اهلي اشتروا يخت حكايات اسما2
الجزء الثالث: الانفجار والسر اللي تحت اليخت
المؤقت كان بينزل قدامي.
تسعة وعشرين.
تمانية وعشرين.
سبعة وعشرين.
وكل ثانية كانت بتعدّي، كنت حاسة إن الجناح كله بيضيق علينا.
اللواء عادل صرخ:
— الكل يبعد عن الباب! بسرعة!
الممرضة شدت الكرسي اللي أنا قاعدة عليه.
ومها كانت ماشية جنبها، ماسكة كيس المحلول بإيد، وموبايلها بالإيد التانية.
الدخان كان بيزيد في الممر.
وصوت إنذار الحريق عامل دوشة تخلي أي حد يفقد تركيزه.
لكن اللواء ما اتحركش معانا.
فضل واقف عند باب الأوضة، باصص للشنطة المعدنية.
صرخت له:
— سيبها وتعالى!
رد من غير ما يبص لي:
— انزلوا تحت!
— حضرتك هتعمل إيه؟
— مش وقت أسئلة!
كان فاضل أقل من عشرين ثانية.
فرد الأمن حاول يقرب منه.
اللواء زعق:
— ابعد!
مسك الشنطة من المقبض، وجرى بيها ناحية آخر الممر.
كانت فيه أوضة خدمات صغيرة، فيها باب حديد بيفتح على بلكونة خلفية.
فتح الباب.
ورمى الشنطة بكل قوته بره.
وبعدين انبطح على الأرض.
بعد ثانيتين…
الانفجار دوّى.
الصوت كان عنيف لدرجة إن الكرسي اتحرك من مكانه.
الزجاج اتهز.
والنور قطع لحظة.
أنا غمضت عيني، وحطيت إيدي على راسي.
مها صرخت.
الممرضة وقعت على ركبتها، لكنها فضلت ماسكة الكرسي.
الغبار دخل من الشبابيك.
وصوت الناس في الممر اتحول لصراخ.
فتحت عيني.
أول حاجة قلتها:
— اللواء فين؟
محدش رد.
حاولت أقوم.
الألم ضرب رجلي، لكني ما اهتمتش.
قلت:
— رجعوني!
الممرضة قالت:
— مستحيل.
— الراجل جوه!
مها مسكت كتفي.
— ندى، استني.
صوت كحة جه من آخر الممر.
ظهر فرد الأمن.
كان شايل اللواء من دراعه.
اللواء كان واعي.
جاكته متقطع من ناحية الكتف.
وفي دم نازل من جنب ودنه.
لكن كان ماشي.
قلبي رجع يدق.
قال أول ما شافني:
— إنتِ لسه هنا ليه؟
بصيت له بغيظ ودموع.
— علشان حضرتك قررت تعمل بطل.
قال وهو بيتنفس بصعوبة:
— الشنطة ما كانتش قنبلة كاملة.
فرد الأمن قال:
— كانت عبوة صوتية وحارقة، ولو فضلت في الأوضة كانت هولعت المكان كله.
اللواء مسح الدم من جنب ودنه.
— الهدف ماكانش يق*تل كل الناس.
قلت:
— أمال؟
بص لي.
— يخليهم ينقلوكي من مكانك.
مها قالت:
— يعني كان في حد مستنيها تخرج؟
اللواء هز راسه.
— غالبًا.
في اللحظة دي، سمعنا صرخة من عند السلم.
فرد الأمن جري.
وبعد شوية رجع وهو ماسك جهاز لاسلكي.
قال:
— عامل الصيانة المزيف هرب من باب الخدمة.
اللواء سأل:
— الكاميرات؟
— اتفصلت قبل الإنذار بدقيقتين.
بص لي.
— نفس الأسلوب.
قلت:
— نفس أسلوب إيه؟
— اللي حصل في شركة الصيانة. حريق. كاميرات تتفصل. مستندات تختفي.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— حد بيكرر نفس البصمة.
الممرضة أصرت ننزل جناح تاني.
نقلوني لأوضة مؤقتة في الدور الأرضي.
الدكتور شريف دخل بعد دقائق.
كان غاضب.
مش من الإصابة.
من اللي حصل.
قال:
— من اللحظة دي، المريضة تحت حراسة عسكرية.
اللواء عادل قال:
— والأوضة تتغير مرتين قبل العملية، ومحدش يعرف رقمها غير الفريق الطبي.
الدكتور بص لي.
— العملية لسه في معادها.
قلت بسرعة:
— بعد الانفجار؟
— المركز الخاص أرسل فريقه هنا بدل ما ننقلك.
— ليه؟
— لأن خروجك من المستشفى بقى خطر.
اللواء قال:
— القرار صح.
قلت:
— وداليا؟
الكل سكت.
أنا افتكرت المكالمة.
صوتها وهي بتقول إن الحاجة تخصني.
وإن أبويا كان مستعد يق*تلني علشان ما أعرفش.
مسكت الموبايل.
اتصلت بيها.
مغلق.
اتصلت تاني.
مغلق.
اتصلت بأمي.
ردت بسرعة.
لكن صوتها كان متوتر.
— ندى، إنتِ كويسة؟
اتصدمت من السؤال.
أول مرة من بداية الحادث تسألني إذا كنت كويسة.
قلت:
— داليا فين؟
سكتت.
— معاكي؟
— لأ.
— كانت على اليخت.
— اليخت فاضي دلوقتي.
قلبي وقع.
— فاضي إزاي؟
— الناس مشيت بعد ما حصلت مشكلة كهربا.
— وداليا؟
— مش عارفة.
— يعني إيه مش عارفة؟ بنتك اختفت وإنتِ مش عارفة؟
صوتها على:
— ما تعليش صوتك عليّا.
— أنا كلمتها من دقايق، وكانت محبوسة في أوضة وحد بيكسر الباب عليها.
أمي شهقت.
— قالت لك إيه؟
ركزت في نبرتها.
ما قالتش: “هي كويسة؟”
سألت: “قالت لك إيه؟”
قلت ببطء:
— ليه أول حاجة تهمك هي قالت إيه؟
ارتبكت.
— علشان أفهم.
— إنتِ عارفة إنها سمعت حاجة؟
— ندى، بلاش تفسري كل كلمة.
— بابا فين؟
— مش عارفة.
— مازن؟
— مش عارفة.
— المهندس حسام؟
سكتت.
قلت:
— إنتِ تعرفيه؟
قالت بسرعة:
— لأ.
كانت بتكذب.
أنا عارفة أمي لما تكذب.
صوتها يبقى أسرع.
وتعيد نفس الكلمة.
قلت:
— اسمعيني كويس. لو جرالها حاجة، مش هسكت.
قالت:
— وإنتِ فاكرة إننا هنأذي داليا؟
— أنا ما قلتش كده.
— لكن نبرتك بتقول.
— إنتِ ليه بتدافعي قبل ما أتهمك؟
سكتت.
سمعت صوت باب بيتفتح عندها.
وبعدين صوت أبويا:
— مين على التليفون؟
أمي ردت بصوت واطي:
— ندى.
أبويا أخد منها الموبايل.
قال:
— إنتِ كويسة؟
نفس السؤال.
نفس النبرة المصطنعة.
قلت:
— داليا فين؟
— خرجت مع أصحابها.
— كداب.
صوته اتغير.
— اتكلمي بأدب.
— هي كلمتني من اليخت وهي محبوسة.
سكت.
قلت:
— كان في حد بيكسر الباب عليها.
قال:
— داليا بتحب تلفت الانتباه.
— والحادث؟
ما ردش.
— قالتلي إنه ماكانش صدفة.
أبويا خَد نفس طويل.
— إنتِ تحت تأثير المسكنات.
— ولسه ما خدتش مسكن.
— ندى، خدي بالك من الكلام اللي بتقوليه.
— دي تهديد؟
— نصيحة.
— أنا عايزة أعرف اليخت اتجاب ليه.
— قولت لك هدية لأختك.
— والمهندس حسام بيعمل عليه إيه؟
الصمت رجع.
سمعته بيبعد عن أمي.
وبعدين قال بصوت أوطى:
— مين قال لك إنه هناك؟
— الصورة قالت.
— مين وريهالك؟
بصيت للواء عادل.
هو كان واقف قدامي، بيسمع.
قلت:
— مش مهم.
أبويا قال:
— لا، مهم.
— ليه؟
— لأن في ناس بتحاول توقع بينا.
ضحكت.
— إحنا واقعين من زمان.
— ندى، رجلك أهم دلوقتي. اعملي العملية، وبعدها نتكلم.
— كنت بتقول نفس الكلام وإنت رافض تدفع.
— أنا ما رفضتش.
— إنت كذبت على اللواء عادل.
سكت.
واضح إن ذكر اسم اللواء خوّفه.
قال:
— عادل كلمك؟
— أيوه.
— قال لك إيه؟
— الحقيقة.
— هو ما يعرفش الحقيقة.
— وإنت تعرفها؟
— أكتر منه.
قلت:
— يبقى قولها.
صوته بقى حاد.
— اقفلي الموضوع ده.
— لحد ما ألاقي داليا؟
— داليا هترجع.
— إنت عارف مكانها؟
— قولت هترجع.
— إمتى؟
— قريب.
— مع مين؟
المكالمة اتقفلت.
فضلت باصة للشاشة.
قلت:
— هو عارف مكانها.
اللواء قال:
— واضح.
مها سألت:
— نبلغ الشرطة؟
اللواء رد:
— الموضوع خرج من نطاق بلاغ اختفاء عادي.
قلت:
— يعني إيه؟
— اليخت مربوط بقضية أمنية. وداليا دلوقتي شاهد محتمل.
— أو رهينة.
— أيوه.
الدكتور شريف قال:
— كل ده بعد العملية.
قلت:
— مستحيل.
بص لي بحزم.
— لو العملية اتأخرت، ممكن تخسري رجلك.
— وأختي ممكن تخسر حياتها.
قال اللواء:
— إنتِ مش هتساعديها وإنتِ مش قادرة تقفي.
قلت:
— لكن ممكن أقول لكم هي سمعت إيه.
— قالت لك سطرين بس.
— قالت إن الحاجة مستخبية تحت اليخت.
اللواء قرب.
— تحت اليخت يعني إيه؟ تحت سطحه؟ في مخزن سفلي؟ في الهيكل؟
— ما أعرفش.
— قالت “الحاجة تخصك”.
— أيوه.
مها سألت:
— ممكن تكون شحنة؟
اللواء فكر.
— أو ملف.
قلت:
— ملف باسمي؟
— أو حاجة مرتبطة بمهمتك.
في اللحظة دي، فرد الأمن دخل.
في إيده كيس شفاف.
— لقينا ده في شنطة عامل الصيانة.
طلع موبايل صغير.
اللواء شغله.
مافيش قفل.
آخر مكالمة كانت مع رقم مسجل باسم:
“م.م”
قلت:
— مازن مراد؟
اللواء قال:
— محتمل.
فتح الرسائل.
كان فيه رسالة واحدة:
“بعد الإخلاء، خدها من الممر الجانبي. ما تلمسش الرجل.”
مها بصت لي.
— “خدها” يعني ندى.
اللواء كمل قراءة.
“البنت التانية تحت السيطرة.”
أنا حسيت ببرودة في ضهري.
— البنت التانية داليا.
قال:
— غالبًا.
قلت:
— كلمه.
اللواء هز راسه.
— لا. لو عرفنا إننا لقينا الموبايل، هنفقد التتبع.
دخل فني اتصالات.
خد الجهاز.
قال إنه هيحاول يحدد آخر مواقع واتصالات.
أنا بصيت للدكتور.
— العملية إمتى؟
— بعد أربع ساعات.
— عايزة أعرف أي جديد قبل ما أدخل.
— على حسب حالتك.
قلت للواء:
— أوعدني ما تخبيش عليّا.
قال:
— لو الخبر هيأثر على استقرارك قبل العملية، هخبيه.
— ده مش حقك.
— وإني أسيبك تخسري رجلك مش حقك برضه.
كنت هرد.
لكن الألم ضربني فجأة.
رجلي بدأت تنبض بقوة.
وشي اتشد.
الدكتور نادى الممرضة.
قال:
— الألم زاد. لازم مسكن.
قلت:
— لأ.
— لازم.
— لو نمت، مش هعرف حاجة.
— إنتِ مش في تحقيق. إنتِ مريضة.
اللواء قرب مني.
— نامي شوية.
بصيت له.
— لو داليا اتصلت؟
— موبايلي هيفضل مفتوح.
— ولو قالوا حاجة؟
— هصحّيكي لو لازم.
كان عندي شك إنه مش هيصحيني.
لكن جسمي ما عادش مستحمل.
الممرضة علقت المسكن في المحلول.
بدأت الدنيا تبعد.
قبل ما عيني تقفل، سمعت اللواء بيقول للفني:
— آخر إشارة للموبايل كانت عند المرسى.
ثم غبت.
لما فتحت عيني…
الأوضة كانت مختلفة.
النور خافت.
مها كانت نايمة على الكرسي.
واللواء واقف عند الشباك.
قلت:
— الساعة كام؟
لف بسرعة.
— قربت على تلاتة الفجر.
— نمت قد إيه؟
— حوالي ساعتين.
— في جديد؟
سكت.
قلت:
— حصل إيه؟
مها صحيت.
بصت للواء.
واضح إنهم كانوا متفقين ما يقولوش.
قلت بحدة:
— فين داليا؟
اللواء قرب.
— لقينا جزء من هدومها على اليخت.
قلبي وقع.
— دم؟
— فيه بقعة دم صغيرة.
— هي فين؟
— مش موجودة.
— والكاميرات؟
— كاميرات المرسى صورت عربية خرجت قبل الإخلاء بدقايق.
— مين كان فيها؟
— الزجاج غامق.
— رقمها؟
— مزور.
مسكت طرف السرير.
— يعني خطفوها.
— غالبًا.
— وأبويا؟
— اختفى.
— أمي؟
— في البيت، تحت المراقبة.
— مازن؟
— موبايله مقفول، وعربيته مش في بيته.
غمضت عيني.
قلت:
— كلهم.
اللواء قال:
— لسه ما نعرفش مين متورط ومين بيخاف.
— أمي بتخاف على نفسها بس.
— يمكن.
— والرسالة؟
— تتبعنا رقم “م.م”.
— مازن؟
— الخط مسجل باسم شخص ميت.
قلت بمرارة:
— طبعًا.
— لكن آخر إشارة كانت من منطقة صناعية شرق المدينة.
— فيها إيه؟
— مخازن تابعة لشركة مازن.
حاولت أقعد.
— لازم تروحوا.
— فريق اتحرك.
— وأنا؟
— بعد ساعة هتدخلي تجهيز العملية.
— مش هقدر أدخل وأنا مش عارفة.
اللواء قال بوضوح:
— لو أجلتي العملية، ممكن ما تمشيش.
— ما يهمنيش.
مها قامت.
— ما تقوليش كده.
بصيت لها.
— أختي اختفت بسببي.
اللواء قال:
— مش بسببك.
— هي سمعتهم بيتكلموا عني.
— ده يخلي السبب هما، مش إنتِ.
— هي طول عمرها قاسية معايا، بس مش معنى كده أسيبها.
قال:
— محدش طلب منك تسيبيها. إحنا بندور عليها.
— وأنا داخلة غرفة عمليات؟
— أيوه.
— وأصحى ألاقيها ماتت؟
صوته هدي.
— أو تفضلي صاحبة، وتخسري رجلك، وبرضه ما تقدريش تساعديها.
سكت.
دخل الدكتور شريف.
قال:
— لازم نبدأ التحضير.
قلت:
— عندي شرط.
— قولي.
— لو الفريق لقاها قبل ما أدخل، أعرف.
— حاضر.
— ولو حصل تطور وأنا جوه؟
— هتعرفي بعد ما تفوقي.
— ولو العملية طولت؟
— ندى، دي مش صفقة.
— بالنسبة لي صفقة.
الدكتور بص للواء.
وبعدين قال:
— هنعمل اللي نقدر عليه.
بدأوا يجهزوني.
غيرت الزي.
ركبوا خطوط محاليل جديدة.
الممرضة شالت السلسلة الصغيرة من رقبتي.
كانت فيها لوحة معدنية عليها اسمي ورقمي العسكري.
حطتها في كيس.
قبل ما يطلعوني، موبايل اللواء رن.
الكل سكت.
رد.
— اتكلم.
وشه اتغير.
قال:
— متأكدين؟
قفل.
قلبي دق بسرعة.
— لقوها؟
قرب مني.
— لقوا عربية في مخزن مازن.
— وداليا؟
— العربية فاضية.
— والدم؟
— فيه آثار أكتر.
عيني دمعت.
— يعني إيه؟
— مفيش ج*ثة.
— ده مش جواب.
— معناها إنها كانت هناك واتنقلت.
قلت:
— وأنا داخلة أعمل عملية؟
الدكتور قال:
— أيوه.
صرخت:
— مش هدخل!
حاولت أنزل من السرير.
أول ما حركت رجلي، الألم انفجر.
صرخت ووقعت لورا.
الدكتور مسكني.
قال بحدة:
— كفاية!
الكل سكت.
هو قرب من وشي.
— إنتِ ضابطة، صح؟
— أيوه.
— يبقى افهمي معنى إن كل واحد يعمل دوره. دورنا ننقذ رجلك. ودورهم يدوروا على أختك. لما كل واحد يسيب دوره، الكل بيخسر.
كنت ببكي.
مش من الألم.
من العجز.
قلت:
— أوعدني يا لواء.
— بإيه؟
— ما ترجعش من غيرها.
قال:
— هرجع بالحقيقة.
— أنا مش عايزة الحقيقة لوحدها.
بص لي.
— هعمل اللي أقدر عليه.
دفعوا السرير ناحية غرفة العمليات.
الممرات كانت باردة.
ريحة المطهر قوية.
الضوء فوقي كان بيعدّي واحد ورا التاني.
قبل باب العمليات، الممرضة قالت:
— مع حضرتك أي حاجة معدنية؟
قلت:
— لأ.
اللواء وقف بعيد.
ناديته.
قرب.
قلت:
— لو حصل لي حاجة…
قاطعني:
— مش هيحصل.
— اسمعني.
— إنتِ اللي تسمعي. هتطلعي واقفة.
— ولو ما طلعتش؟
— هتطلعي.
قلت:
— داليا ما تعرفش إني سامحتها.
استغرب.
— سامحتيها على إيه؟
— على كل مرة اختارت نفسها عليّا.
عيني دمعت.
— يمكن كانت طول عمرها بتحاول تثبت إنها أهم، علشان أهلنا فهموها إن الحب منافسة.
اللواء قال:
— قولي لها بنفسك لما نجيبها.
أبواب العمليات اتفتحت.
دخلوني.
آخر حاجة شفتها كانت اللواء واقف.
وآخر حاجة سمعتها كانت الدكتور بيقول:
— ابدؤوا التخدير.
حطوا القناع على وشي.
الدنيا ضلمت.
لكن قبل ما أغيب تمامًا…
سمعت صوت موبايل بيرن.
وصوت اللواء بيقول بعيد:
— داليا؟!
وبعدين اختفى كل شيء.
لما فتحت عيني، ما عرفتش أنا فين.
النور أبيض.
صوت جهاز منتظم.
حلقي ناشف.
حاولت أتكلم.
ما طلعش صوت.
مها كانت قاعدة جنبي.
أول ما شافت عيني مفتوحة، قامت.
— ندى؟
حركت شفايفي.
قربت مية لشفتي.
قالت:
— العملية نجحت.
حاولت أحرك رجلي.
ما حسيتش بيها.
خفت.
بصيت لها برعب.
قالت بسرعة:
— التخدير لسه مأثر. الدكتور قال ده طبيعي.
أشرت ناحية الباب.
فهمت.
— اللواء بره.
حاولت أقول اسم داليا.
قالت:
— استني لما الدكتور يدخل.
مسكت دراعها بقوة.
— داليا.
صوتي خرج مبحوح.
مها بصت للباب.
— هي عايشة.
دموعي نزلت.
— فين؟
سكتت.
— مها… فين؟
— هربت منهم.
— يعني إيه؟
— اتصلت باللواء قبل العملية.
— وقالت إيه؟
— قالت إنها في مكان مش عارفاه، وإنهم نقلوها وهي مغمية.
— دلوقتي فين؟
— المكالمة اتقطعت.
— يعني لسه مخطوفة.
مها هزت راسها.
— بس عايشة.
غمضت عيني.
الحمد لله.
بعد دقائق، دخل اللواء.
كان وشه متعب.
قلت:
— سمعت صوتك قبل ما أنام.
قرب.
— هي اتصلت.
— من رقم مين؟
— رقم عامل في محطة وقود.
— قابلته؟
— داليا هربت من عربية كانت بتنقلها، وجرت ناحية المحطة.
— وبعدين؟
— قبل ما القوة توصل، عربية تانية أخدتها.
— رجعوها؟
— مش عارفين إذا أخدوها بالقوة أو هي ركبت بنفسها.
— قالت حاجة مهمة؟
اللواء سكت.
قلت:
— قول.
طلع جهاز تسجيل صغير.
— المكالمة اتسجلت.
شغله.
صوت داليا كان ضعيف وبتنهج:
— ندى دخلت العملية؟
اللواء قال:
— أيوه. إنتِ فين؟
— ما أعرفش. هربت منهم.
— مين هما؟
— مازن ورجالة بابا.
قلبي وقف.
داليا كملت:
— مازن قال إن بابا أمره يخلص من ندى بعد الحادث، بس لما العملية اتحددت، قالوا يستنوا.
اللواء في التسجيل سأل:
— ليه؟
— علشان لو ماتت في المستشفى، هيبان طبيعي.
مها حطت إيدها على بقها.
الصوت كمل.
— إيه اللي تحت اليخت؟
داليا كانت بتعيط.
— صندوق معدني جوه تجويف في الهيكل.
— جواه إيه؟
— ملفات وأجهزة تخزين.
— تخص مين؟
سكتت.
وبعدين قالت:
— تخص ندى.
أنا بصيت للواء.
التسجيل كمل:
— مكتوب عليها اسمها ورقمها العسكري.
— شوفتي اللي جواها؟
— أيوه.
— إيه؟
نفسها كان سريع.
قالت:
— تقارير قديمة عن أمها.
أنا اتجمدت.
اللواء في التسجيل قال:
— أمها؟
داليا ردت:
— ندى مش بنت ماما.
كل حاجة حواليّا سكتت.
حتى صوت الأجهزة حسيت إنه اختفى.
بصيت للواء.
هو ما حركش عينه.
التسجيل كمل:
— بابا كان مخبي شهادة ميلادها الأصلية، وتقارير وفاة ست اسمها سلوى حافظ.
مسكت الملاية بإيدي.
اسم غريب.
لكن حسيت إنه مسني.
داليا قالت:
— وفي تسجيل صوتي بابا بيتكلم فيه عن حادث قديم.
— حادث إيه؟
— حادث أم ندى.
— إنتِ فين دلوقتي؟
صوت عربية قرب.
داليا همست:
— لقوني.
وبعدين قالت بسرعة:
— قولوا لندى إن أمها ما ماتتش في حادث. بابا ق*تلها.
المكالمة انتهت.
فضلت باصة للسقف.
ما قدرتش أتكلم.
مها قالت:
— ندى…
رفعت إيدي.
ما كنتش عايزة حد يلمسني.
قلت:
— أبويا قت*ل أمي؟
اللواء قال:
— لسه ما نقدرش نثبت.
— وداليا قالت التقارير موجودة.
— أيوه.
— وأمي اللي ربتني؟
— اسمها مش موجود كشخص والد في الشهادة الأصلية، حسب كلام داليا.
ضحكت بمرارة.
— يعني هي ما كانتش أمي أصلًا.
— ممكن تكون ربتك.
— وربت داليا غيري.
— أيوه.
افتكرت كل حاجة.
فرق المعاملة.
البرود.
الكره اللي ما كانش له سبب.
كل مرة كانت تقول لي إني مختلفة.
كل مرة داليا تاخد كل شيء.
يمكن ما كانش مجرد تفضيل.
يمكن كانوا طول الوقت بيعاقبوني على إني بنت ست تانية.
قلت:
— سلوى حافظ مين؟
اللواء قال:
— بدأنا نبحث.
— ووالدي؟
— لسه مختفي.
— عايز الملف.
— عارف.
— علشان يهرب بيه؟
— أو يدمره.
قلت:
— لازم نرجع اليخت.
— اتحفظ عليه.
— وفتشتوه؟
— تفتيش سطحي.
— داليا قالت تجويف في الهيكل.
— فريق فني في الطريق.
حاولت أرفع نفسي.
قال:
— إنتِ خارجة من عملية.
— عايزة أكون هناك.
— مستحيل.
— ده ملف حياتي.
— وإحنا هنجيبه.
قلت:
— أنا مش واثقة في حد.
الجملة خرجت من غير تفكير.
وش اللواء اتغير.
لكن قال بهدوء:
— عندك حق.
سكت.
ثم أضاف:
— لكنك مضطرة تثقي في حد لحد ما تقدري تقفي.
بصيت لرجلي.
الدعامة اتغيرت.
ضمادات كبيرة.
أجهزة تثبيت.
قلت:
— هقدر أمشي؟
— الدكتور قال العملية نجحت، لكن التأهيل طويل.
— قد إيه؟
— شهور.
— والجيش؟
— لسه بدري.
غمضت عيني.
كنت خايفة من الإجابة.
لكن الخوف الأكبر بقى الحقيقة.
بعد ساعة، الدكتور دخل.
فحصني.
قال إن العصب استجاب.
وإن فرصتي في المشي الطبيعي جيدة لو التزمت بالعلاج.
كنت المفروض أفرح.
لكن رأسي كان مليان باسم واحد.
سلوى حافظ.
بعد ما خرج، اللواء رجع بمعلومة.
قال:
— لقينا سلوى.
قلبي دق.
— فين؟
— رسميًا توفت من تلاتة وعشرين سنة.
— سبب الوفاة؟
— حادث سقوط سيارة في النيل.
— وأبويا كان معاها؟
— التقرير قال إنها كانت لوحدها.
— لكن داليا قالت ق*تلها.
— فيه حاجة أغرب.
— إيه؟
اللواء فتح ملف على التابلت.
وراني صورة قديمة.
ست في أواخر العشرينات.
شعرها أسود.
وشها هادي.
وعينيها…
عينيها كانت نفس عيني.
قلت بصوت مكسور:
— دي أمي.
قال:
— كانت ضابطة مهندسة في القوات المسلحة.
رفعت عيني بسرعة.
— عسكرية؟
— أيوه.
— كانت بتشتغل في إيه؟
— أنظمة اتصالات.
نفس الأجهزة اللي كانت في الشحنة.
نفس القضية.
قلت:
— يعني كل ده بدأ قبل ما أتولد؟
— يبدو كده.
— وأبويا؟
— كان مورد مدني وقتها.
— عرفها من الشغل؟
— غالبًا.
فتح صفحة تانية.
— قبل وفاتها بأسبوع، قدمت بلاغًا سريًا عن معدات اتصالات بتدخل البلد بأوراق مزورة.
قلبي اتسارع.
— نفس الشركة؟
— الشركة القديمة اللي كان اليخت تابع لها.
قلت:
— يبقى اليخت مش بس فيه ملفي.
— ممكن يكون فيه أدلة من قضيتها.
— وأبويا اشترى اليخت علشان يدمر الأدلة.
— أو يسترجعها قبل ما حد يلاقيها.
— والعربية اللي اتقلبت؟
— الشحنة اللي كنتِ بتحرسيها ممكن تكون آخر جزء من نفس الشبكة.
ضحكت بمرارة.
— أنا دخلت نفس القضية اللي ماتت أمي بسببها من غير ما أعرف.
— احتمال كبير.
قلت:
— ووالدي عرف.
— أيوه.
— علشان كده سألني عن المهمة.
— أيوه.
— وقطعوا الفرامل.
اللواء ما ردش.
مش محتاج.
دخل فرد الأمن بسرعة.
قال:
— الفريق وصل للتجويف.
اللواء وقف.
— لقوا الصندوق؟
الرجل هز راسه.
— لقوا مكانه.
— فاضي؟
— أيوه.
قلبي وقع.
قلت:
— حد سبقكم.
— واضح.
— مين دخل اليخت بعد الإخلاء؟
الرجل قال:
— كاميرا ممر جانبي صورت ست.
اللواء سأله:
— مين؟
مد له صورة.
اللواء بص لي.
وبعدين وراني.
كانت أمي.
الست اللي ربتني.
داخلة اليخت بعد اختفاء داليا.
وشايلة حقيبة سفر كبيرة.
قلت:
— هي خدت الصندوق.
اللواء قال:
— غالبًا.
— فين راحت؟
— العربية اللي خرجت بيها اتجهت للمطار.
— لوحدها؟
— لأ.
كبر الصورة.
في مقعد السائق كان أبويا.
اتجمدت.
— يعني ما كانوش مختلفين.
— واضح إنهم بيتحركوا مع بعض.
— وداليا؟
الرجل قال:
— لقينا تسجيل من بوابة المطار.
فتح الفيديو.
أبويا وأمي دخلوا من بوابة خاصة.
وراهم مازن.
وبينهم داليا.
كانت ماشية.
مش مربوطة.
لكن مازن ماسك دراعها بقوة.
قلت:
— خدوها معاهم.
اللواء سأل:
— الطيارة أقلعت؟
— لسه. في مشكلة في تصريح الإقلاع.
قلت:
— لازم توقفوهم.
— القوة اتحركت.
مسكت دراع اللواء.
— الصندوق عندهم.
— عارف.
— وداليا.
— عارف.
— لو لحقوا يسافروا…
— مش هيلحقوا.
موبايله رن.
رد.
سمع.
وشه اتغير.
قال:
— الطيارة بدأت تتحرك على الممر.
أنا حسيت نفسي ما بقدرش أتنفس.
— امنعوها.
صرخ في الموبايل:
— اقفلوا الممر فورًا!
طلع من الأوضة.
أنا فضلت باصة للباب.
مها مسكت إيدي.
قلت:
— هما هيهربوا.
— لأ.
— طول عمرهم بيخرجوا من كل حاجة.
— المرة دي لأ.
بعد عشر دقائق، رجع اللواء.
ملامحه ما كانتش مطمنة.
قلت:
— الطيارة؟
قال:
— وقفت.
تنفست.
— قبضتوا عليهم؟
سكت.
— قول.
— لما القوة دخلت الطائرة، لقوا الطيار بس.
— أمال هما فين؟
— خرجوا من باب خدمة قبل التحرك بدقايق.
— والكاميرات؟
— اتعطلت.
ضحكت بمرارة.
— نفس الأسلوب.
— أيوه.
— وداليا؟
— معاهم.
— والصندوق؟
— معاهم.
سكت.
بعدها سألته:
— عندهم مكان يهربوا له؟
— بنراجع كل الممتلكات.
— مازن عنده مخازن.
— اتفتشت.
— اليخت له قوارب صغيرة؟
اللواء بص لي.
— ليه؟
— لو اشتروا اليخت علشان يعرفوا طرق التهريب، ممكن يكون عندهم مخرج بحري.
— المطار بعيد عن البحر.
— لكن قريب من قناة مائية قديمة توصل لميناء خاص.
كان واضح إنه ما فكرش فيها.
مسك موبايله.
اتصل بسرعة.
وأنا افتكرت حاجة.
داليا في المكالمة قالت:
“الحاجة مستخبية تحته.”
يمكن ما كانتش تقصد تحت اليخت من جوه.
يمكن تقصد تحت اسمه.
تحت الملكية.
تحت الورق.
قلت:
— استنى.
اللواء بص لي.
— اليخت متسجل باسم مين؟
— شركة استثمار سياحي.
— مالكها؟
— داليا.
سكت.
قلت:
— بابا سجل اليخت باسمها.
— أيوه.
— يبقى أي حاجة قانونية عليه تقع عليها.
مها قالت:
— يعني لو الأجهزة أو الملفات اتكشفت، داليا تتحمل؟
— ممكن.
قلت:
— علشان كده اشتراه “عشانها”.
اللواء فهم.
— كان بيجهزها كواجهة.
— ولو القضية انكشفت، هي اللي تدخل السجن.
— وأبوكي يطلع بره.
دموعي نزلت.
داليا طول عمرها كانت فاكرة إنها المفضلة.
لكن يمكن كانت بس أسهل واحدة يستخدموها.
في اللحظة دي، جالي اتصال.
من رقم داليا.
رديت فورًا.
— داليا؟
جاء صوت أبويا.
هادئ.
— العملية نجحت؟
جسمي كله برد.
قلت:
— فين داليا؟
— معانا.
— عايز إيه؟
— الملف اللي معاكي.
— معايا إيه؟
— النسخة اللي خبتها أمك الحقيقية.
— ماعنديش.
ضحك.
— سلوى كانت أذكى من إنها تحط كل حاجة في مكان واحد.
— إنت ق*تلتها؟
سكت لحظة.
— أمك اختارت تقف ضدي.
— دي إجابة؟
— دي الحقيقة.
— يعني ق*تلتها.
— أنا ما لمستهاش بإيدي.
— لكنك أمرت.
— خدي بالك من اتهاماتك.
— وإنت خد بالك من داليا.
قال:
— لو عايزة أختك ترجع، هتجيبي النسخة.
— مش معايا.
— دوري.
— فين؟
— سلوى سابت لك علامة.
— علامة إيه؟
— على جسمك.
قلبي وقف.
— إيه؟
قال:
— العلامة اللي طول عمرك فاكرة إنها أثر عملية قديمة.
بصيت ناحية جنبي.
كان عندي ندبة صغيرة تحت الضلوع.
أمي كانت بتقول إنها من عملية وأنا طفلة.
أبويا قال:
— جوه الندبة دي… أمك خبت آخر مفتاح.
صوتي خرج ضعيف:
— مفتاح إيه؟
— مفتاح يفتح الملف المشفر.
— وداليا؟
— عندك ست ساعات.
— ورجلي لسه خارجة من عملية.
— دي مشكلتك.
— خليني أكلمها.
سكت.
وبعدين سمعت صوتها.
— ندى؟
— داليا!
كانت بتعيط.
— ما تصدقيهوش.
أبويا زعق:
— اسكتي!
قلت بسرعة:
— إنتِ كويسة؟
— أيوه… بس—
صوت ضربة.
وبعدين أبويا رجع.
— ست ساعات. وبعدها مش هتسمعي صوتها تاني.
المكالمة اتقفلت.
فضلت ماسكة الموبايل.
بصيت للواء.
وقلت:
— هو عايز حاجة مزروعة في جسمي.
اللواء قرب.
— إيه؟
حكيت له.
الدكتور اتنادى فورًا.
فحص الندبة.
قال:
— شكلها فعلًا جراحة قديمة.
— ممكن يكون جواها جسم غريب؟
— الأشعة العادية هتوضح.
عملوا أشعة عاجلة.
وأنا على السرير، قلبي بيضرب.
بعد عشر دقائق، الدكتور رجع بالصورة.
حطها قدام الضوء.
كان فيه جسم معدني صغير جدًا تحت الندبة.
مها شهقت.
اللواء قال:
— إيه ده؟
الدكتور قرب الصورة.
— كبسولة معدنية.
قلت:
— من تلاتة وعشرين سنة؟
— ممكن.
— تتشال؟
— جراحيًا، لكن إنتِ خارجة من عملية كبيرة.
اللواء قال:
— لازم نعرف جواها إيه.
الدكتور رد:
— ولازم نحافظ على حياتها.
قلت:
— افتحها.
— ندى…
— أختي عندهم.
— العملية التانية خطر.
— افتحها.
الدكتور قال:
— محتاجة موافقة وتقييم تخدير.
— اعملوا.
اللواء قال:
— ممكن نستخدمها كطعم من غير ما نفتحها.
بصيت له.
— إزاي؟
— نقول لأبوكي إننا لقيناها. نخليه يحدد مكان تبادل.
— وداليا؟
— هتكون هناك.
قلت:
— ولو عرف إنها فاضية أو مزيفة؟
— مش هنفتحها. هناخد صورة ونبعتها.
الدكتور قال:
— ده أفضل طبيًا.
أنا بصيت لصورة الجسم المعدني.
أمي الحقيقية زرعت حاجة في جسمي وأنا طفلة.
يمكن علشان تحميني.
أو علشان تضمن إن الدليل يفضل حي.
قلت:
— ابعتوا له إننا لقيناها.
اللواء قال:
— ونطلب إثبات إن داليا عايشة.
كتب الرسالة.
بعد دقائق، جاله رد.
فيديو.
داليا قاعدة على كرسي في مكان ضلمة.
وراها جدار معدني.
وصوت مياه.
أبويا قال:
— الساعة سبعة الصبح، عند الحوض الجاف القديم. ندى تيجي لوحدها ومعاها الكبسولة.
اللواء قال:
— الحوض الجاف تابع للميناء المهجور.
قلت:
— قلت لكم هيهربوا ناحية البحر.
— أيوه.
— أنا هروح.
— مستحيل.
— هو طلبني.
— وإنتِ ما تقدريش تقفي.
— هروح على كرسي.
— ده انتحار.
— دي أختي.
— ودي عملية أمنية.
قلت:
— من غيري مش هيظهر.
اللواء فضل ساكت.
كان عارف إني عندي حق.
قلت:
— هلبس جهاز تتبع.
— اكتشفوه قبل كده.
— يبقى من غير جهاز.
— لأ.
— حضرتك قلت إن كل واحد يعمل دوره. دوري دلوقتي أخرج داليا.
قال:
— دورك تعيشي.
— وهي كمان.
سكت طويلًا.
ثم قال:
— هنعمل خطة.
بصيت للساعة.
فاضل أقل من خمس ساعات.
ورجلي لسه تحت تأثير التخدير.
وأبويا مستني عند الميناء.
ومعه أختي.
والسر اللي أمي خبتُه في جسمي طول عمري…
هو الشيء الوحيد اللي ممكن يرجعها.
لكن قبل ما نبدأ التحضير، الدكتور رجع بسرعة.
قال:
— في مشكلة.
قلت:
— إيه؟
رفع صورة الأشعة.
— الكبسولة مش مجرد وحدة تخزين.
اللواء سأله:
— أمال إيه؟
الدكتور قال:
— فيها آلية حساسة جدًا. لو اتفتحت غلط، ممكن تتلف اللي جواها.
قلت:
— يعني إيه؟
اللواء فهم قبل مني.
— يعني والدها مش محتاج الكبسولة بس.
الدكتور هز راسه.
— محتاج كمان الرمز أو طريقة الفتح.
أنا افتكرت كلام أبويا.
“سلوى سابت لك علامة.”
قلت:
— يمكن العلامة مش الندبة.
اللواء قال:
— أمال؟
بصيت للوحة المعدنية اللي الممرضة شالتها من رقبتي قبل العملية.
اسمي.
ورقمي العسكري.
رقم كنت حافظاه طول عمري.
لكن عمري ما سألت ليه آخر أربع أرقام فيه نفس تاريخ وفاة سلوى.
قلت:
— الرمز كان معايا طول الوقت.
وفي نفس اللحظة، جالي تسجيل صوتي جديد من داليا.
صوتها كان واطي جدًا:
— ندى… ما تجيش.
سمعنا نفسها.
وبعدين همست:
— بابا مش عايز الكبسولة علشان يفتحها.
سكتت لحظة.
وقالت:
— عايز يزرعها في ج*ثتك… ويقول إنك كنتِ المهربة من البداية.
ثم انقطع التسجيل.
نهاية الجزء الثالث