48 ساعه حكايات اسما السيد3
الفصل الخامس: محاولة إسكات الشاهدة الأخيرة
لم ينتظر ثانية واحدة.
قفز من مكانه وركض خارج قسم الشرطة، بينما كان الضابط ومعه اثنان من أفراد الأمن يركضون خلفه.
طوال الطريق إلى المستشفى…
لم يكن يسمع شيئًا.
لا أصوات السيارات.
ولا صفارات المرور.
كل ما كان يدور في رأسه سؤال واحد…
“هي كويسة؟”
…
وصلوا إلى المستشفى بعد أقل من عشر دقائق.
كان أفراد الأمن يقفون أمام قسم النساء والولادة.
والممرضات يتحدثن بانفعال.
اقترب الضابط بسرعة.
ـ إيه اللي حصل؟
رد أحد أفراد الأمن:
ـ راجل لابس زي ممرض دخل الدور.
كان معاه ملف طبي.
وقال إنه جاي ينقل المريضة لأشعة عاجلة.
لكن ممرضة شافت إن اسمه مش موجود في جدول الشيفت.
أول ما واجهوه…
جرى.
سأله الضابط:
ـ صورته؟
أخرج رجل الأمن هاتفه.
ـ كاميرا الممر صورته.
فتح الفيديو.
ظهر رجل يرتدي كمامة وقبعة طبية.
لكن…
عندما رفع رأسه للحظة…
تجمد الزوج في مكانه.
قال بصوت مخنوق:
ـ أنا أعرفه.
نظر إليه الضابط.
ـ مين؟
ابتلع ريقه.
ـ ده المحامي…
المحامي اللي كان بيخلص كل أوراق عيلتنا.
هو نفس الاسم اللي كان مكتوب في الدفتر.
أمر الضابط فورًا بتعميم صورته.
لكن الرجل كان قد اختفى.
…
دخل الزوج غرفة زوجته.
كانت مستيقظة هذه المرة.
وجهها ما زال شاحبًا.
لكنها ابتسمت عندما رأته.
اقترب منها.
وأمسك يدها.
قالت بصوت خافت:
ـ أنا كنت فاكرة إني هموت.
دمعت عيناه.
ـ خلاص…
كله انتهى.
هزت رأسها بالنفي.
ـ لا…
لسه منتهيش.
نظر إليها باستغراب.
قالت وهي تنظر إلى باب الغرفة، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:
ـ فيه حاجة لازم تعرفها.
اقترب أكثر.
ـ إيه هي؟
تنهدت.
ثم قالت:
ـ اليوم اللي حبسوني فيه…
قبل ما يقفلوا الباب…
سمعت خالك بيقول لمامتك…
“بعد ما نخلص من دي… ييجي دور ابنك.”
شعر وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميه.
ـ إيه؟
قالت:
ـ كانوا مش عايزين يخلصوا مني أنا بس…
كانوا ناويين يخلصوا منك كمان.
عشان كل حاجة تبقى باسمهم.
ساد الصمت.
لم يستطع الكلام.
أمسك رأسه بيده.
كل ما كان يظنه مجرد خلافات عائلية…
اتضح أنه خطة كاملة.
…
في الوقت نفسه…
كانت الشرطة تراجع الحسابات البنكية.
واكتشفوا شيئًا غريبًا.
قبل سفر الزوج بثلاثة أيام…
تم سحب مبلغ كبير من حساب والده المتوفى.
رغم أن الحساب كان مجمدًا.
والتوقيع…
كان مطابقًا لتوقيع الأب.
لكن الأب…
متوفى منذ خمس سنوات.
قال الضابط:
ـ فيه حد بيلعب في الأوراق من زمان.
…
وبينما كانت التحقيقات مستمرة…
وصل تقرير الأدلة الجنائية الخاص بالدفتر الأسود.
وجدوا بداخله أسماء أخرى.
أرامل.
ورثة.
كبار سن.
كلهم نقلوا ممتلكاتهم خلال السنوات الماضية لنفس المحامي.
وفي كل قض\ية…
كان هناك فرد من العائلة يختفي فجأة.
أو يتنازل عن حقه.
أو يموت في ظروف غامضة.
قال الضابط وهو يقلب الملفات:
ـ إحنا قدام تنظيم كامل.
مش مجرد جري\مة احتجاز.
…
في المساء…
قرر الضابط وضع حراسة مشددة على غرفة الزوجة.
وقف شرطيان أمام الباب.
وأغلقوا الممر بالكامل.
لكن…
في الثانية بعد منتصف الليل…
انطفأت الكهرباء في الدور كله.
لثلاثين ثانية فقط.
ثم عادت.
بدا الأمر عاديًا.
إلى أن صرخ أحد أفراد الأمن فجأة:
ـ أوضة المريضة… الباب مفتوح!
ركض الجميع إلى الداخل.
وجدوا الزوج واقفًا بجوار السرير.
لكن…
السرير كان فارغًا.
زوجته…
اختفت.
كانت أجهزة المراقبة لا تزال تعمل.
والمحاليل معلقة.
لكنها لم تكن موجودة.
نظر الضابط إلى كاميرات المستشفى.
فاكتشف أن تسجيل الثلاثين ثانية التي انقطعت فيها الكهرباء…
اختفى بالكامل.
وكأن أحدًا…
كان يعرف بالضبط ماذا يفعل.
أما على الوسادة…
فوجدوا ورقة صغيرة مطوية.
فتحها الضابط ببطء.
وكان مكتوبًا فيها بخط واحد فقط:
“لو عايز مراتك ترجعلك حية… اقفل القض\ية.”
ساد الصمت.
وأدرك الجميع…
أن المعركة الحقيقية…
بدأت الآن.
يتبع في الفصل السادس…
الفصل الأخير
وصلت نتائج التحقيقات خلال أيام قليلة، وكانت الأدلة قاطعة.
تسجيلات الكاميرات، والتسجيلات الصوتية، وأقوال الأخ الأصغر، وتقارير الأدلة الجنائية… كلها أكدت أن الأم وخالها احتجزا زوجة الابن عمدًا لإجبارها على التوقيع على توكيلات ومستندات تنقل جزءًا من ممتلكات الأسرة، مستغلين سفر الزوج.
أما المحامي، فثبت تورطه في إعداد أوراق مزورة، وتم القبض عليه قبل أن يتمكن من الهرب.
أما الزوجة…
فبعد أيام في العناية المركزة، استعادت وعيها بالكامل.
كانت أول جملة قالتها وهي تمسك يد زوجها:
“كنت واثقة إنك هترجع… حتى وأنا محبوسة.”
لم يتمالك نفسه.
بكى لأول مرة منذ سنوات.
وقال:
“سامحيني… سبتك وسط ناس مكنتش أعرف حقيقتهم.”
ابتسمت رغم الألم.
وقالت:
“المهم إنك صدقتني.”
بعد أسابيع…
أصدرت المحكمة قرارًا بحبس الأم وشريكها والمحامي، بعد ثبوت جرائم الاحتجاز القسري، والتعذيب، والشروع في الإضرار بالجنين، والتزوير في محررات رسمية.
أما الأخ الأصغر…
فبعد تعاونه مع التحقيقات واعترافه الكامل، خففت المحكمة عقوبته، لكنه ظل يعيش وهو يحمل شعورًا بالذنب لأنه لم ينقذ زوجة أخيه من البداية.
قرر الزوج بيع المنزل كله.
لم يعد يريد أن يعيش في مكان كاد يفقد فيه زوجته وطفله.
استأجر شقة صغيرة بالقرب من المستشفى التي كانت تتابع فيها حملها.
كان يرافقها في كل زيارة.
ويعد لها الطعام بنفسه.
ولم يسمح لأحد من عائلته بالاقتراب منها مرة أخرى.
مرت الشهور…
وجاء اليوم المنتظر.
وقف خارج غرفة الولادة، وقلبه يخفق كما لم يخفق من قبل.
وبعد دقائق…
خرج الطبيب مبتسمًا.
وقال:
“مبروك… الأم والطفل بخير.”
دخل إليها وهو يحمل دموع الفرح.
وضعت الطفل بين ذراعيه.
وقالت وهي تبتسم:
“شايف؟ ربنا كتب له عمر جديد… زيه زي أمه.”
نظر إلى ابنه الصغير.
ثم نظر إليها.
وقال:
“الوعد اللي بوعدهولك النهارده…
إن عمره ما هيعيش الخوف اللي عشناه.
ولا هيكبر في بيت يخاف فيه من أقرب الناس ليه.”
بعد عام…
كان الطفل يخطو أولى خطواته في حديقة منزله الجديد.
كانت الأم تضحك وهي تراقبه.
أما الأب…
فكان ينظر إليهما في صمت.
وأدرك أن البيت الحقيقي…
ليس الجدران التي يسكنها الإنسان.
بل الأشخاص الذين يشعر بينهم بالأمان.
تمت.