بعد العوده حكـايـات أسمـا ×3

الجزء الخامس والأخير: المفتاح اللي كان جواها

كمال قالها بهدوء:

— المفتاح الحقيقي… مزروع جواها.

وقفت للحظة كأن كل الأصوات اختفت.

بصيت ناحية العربية.

ياسمين كانت في الخلف، فاقدة الوعي، ووشها مغطى بالشاش.

شريف جنبها، ضاغط بإيده على كتفه المصاب.

قلت:

— مزروع فين؟

كمال ابتسم.

— مش هقول.

حازم رفع سلاحه ناحيته.

— إنت مقبوض عليك.

كمال بص له باحتقار.

— إنت فاكر إن أمر قبض يوقف حاجة اتبنت من تلاتين سنة؟

حازم قال:

— حط إيدك فوق راسك.

كمال ما اتحركش.

رجاله كانوا مترددين.

بعضهم أنزل السلاح.

والبعض فضل ثابت.

قلت:

— ياسمين في خطر؟

كمال بص لي.

— طول ما المفتاح جواها، آه.

— المفتاح بيفتح إيه؟

— حسابات. أسماء. شبكات. أوامر عمليات.

— وشريحة صغيرة تعمل كل ده؟

— الشريحة مش فيها المعلومات. فيها كود التشفير.

قربت منه.

— مين زرعها؟

— عادل.

— وهي طفلة؟

— أيوه.

— وفؤاد كان عارف؟

— لأ.

— أمها؟

ابتسم.

— أمها كانت صاحبة الفكرة.

الجملة وقفتني.

— أمها ماتت.

— دي القصة اللي اتقالت.

حازم بص لي.

نفس النمط.

كل واحد في العيلة دي إما ميت على الورق أو حي في الظل.

قلت:

— اسمها الحقيقي إيه؟

كمال قال:

— نجلاء الراوي.

الاسم ما كانش غريبًا.

كنت شفته قبل كده في ملف المهمة.

اسم مستعار لقيادية مجهولة في الشبكة.

شخص ما ظهرش له وجه.

كان بيتقال عليها:

الست.

فهمت.

قلت:

— أم ياسمين هي رأس الشبكة.

كمال ضحك.

— أخيرًا وصلت.

حازم قال للجنود:

— كبلوه.

اتنين قربوا من كمال.

لكن قبل ما يمسكوه، ضغط زرًا صغيرًا في ساعته.

انفجار صوتي دوّى عند بوابة المستشفى.

الدخان غطى المكان.

رجاله اللي فضلوا موالين له فتحوا النار في الهوا، وبدأوا يتحركوا.

شدّيت باب العربية.

صرخت لشريف:

— انزل واطي!

حازم رد مع القوة.

كمال جرى ناحية سيارة سوداء.

لحقت به.

مسكته قبل ما يركب.

لف وضربني في وجهي.

رديت عليه.

كان أكبر مني، لكنه سريع.

اتخانقنا بين العربيات.

قال وهو بيحاول يخنقني:

— لو ماتت، المفتاح يضيع!

ضربته في صدره.

— ولو عاشت، هتوقعكم.

— هي بنتهم!

— هي مراتي.

دفعني ناحية العربية.

طلع سكينًا صغيرًا.

قبل ما يستخدمه، حازم ضربه في كتفه.

وقع السكين.

كبلناه.

الدخان بدأ يخف.

قلت لحازم:

— دخّل ياسمين العمليات حالًا.

وصل فريق طبي.

دخلوا العربية.

الدكتور شريف، طبيب العناية، ظهر وهو بيجري.

فحصها بسرعة.

قال:

— نبضها ضعيف. لازم غرفة عمليات.

قلت:

— في جسمها شريحة.

بص لي.

— شريحة إيه؟

كمال قال من الأرض:

— قرب الترقوة اليمين.

الدكتور بص له.

— إنت عرفت منين؟

كمال ابتسم.

— أنا اللي راقبت زرعها.

نقلوا ياسمين.

فضلت ماشي جنب السرير.

قبل باب العمليات، الدكتور وقفني.

— لازم نستقر على الأولوية.

— يعني إيه؟

— عندها نزيف داخلي وإصابات في الرأس والرئة. إزالة أي جسم مزروع دلوقتي ممكن تكون مخاطرة زيادة.

— ولو سبناه؟

كمال قال من بعيد:

— في جهاز متصل بالشريحة.

لفيت له.

— إيه؟

— لو نجلاء أرسلت أمر المسح، الشريحة تسخن وتدمر نفسها.

الدكتور قال:

— لو ده صحيح وموجود قرب أوعية دموية، ممكن يسبب نزيف أو حرق داخلي.

قلت:

— شيلوها.

— لازم نحدد مكانها بالأشعة.

— اعملوا أي حاجة.

الدكتور دخل.

الأبواب اتقفلت.

وقفت بره.

إيدي عليها دم.

دم ياسمين.

دم شريف.

ودمي.

حازم قرب.

قال:

— كمال هيتنقل لمكان آمن.

— ما يخرجش من هنا قبل ما يقول مكان نجلاء.

— بدأنا التحقيق.

— مفيش وقت.

دخلت غرفة جانبية كان كمال متحفظًا فيها.

وقف حارسان عند الباب.

قلت:

— سيبوني معاه.

حازم قال:

— خمس دقايق.

دخلت.

كمال كان مربوطًا في الكرسي.

كتفه متضمد.

قال:

— جاي تنتقم؟

— جاي آخد عنوان.

— عنوان مين؟

— نجلاء.

ضحك.

— ما لهاش عنوان.

— كل إنسان له مكان.

— هي ما بتسكنش. بتتحرك.

— فين دلوقتي؟

— لو قلت لك، هتموت.

— مش أول مرة أسمعها.

— إنت مش فاهم. نجلاء مش زي فؤاد وعادل. دول كانوا أدوات.

— وإنت؟

سكت.

قلت:

— إنت كمان أداة.

ملامحه اتغيرت.

لمست مكان الضعف.

كملت:

— طول عمرك فاكر نفسك قائد. لكن الحقيقة إنك حارس باب.

— اسكت.

— نجلاء ما وثقتش فيك. الدليل إنها زرعت المفتاح في بنتها، مش عندك.

شدّ القيود.

— أنا اللي بنيت الشبكة.

— وهي اللي اختارت مين يعرف ومين يفضل أعمى.

— إنت ما تعرفش حاجة.

— أعرف إنها لسه مستخدماك. سابتك تتقبض عليك علشان هي تهرب.

سكت.

قلت:

— قالت لك إن عندها خطة خروج؟

ما ردش.

— قالت لك إنها هتطلعك؟

وشه اتحرك.

لقيتها.

قلت:

— كذبت عليك.

كمال بص لي بكره.

— هي في بيت الساحل.

— فين؟

— مش هقول.

قربت منه.

— ياسمين على طاولة العمليات. لو الشريحة انفجرت جواها، إنت هتتحاكم على قت*ل بنت الست اللي فضلت تخدمها طول عمرك.

— نجلاء مش هتق*تل بنتها.

— سابت أهلها يكسروها واحد وثلاثين كسر.

— ما كانتش تعرف.

— كداب.

— كانت عايزة تخوفها.

— كلكم بتقولوا نفس الجملة.

سكت.

ثم قال:

— الكيلو سبعة وأربعين، طريق الساحل القديم. فيلا بيضا من غير رقم.

خرجت.

حازم قال:

— هنرسل قوة.

قلت:

— أنا رايح.

— ياسمين في العمليات.

— ونجلاء ممكن تفعّل الشريحة من هناك.

— مش متأكدين.

— مش هستنى أتأكد وهي بتموت.

حازم مسكني من كتفي.

— آدم، إنت مش آلة.

— عارف.

— ممكن تدخل فخ.

— أكيد فخ.

— يبقى ما تدخلش لوحدك.

قلت:

— ابعت القوة ورايا.

ركبت العربية.

في الطريق، اتصل الدكتور.

رديت فورًا.

— لقيتوا الشريحة؟

— أيوه.

— فين؟

— تحت عظمة الترقوة، قريبة من شريان كبير.

— تقدروا تشيلوها؟

— محتاجين شفرة تعطيل.

— وإلا؟

— محاولة الإزالة ممكن تفعل آلية حماية.

— وكمال؟

— قال إن الشفرة عند نجلاء.

قلت:

— قدامكم وقت قد إيه؟

— حسب حرارة الشريحة. بدأت ترتفع درجة بسيطة.

زودت السرعة.

وصلت طريق الساحل.

الفيلا ظهرت.

بيضا.

كبيرة.

معزولة.

البوابة مفتوحة.

وده كان أوضح دليل إنها مستنياني.

دخلت.

الصالة كانت هادية.

صور ياسمين وهي طفلة على الحيطان.

صور ما شافتهاش هي نفسها.

صوت ست جه من فوق:

— تأخرت يا آدم.

رفعت رأسي.

نجلاء نزلت السلم.

ست في أوائل الستينات.

ملامحها هادية.

أنيقة.

وعينيها شبه ياسمين بشكل مخيف.

قالت:

— أخيرًا قابلت الرجل اللي اختارته بنتي.

قلت:

— الشفرة.

— مش هتسألني عنها؟

— الشفرة.

ابتسمت.

— بتحبها فعلًا.

— أكتر من أي كلمة هتقوليها.

— هي دمي.

— وإنتِ عذبتيها.

— أنا ما لمستهاش.

— سبتِ غيرك يعمل.

— كانت لازم تتعلم.

— تتعلم إيه؟

— إن الثقة ضعف.

قلت:

— الشفرة.

راحت ناحية ترابيزة.

صبّت لنفسها مشروبًا.

— ياسمين كانت موهوبة من وهي طفلة. ذاكرتها قوية. بتحفظ الأرقام من مرة واحدة.

— علشان كده زرعتوا الكود فيها؟

— الشريحة كانت أمان.

— أمان لمين؟

— للشبكة.

— وهي؟

— جزء من الشبكة حتى لو رفضت.

قلت:

— هي مش جزء من حاجة.

نجلاء ضحكت.

— إنت فاكر الجواز غيّر دمها؟

— الدم ما يحددش الإنسان.

— كلام جميل.

— الشفرة.

بصت للساعة.

— الحرارة بتزيد، صح؟

إيدي اتقبضت.

— لو ماتت—

— مش هتموت لو نفذت كلامي.

— عايزة إيه؟

— الصفحة الأخيرة.

— مع الجهات المختصة.

— النسخة الأصلية معاك.

— مش معايا.

— كمال قال لي.

فهمت.

كمال كان لسه بيلعب ناحيتين.

قلت:

— كمال اتقبض عليه.

— عارفه.

— وسابك.

ابتسمت.

— هو فاكر إني هطلعه.

— مش هتطلعيه.

— كمال انتهى.

نفس الطريقة.

كل أداة تنتهي.

قلت:

— هتسيبيه يتحاسب لوحده.

— كل واحد مسؤول عن أخطائه.

— إلا إنتِ؟

قربت مني.

— أنا ما بخطئش.

قلت:

— أكبر خطأ إنك سبتِ ياسمين عايشة.

ابتسامتها اختفت.

— إنت فاكر إنها انتصرت؟

— هي على طاولة العمليات ولسه أقوى منك.

رفعت جهازًا صغيرًا.

على الشاشة درجة حرارة.

قالت:

— ضغطة واحدة، والشريحة تتلف.

رفعت سلاحي.

— ارمِ الجهاز.

— لو ضربتني، إصبعي هيضغط.

— قولي الشفرة.

— الملف.

قلت:

— حتى لو اديتهولك، الشبكة انتهت.

— الشبكات ما بتنتهيش.

— الناس بتتكلم.

— الناس تخاف.

— ياسمين هتتكلم.

— لو عاشت.

في اللحظة دي، ظهر رجل من الباب الجانبي.

كان سامح.

ظابط المباحث.

كتفه متضمد من الرصاصة.

قال:

— حط السلاح يا آدم.

اتصدمت.

— إنت لسه شغال معاهم؟

قال:

— ما عنديش اختيار.

— دايمًا في اختيار.

— بنتي عندهم.

نجلاء قالت:

— ما تضيعش وقت.

سامح وجه السلاح نحوي.

قال:

— ارميه.

رميت سلاحي.

نجلاء قالت:

— الصفحة.

قلت:

— مش هنا.

— يبقى ياسمين تموت.

سامح قال:

— مدام نجلاء، اتفقنا محدش يموت.

بصت له.

— وإنت صدقت؟

وشه اتغير.

فهم إن بنته مجرد ورقة.

زي ياسمين.

زي كل الناس.

قلت له:

— هي هتقت*ل بنتك بعد ما تخلص.

— اسكت.

— كمال انتهى. عادل انتهى. فؤاد انتهى. دورك جاي.

نجلاء رفعت الجهاز.

— خلص.

سامح كان مترددًا.

قلت:

— عندك فرصة واحدة تعمل الصح.

نجلاء قالت:

— اضربه.

سامح وجه السلاح ناحيتي.

ثم لفه فجأة ناحيتها.

— هاتي بنتي.

نجلاء ضحكت.

— ضعيف.

ضغطت زرًا.

أنا اندفعت.

ضربت إيدها.

الجهاز وقع.

سامح ضرب النار على الحارس اللي ظهر من الخلف.

نجلاء حاولت توصل للجهاز.

مسكتها.

اتخانقنا.

رغم سنها، كانت مدربة.

ضربتني في رقبتي.

بعدت.

مسكت الجهاز.

ظهر عد تنازلي.

خمسون ثانية.

قلت:

— أوقفيه!

— الملف.

— الشفرة!

— موتها هيكون ذنبك.

سامح ضرب يدها.

الجهاز وقع واتكسر.

الشاشة انطفأت.

قلبي وقف.

هل ده أوقف الأمر؟

أم فعله؟

اتصلت بالدكتور.

— الحرارة بتزيد؟

سمعت أصوات أجهزة.

قال:

— زادت فجأة.

— فين شفرة التعطيل؟

نجلاء كانت على الأرض.

مسكتها من هدومها.

— الشفرة!

ضحكت.

— راحت مع الجهاز.

ضغطت على رقبتها.

— قوليها.

— اق*تلني.

— إنتِ عايزة تموتي بدل ما تتحاكمي.

سكتت.

قلت:

— ياسمين قالت لي حاجة عنك.

ملامحها اتحركت.

— إيه؟

— قالت إنك طول عمرك خايفة منها.

— أنا؟

— لأنها قدرت تحب.

— الحب ضعف.

— لأ. الحب خلاها تقاومك.

قالت بعصبية:

— هي نسخة مني.

— دي أكبر كذبة بتقوليها لنفسك.

صوت الدكتور جاء من الموبايل:

— آدم، قدامنا دقايق!

صرخت:

— الشفرة!

نجلاء بصت لي.

ثم قالت:

— تاريخ ميلادها معكوس.

— كام رقم؟

— تمانية.

قلت للدكتور.

سمعته يكرر الرقم.

ثواني.

طويلة.

ثم قال:

— الحرارة نزلت.

نفسي رجع.

وقعت على ركبتي للحظة.

حازم والقوة اقتحموا الفيلا.

كبلوا نجلاء.

سامح رفع إيده.

قال:

— أنا هعترف.

نجلاء بصت له باحتقار.

— خائن.

رد:

— لأ. أب متأخر.

قلت:

— زي فؤاد.

نجلاء اتاخدت.

رجعت المستشفى.

العملية كانت لسه مستمرة.

قعدت قدام الباب.

حازم جنبي.

قال:

— سامح قال مكان بنته. لقيناها عايشة.

هزيت راسي.

— وكمال؟

— بدأ يتكلم بعد ما عرف إن نجلاء اتقبض عليها.

— عادل؟

— تحت الحراسة.

— فؤاد؟

— حالته مستقرة، وهيتحاكم.

— إخوات ياسمين؟

— كل واحد حسب دوره.

سكتنا.

بعد ساعات، خرج الدكتور.

قمت.

قال:

— الشريحة اتشالت.

— وياسمين؟

ابتسم.

— مستقرة.

دخلت لها.

كانت لسه تحت التخدير.

قعدت جنبها.

مسكت إيدها.

قلت:

— عيلتك كلها تقريبًا حاولت تق*تلك، وإنتِ مصممة تفضلي عايشة.

بعد وقت، فتحت عينيها.

بصت لي.

قالت بصوت ضعيف:

— رجعت؟

ابتسمت.

— من تمانية شهور.

حركت شفايفها.

— متأخر.

— عارف.

— أمي؟

— اتقبض عليها.

قفلت عينيها.

دمعة نزلت.

قلت:

— زعلانة؟

— مش عارفة.

— مش لازم تعرفي دلوقتي.

قالت:

— شريف؟

— عايش.

— فؤاد؟

— عايش.

— عادل؟

— اتحبس.

— إخواتي؟

— بيتحقق معاهم.

سكتت.

ثم قالت:

— وسليم؟

نزلت عيني.

فهمت.

بدأت تبكي.

حضنت إيدها.

قالت:

— أنا السبب.

— لأ.

— أنا اللي دخلته.

— هو اختار.

— علشاني.

— وعشاني.

سكتنا.

بعد أسابيع، بدأت التحقيقات.

نجلاء اعترفت بجزء، وأنكرت الباقي.

لكن الشريحة كشفت كل شيء.

أسماء مسؤولين.

شركات.

تحويلات.

أوامر اغتيال.

ملفات أطفال تم زرع شرائح في أجسامهم.

كمال حاول يعقد صفقة.

سامح شهد.

عادل اعترف.

وفؤاد قال الحقيقة كاملة.

قال إنه ربّى ياسمين في البداية خوفًا من عادل.

ثم أحبها كابنته.

لكنه مع السنين دخل في الفساد، واستفاد، وسكت.

القاضي سأله:

— لماذا لم تحمها؟

قال:

— لأنني كنت أخاف على أولادي الآخرين.

ياسمين حضرت الجلسة على كرسي متحرك.

بصت له.

قالت:

— وأنا ما كنتش واحدة منهم؟

فؤاد بكى.

ما عرفش يجاوب.

مجدي وحسام ووليد اتحاكموا على التعذيب والخطف والشروع في الق*تل.

شريف أخد حكمًا أخف لتعاونه، لكنه ما خرجش بريئًا.

ياسمين قالت له في الزيارة:

— إنت أنقذتني لما اتصلت بالإسعاف.

قال:

— بعد ما سبتهم يضربوكي.

— الاتنين صح.

— تسامحيني؟

— مش دلوقتي.

هز راسه.

— هستنى.

قالت:

— ما تستناش السماح. أصلح نفسك.

بعد سنة، كانت ياسمين لسه بتتعلم تمشي.

واحد وثلاثون كسرًا ما يختفوش بسهولة.

كنت واقف جنبها في مركز التأهيل.

قالت:

— سيب إيدي.

— هتقعي.

— لازم أقع علشان أعرف أقف.

سيبتها.

أخدت خطوة.

رجليها اترعشت.

لكنها ما وقعتش.

أخدت خطوة تانية.

ثم تالتة.

بكت.

وأنا بكيت من غير ما أخبي.

قالت:

— حضرة الضابط بيعيط؟

— تراب دخل عيني.

ضحكت.

أول ضحكة حقيقية بعد الكابوس.

بعدها رحنا قبر سليم.

حطيت وسامه على الرخام.

قالت:

— كان أخوك فترة قصيرة.

قلت:

— كان أخويا طول العمر، بس ما كنتش أعرف.

وقفت جنبي.

قالت:

— أنا آسفة إني خبيت وجوده.

— لسه زعلان.

— عارفة.

— لكن فاهم ليه.

— ده كفاية؟

— بداية.

رجعنا شقتنا.

الكلور كان اختفى.

الدم اتنضف.

لكن تحت الكنبة سيبنا خدشًا صغيرًا في السيراميك.

قالت ياسمين:

— ليه ما غيرناش البلاطة؟

قلت:

— علشان نفتكر إنهم حاولوا يمسحوا الحقيقة وما عرفوش.

قعدت على الكنبة.

بصت لي.

— إنت وعدتني ترجع حقي.

— رجع؟

فكرت.

— مش كله.

— إيه اللي ناقص؟

— حياتنا.

قعدت جنبها.

— نبدأها.

قالت:

— من غير أسرار؟

— من غير أسرار.

— ومن غير مهمات تمانية شهور؟

— دي صعبة.

بصت لي بحدة.

قلت:

— بهزر.

ضحكت.

وبعد سنتين، خرجت ياسمين من باب المحكمة ماشية على رجليها.

الصحفيون تجمعوا.

سألوها:

— شعورك بعد الحكم؟

بصت للكاميرات.

قالت:

— الناس فاكرة إن أخطر لحظة كانت وأنا بتضرب. لأ. أخطر لحظة كانت لما سكتنا سنين عن حاجات صغيرة، لحد ما الوحوش افتكرت إن مفيش حد هيوقفها.

سألوها:

— سامحتِ عيلتك؟

قالت:

— التسامح قرار شخصي. لكن الحساب حق المجتمع.

خرجنا.

مسكت إيدي.

قلت:

— كلام كبير.

— اتعلمت من حضرة الضابط.

— أنا ما بتكلمش كده.

— فعلًا. إنت بتضرب الأول.

ضحكت.

مشينا ناحية العربية.

قالت:

— فاكر أول ما رجعت؟

— فاكر.

— لقيتني بين الحياة والموت.

— أيوه.

— وأهلي بيضحكوا.

— أيوه.

— كنت ناوي تعمل إيه؟

بصيت لها.

— كنت ناوي أهدم الدنيا.

— ودلوقتي؟

— أبني واحدة جديدة.

ابتسمت.

ركبنا.

وخلفنا، كانت أكبر شبكة عشنا نخاف منها بتسقط اسمًا وراء اسم.

مش لأنني كنت أخطر رجل قابلهم.

ولا لأنني رجعت من مهمة سرية.

لكن لأن ياسمين عاشت.

ولأن شريف تكلم.

ولأن سامح اختار بنته بدل خوفه.

ولأن الناس اللي كانوا شايفين نفسهم أدوات، قرروا أخيرًا يبقوا شهودًا.

الوحوش ما بتقعش دايمًا برصاصة.

أحيانًا بتقع لما أول شخص مرعوب يقرر يقول:

“أنا شفت.”

والتاني يقول:

“وأنا كمان.”

لحد ما الحقيقة تبقى أعلى من نفوذهم.

ياسمين حطت راسها على كتفي.

قالت:

— آدم؟

— أيوه.

— المرة الجاية لما ترجع من مهمة، كلمني قبلها.

— علشان إيه؟

— علشان أغيّر الكلور.

بصيت لها.

ضحكت.

ضحكت معاها.

والمرة دي، صوت ضحكتها ما كانش جاي من ممر مستشفى.

كان جاي من بيتنا.

بيت اتبنى من جديد.

من غير أسرار.

ومن غير خوف.

ومن غير حد واقف قدام باب العناية يضحك.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *