…”

قلت بهدوء:

“قول الحقيقة بس.”

ابتسم ابتسامة باهتة.

وقال:

“الباشا…”

“مش شخص كنتِ تعرفيه.”

“ولا قريبك.”

“ولا حد من أصحاب أبوكي.”

“الباشا…”

“كان اسمًا حركيًا.”

استغرب المحقق.

وقال:

“يعني إيه؟”

رد كريم:

“كل اللي في الشبكة…”

“كانوا يعرفوا الراجل بالاسم ده.”

“لكن محدش شافه.”

“كان بيبعت أوامره عن طريق وسيط.”

المحقق سأله:

“مين الوسيط؟”

أغمض كريم عينيه.

وقال:

“نبيل.”

“ولما نبيل بدأ يخاف…”

“قرروا يتخلصوا منه.”

“ولما أنا قررت أتكلم…”

“حاولوا يتخلصوا مني.”

ثم مد يده المرتعشة…

وسلمني مفتاحًا صغيرًا.

وقال:

“ده آخر حاجة عندي.”

“فيه صندوق أمانات…”

“باسمي.”

“جواه كل النسخ الاحتياطية.”

…

في اليوم التالي…

فتحت النيابة صندوق الأمانات بحضور الجميع.

كان بداخله…

نسخ من العقود.

وتسجيلات.

وكشوف تحويلات.

ومراسلات تثبت كيف كانت الشبكة تستغل الشركات الوهمية لإخفاء الأموال، وكيف شارك عدد من الأشخاص في عمليات التزوير والاستيلاء على الحقوق.

أما هوية من كان يُلقب بـ”الباشا”…

فلم تكن موجودة في الصندوق.

قال المحقق:

“واضح إنه كان حريصًا إنه ما يسيبش أثر مباشر.”

لكن الأدلة الموجودة…

كانت كافية لإدانة كل من شارك في الجرائم المثبتة.

…

بعد شهور طويلة…

صدرت الأحكام.

كريم…

نال عقوبته عن الجرائم التي اعترف بها وشارك فيها.

ياسمين…

حوسبت على دورها فيما ثبت بالأدلة.

وعمي حسام…

فقد كل ما جمعه بالطمع…

وقضى بقية عمره يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه القانون.

أما أنا…

فاستعدت كل أموالي…

وكل الشركات التي ثبت حقي فيها.

لكن أهم حاجة رجعتلي…

ما كانتش الفلوس.

كانت راحة قلبي.

…

وقفت قدام قبر بابا.

حطيت باقة ورد أبيض.

وقلت:

“أنا وعدتك…”

“إني أدور على الحق.”

“مش على الانتقام.”

“ووفيت بوعدي.”

حسيت لأول مرة…

إن الحمل اللي كنت شايلاه على كتفي…

اختفى.

…

بعد سنة…

افتتحت مؤسسة خيرية باسم والدي.

كانت بتساعد الشباب اللي بدأوا مشاريعهم من الصفر…

وبتقدم منح للطلبة.

كل ربح كنت بكسبه…

كان جزء منه بيرجع للناس.

لأن بابا كان دايمًا يقول:

“الفلوس قيمتها…

في الخير اللي بتعمله.”

…

وفي يوم الافتتاح…

وقفت قدام الحضور.

وبعد ما خلصت كلمتي…

خرجت من القاعة.

بصيت للسماء…

وابتسمت.

افتكرت مطار القاهرة…

اليوم اللي بكيت فيه في حضن كريم.

وقتها…

كل الناس افتكرت إني ست مكسورة.

لكن الحقيقة…

إن دموعي كانت آخر مشهد…

في حياة الزوجة المخدوعة.

وأول مشهد…

في حياة امرأة…

عرفت إن الحق…

ممكن يتأخر.

لكنه…

لما يرجع…

بيرجع كامل.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *