48 ساعه حكايات اسما السيد2

الفصل الثالث: الكاميرا التي كشفت الوجه الحقيقي
لم ينم تلك الليلة.
ظل جالسًا على المقعد المعدني أمام غرفة العناية، ينظر إلى الباب المغلق منذ ساعات.
كل دقيقة كانت تمر كأنها سنة.
كان يدعو في صمت…
“يا رب بس تقوم هي والبيبي.”
خرج الطبيب في الثالثة فجراً.
اقترب منه بسرعة.
قال الطبيب:
ـ حالتها استقرت شوية.
لكنها لسه تحت الملاحظة.
الجفاف والإجهاد اللي اتعرضت له كانوا شديدين جدًا.
الحمل لسه موجود…
لكن أي ضغط نفسي دلوقتي ممكن يسبب مضاعفات.
تنفس للمرة الأولى منذ ساعات.
ثم جلس على الكرسي وهو يحمد الله.
لكن هاتفه رن.
كان الضابط.
ـ محتاجك تيجي القسم حالًا.
لقينا تسجيلات الكاميرات.
…
بعد نصف ساعة…
كان يجلس أمام شاشة كبيرة داخل غرفة التحقيق.
بدأ الضابط تشغيل التسجيل.
ظهرت زوجته.
كانت تقف أمام باب المنزل.
تضع يدها على بطنها.
وتتكلم مع أمه بهدوء.
لم يكن هناك أي شجار.
ولا صوت مرتفع.
فجأة…
خرج الأخ الأصغر من الداخل.
أمسك ذراعها بقوة.
حاولت أن تفلت منه.
لكن الأم صفعتها على وجهها.
اتسعت عيناه وهو يشاهد المشهد.
كانت زوجته تبكي.
وتشير إلى بطنها.
واضح أنها كانت تستجديهما.
ثم…
فتح الأخ باب المخزن.
ودفعها إلى الداخل بعنف.
حاولت الخروج.
لكن الأم دفعتها مرة أخرى.
وأغلقت الباب.
ثم…
وضعت القفل بنفسها.
تجمد الدم في عروقه.
قال الضابط:
ـ استنى…
لسه مخلصناش.
استمر الفيديو.
بعد ساعتين تقريبًا…
توقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
نزل منها رجل في منتصف الخمسينات.
بملابس أنيقة.
عرفه فورًا.
كان خاله…
شقيق أمه.
دخل المنزل.
وبعد عشر دقائق…
خرج وهو يحمل ملفًا أزرق.
نظر الزوج إلى الضابط.
ـ الملف ده بتاع إيه؟
فتح الضابط الملف أمامه.
كانت أوراق المنزل.
وعقد الأرض الزراعية.
وحسابات البنك.
رفع رأسه في دهشة.
ـ إيه علاقة ده بمراتي؟
قال الضابط:
ـ استنى.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت نسخة من توكيل عام.
لكن…
التوقيع كان مزورًا.
وتحته اسم زوجته.
اتسعت عيناه.
ـ مستحيل…
قال الضابط:
ـ واضح إنهم كانوا بيجهزوا ينقلوا بعض الممتلكات باسم خالك.
قال الزوج بصدمة:
ـ ليه؟
أجابه الضابط:
ـ لأنك كنت مسافر.
ولو حصل لمراتك أي حاجة…
وهي حامل…
كان هيبقى فيه ميراث معقد.
والظاهر إن في حد كان مستعجل.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
هل كان احتجازها…
جزءًا من خطة أكبر؟
…
في صباح اليوم التالي…
بدأت زوجته تستعيد وعيها.
دخل عليها وهو يمسك يدها برفق.
فتحت عينيها بصعوبة.
ابتسمت عندما رأته.
ثم بكت.
قال وهو يقبل رأسها:
ـ خلاص…
أنا جنبك.
مش هسيبك تاني.
أمسكت يده بقوة.
وقالت بصوت ضعيف:
ـ كانوا… عايزين يخلوني أمضي.
نظر إليها بسرعة.
ـ أمضي على إيه؟
قالت:
ـ معرفش.
كانوا بيجيبوا ورق كل يوم.
ويقولوا…
“امضي… وجوزك موافق.”
ولما كنت أرفض…
كانوا يمنعوا عني الأكل.
شعر بأن الغضب يكاد يفقده عقله.
لكنها لم تنته.
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم همست:
ـ وفي آخر يوم…
سمعت مامتك بتقول لخالك…
“لو ماتت هي والجنين… هنقول إنها كانت تعبانة من الحمل.”
ساد الصمت داخل الغرفة.
لم يعد يسمع سوى صوت أجهزة المراقبة.
كانت الكلمات أثقل من أن تُصدق.
…
في القسم…
واجه الضابط الأم بما قالته زوجة ابنها.
لكنها أنكرت كل شيء.
أما الخال…
فادعى أنه جاء فقط لزيارة أخته.
إلا أن مفاجأة جديدة قلبت التحقيق.
دخل خبير الأدلة الرقمية وهو يحمل هاتفًا قديمًا.
وقال:
ـ لقينا ده تحت مرتبة في القبو.
نظر الزوج إلى الهاتف.
كان هاتف زوجته القديم.
قال الخبير:
ـ كان مكسور.
لكن قدرنا نستخرج التسجيلات الصوتية.
ضغط زر التشغيل.
وانطلق صوت الأم بوضوح:
“امضي يا بنت… وإلا هتفضلي هنا لحد ما محدش يعرفلك طريق.”
ثم جاء صوت الخال:
“كل يوم تأخير بيضيع علينا فلوس… خلصوا الموضوع.”
ساد صمت ثقيل.
حتى الضابط نفسه لم يتكلم.
أما الأم…
فبدأ لون وجهها يتغير.
لأول مرة…
ظهر عليها الخوف الحقيقي.
لكن قبل أن يقرر وكيل النيابة حبسهم…
دخل أحد أفراد الشرطة مسرعًا وهو يقول:
ـ يا فندم…
في واحدة بره بتقول إنها شاهدة على كل حاجة…
وإنها كانت ساكتة من الخوف…
لكن ضميرها مقدرش يسكت أكتر.
نظر الضابط نحو الباب وقال:
ـ دخلوها.
دخلت امرأة مسنة…
وما إن رآها الزوج…
حتى عرف أنها الجارة التي كانت تسكن في المنزل المقابل.
لكن ما قالته بعد جلوسها…
كشف أن هذه لم تكن أول مرة ترتكب فيها الأم مثل هذه الأفعال…
وأن هناك سرًا قديمًا مدفونًا منذ سنوات…
سيغير القض\ية بالكامل.
يتبع في الفصل الرابع…
الفصل الرابع: الشاهدة التي كسرت سنوات الصمت
دخلت المرأة العجوز بخطوات بطيئة، تستند إلى عصا خشبية.
كان عمرها يقترب من السبعين، لكن عينيها كانتا تحملان خوفًا قديمًا لم تستطع السنوات أن تمحوه.
جلست أمام الضابط، وظلت تنظر إلى الأم لثوانٍ طويلة.
أما الأم…
فقد شحب وجهها.
وقالت بصوت مرتفع:
ـ دي ست خرفت… متسمعوش كلامها.
لكن المرأة لم تلتفت إليها.
وقالت بهدوء:
ـ أنا جاية أقول الحقيقة… حتى لو اتحاسبت إني اتأخرت.
فتح الضابط دفتر التحقيق.
ـ اتفضلي.
تنهدت العجوز طويلًا.
ثم قالت:
ـ أنا جارتهُم من أكتر من عشرين سنة… وشوفت حاجات كتير.
لكن أول مرة أخاف كانت بعد وفاة والد الولد ده.
أشارت إلى الزوج.
ثم أكملت:
ـ من يومها وهي بقت شايفة البيت والميراث ملك ليها لوحدها.
كانت أي حد يعترضها… تتحول لإنسانة تانية.
سألها الضابط:
ـ تقصدي إيه؟
قالت:
ـ أقصد إنها كانت بتحب تتحكم في كل الناس.
حتى أولادها.
كانت دايمًا تقول…
“اللي يخرج عن كلامي… يندم.”
نظر الزوج إلى الأرض.
تذكر طفولته.
تذكر الضرب.
والإهانات.
وكيف كان والده دائمًا يطلب منه الصمت.
قالت العجوز:
ـ لكن اللي حصل مع مرات ابنها… مش أول مرة.
رفع الضابط رأسه بسرعة.
ـ يعني إيه؟
أخرجت من حقيبتها ظرفًا قديمًا.
وقالت:
ـ قبل عشر سنين… كان فيه بنت اشتغلت عندهم.
كانت يتيمة.
مالهاش حد.
ولما طلبت مرتبها…
اختفت.
ساد الصمت.
قال الضابط:
ـ اختفت؟
أومأت برأسها.
ـ يومها بلغت الشرطة.
لكن أم الولد قالت إنها سابت الشغل وسافرت.
والملف اتقفل.
فتح الضابط الظرف.
وجد صورة قديمة.
لفتاة في أوائل العشرينات.
وخلف الصورة…
ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مرتجف:
“لو حصلي حاجة… دوروا في بيتهم.”
نظر الضابط إلى الأم.
كانت المرة الأولى التي تفقد فيها رباطة جأشها.
صرخت:
ـ دي كدابة.
دي بتنتقم مني.
لكن الضابط لم يرد.
…
في الوقت نفسه…
كان رجال الأدلة الجنائية يعيدون تفتيش المنزل بالكامل.
لم يتركوا غرفة.
ولا حائطًا.
ولا قطعة أثاث.
وعندما وصلوا إلى القبو مرة أخرى…
لاحظ أحدهم أن أرضيته ليست متساوية.
طرق عليها بمطرقة صغيرة.
صدر صوت مختلف.
أمر بإزالة البلاط.
وبعد ساعات من العمل…
ظهرت حفرة إسمنتية مغلقة حديثًا.
وقف الجميع في صمت.
بدأ العمال يكسرون الخرسانة.
كانت الأم تراقب من بعيد.
وفجأة…
صرخت:
ـ سيبوا المكان ده.
مفيش حاجة فيه.
نظر إليها الضابط.
ثم قال ببرود:
ـ كملوا.
ازدادت ضربات المطرقة.
حتى انكسر آخر جزء من الغطاء.
لكن…
لم يجدوا ما توقعوه.
كانت الحفرة تحتوي على صندوق معدني كبير.
أخرجوه بصعوبة.
فتحوه.
فوجدوا داخله…
ملفات.
وعقود.
وشهادات ميلاد.
وصورًا قديمة.
وعددًا كبيرًا من المستندات.
لكن أكثر ما لفت انتباه الضابط…
دفتر أسود.
مكتوب على غلافه:
“الحسابات.”
فتح أول صفحة.
وجد أسماء…
وبجوار كل اسم…
مبالغ مالية.
وتواريخ.
وملاحظات غامضة.
وفي منتصف الدفتر…
وجد اسم زوجة الابن.
وبجواره جملة قصيرة:
“التوقيع قبل نهاية الشهر… أو تنفيذ الخطة الثانية.”
شعر الزوج بأن جسده كله ارتجف.
قال للضابط:
ـ يعني كانوا مخططين لكل حاجة؟
أغلق الضابط الدفتر ببطء.
وقال:
ـ واضح إن احتجاز مراتك كان خطوة ضمن خطة أكبر بكتير.
لكن المفاجأة الحقيقية…
كانت في آخر صفحات الدفتر.
وجد الضابط اسمًا لم يكن أحد يتوقعه.
اسم محامٍ مشهور في المدينة.
وتحته عبارة:
“كل الأوراق جاهزة… بمجرد التخلص من العقبة.”
رفع الضابط رأسه.
وقال:
ـ القض\ية دي مش قض\ية أسرة بس…
دي ممكن تكون شبكة تزوير كاملة.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
استمع لثوانٍ.
ثم تغير لون وجهه.
قال وهو يغلق الهاتف:
ـ المستشفى اتصلت…
حد حاول يدخل أوضة زوجتك منتحل صفة ممرض.
والمفاجأة…
إنه هرب قبل ما حد يمسكه.
نظر الزوج إلى الضابط وقد عاد الخوف إلى قلبه.
إذا كانوا فشلوا في إسكاتها داخل المخزن…
فهل يحاولون إسكاتها الآن…
قبل أن تدلي بأقوالها؟
يتبع في الفصل الخامس…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *