عيلة جوزهت حكايات اسما 1
“حماتها وعيلة جوزها كسروا فكها… لكن الحقيقة المرعبة كانت إن الهدف ماكانش هي… الهدف الحقيقي كان أبوها.”
الجزء الأول
كانت الساعة بتقرب من 11:47 بالليل.
المطر كان بينزل بغزارة، وصوت الرعد بيهز السما.
العميد المتقاعد يوسف الشاذلي كان قاعد لوحده في مكتبه، بيقلب في ملفات قديمة من أيام خدمته، لما موبايله رن فجأة.
بص للشاشة.
رقم مستشفى.
استغرب.
رد بسرعة.
جاله صوت ممرضة مرتبك:
— حضرتك والد الأستاذة يارا؟
وقف من مكانه فورًا.
وقال بقلق:
— أيوه… أنا والدها. خير؟ حصل إيه؟
سكتت الممرضة ثواني، كأنها بتدور على الكلمات المناسبة.
وبعدين قالت:
— بنت حضرتك وصلت قسم الطوارئ في حالة حرجة… يا ريت تيجي فورًا.
يوسف حس إن الدم اتجمد في عروقه.
ما سألش أي سؤال تاني.
خطف مفاتيح عربيته، وخرج تحت المطر وهو مش حاسس بأي حاجة حواليه.
طول الطريق كان بيحاول يكلم يارا.
التليفون مقفول.
كلم جوزها.
محدش رد.
كلم حماتها.
التليفون بيرن من غير إجابة.
أول ما وصل المستشفى، جري ناحية الاستقبال.
قال بصوت متقطع:
— بنتي… يارا يوسف الشاذلي… فين؟
الممرضة أشارت ناحية قسم الطوارئ.
دخل يجري.
ولما فتح باب الغرفة…
اتجمد مكانه.
يارا…
بنته الوحيدة.
اللي لسه متجوزة من أقل من سنة.
كانت نايمة على السرير.
رأسها ملفوفة بالشاش.
ووشها متورم بطريقة مرعبة.
شفايفها متشققة.
وحول عينيها كدمات زرقا وسودا.
وفي أنبوبة تنفس خارجة من بقها.
يوسف قرب منها وهو بيرتعش.
حاول يمسك إيدها.
لكن الأجهزة حواليها كانت بتصدر أصوات متواصلة.
في اللحظة دي خرج الدكتور من أوضة الأشعة.
وبص ليوسف بأسف.
وقال:
— حضرتك والد المريضة؟
رد بسرعة:
— أيوه… بنتي مالها؟
فتح الدكتور الأشعة على الشاشة.
وأشار بإيده.
وقال:
— الفك السفلي مكسور في ست أماكن مختلفة… وفي كسر قريب جدًا من المفصل. الإصابات ناتجة عن ضربات عنيفة ومتكررة، ومش ضربة واحدة.
يوسف حس إن رجليه مبقوش شايلينه.
وسأل بصوت مخنوق:
— يعني… هتعيش؟
رد الدكتور:
— بإذن الله هتعيش… لكن هتحتاج أكتر من عملية جراحية، وفترة علاج طويلة جدًا، وممكن تتأثر في الكلام والأكل لفترة.
يوسف حاول يتمالك نفسه.
وبعدين سأل السؤال اللي كان بيحرق قلبه:
— مين اللي عمل فيها كده؟
الدكتور هز راسه.
وقال:
— لما وصلت كانت شبه فاقدة للوعي… ولسه ما قدرتش تدلي بأي أقوال.
خرج يوسف للممر.
لقى ظابط شرطة بيسجل بيانات الواقعة.
قرب منه وقال بغضب:
— عرفتوا مين اللي اعتدى عليها؟
الظابط رد بهدوء:
— البلاغ الأولي بيقول إنها اتعرضت لاعتداء داخل بيت جوزها… لكن لسه بنحقق.
يوسف بصله باستغراب.
وقال:
— داخل بيت جوزها؟!
هز الظابط راسه.
وقال:
— في أقوال أولية من الجيران إنهم سمعوا صريخ وصوت تكسير… وبعدها لقوا البنت مرمية قدام البيت وهي غرقانة في دمها.
يوسف حس إن قلبه هيقف.
قال:
— يعني جوزها… وأهله؟
رد الظابط:
— لسه ما نقدرش نجزم… لكن كل الموجودين في البيت اختفوا قبل وصول الشرطة بدقائق.
قبض يوسف على إيده بقوة.
وقال من بين سنانه:
— لو حد منهم لمس شعرة منها… هحاسبه.
في اللحظة دي…
جريت ممرضة ناحيته.
وقالت:
— يا فندم… في مكالمة لحضرتك على موبايلك.
فتح الخط.
وجاله صوت راجل بيغيّر نبرة صوته.
وقال بهدوء مرعب:
— ما تتعبش نفسك… اللي حصل لبنتك مجرد البداية.
يوسف صرخ:
— إنت مين؟!
ضحك الراجل ضحكة قصيرة.
وقال:
— بنتك ما كانتش الهدف… دي كانت الرسالة.
يوسف قال بغضب:
— رسالة لمين؟
جاله الرد اللي جمد الدم في عروقه:
— ليك إنت يا سيادة العميد… ولسه الحساب ما خلصش.
واتقفل الخط.
فضل يوسف واقف مكانه، مش قادر يستوعب.
مين ممكن يكون لسه بينتقم منه بعد سنين من التقاعد؟
وليه اختاروا بنته هي؟
رجع يجري ناحية أوضة يارا.
وأول ما وصل…
لاحظ ظرفًا أبيض صغيرًا مرميًا قدام الباب.
فتحه بإيده المرتعشة.
لقى جواه ورقة مكتوب عليها بخط أسود:
“دور في ماضيك… هتعرف ليه بنتك دفعت التمن.”
ساعتها بس…
يوسف أدرك إن اللي حصل مش خناقة عائلية عادية.
ولا مجرد اعتداء من حماتها أو عيلة جوزها.
دي بداية انتقام قديم…
انتقام كان مستنيه من سنين…
والضحية الأولى فيه…
كانت بنته…لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
وقف يوسف الشاذلي قدام أوضة العناية المركزة، والورقة لسه بين صوابعه.
قرأ الجملة للمرة العاشرة:
“دور في ماضيك… هتعرف ليه بنتك دفعت التمن.”
لف الورقة ببطء، لكن ملقاش أي توقيع.
ولا أي علامة.
بس الورق نفسه كان من النوع الفاخر اللي بيتستخدم في الشركات الكبيرة.
دخل الظابط عليه وقال:
— يا فندم… في حاجة لازم تعرفها.
يوسف رفع عينيه.
— اتفضل.
قال الظابط:
— فتشنا بيت جوز بنتك.
سكت لحظة، ثم أكمل:
— البيت كان فاضي.
يوسف عقد حاجبيه.
— يعني هربوا؟
— مش بس هربوا… كل كاميرات المراقبة اتكسرت، وأجهزة التسجيل اختفت، وحتى موبايلات أهل البيت كلها مقفولة.
قبض يوسف على الورقة بقوة.
كان واضح إن اللي حصل متخطط له من البداية.
—
بعد ساعة…
دخل الدكتور من أوضة العمليات.
قال:
— الحالة استقرت… لكن ممنوع أي حد يكلمها.
يوسف سأل بلهفة:
— فاقت؟
هز الدكتور رأسه.
— فاقت ثواني بسيطة.
— قالت حاجة؟
تنهد الدكتور.
— حاولت تتكلم… لكن فكها مكسور، ومقدرتش تنطق.
ثم أخرج منديلًا ورقيًا.
وقال:
— كتبت كلمة واحدة.
فتح المنديل.
كانت الكلمة مكتوبة بإيد مرتعشة:
“المخزن.”
يوسف كررها بصوت منخفض:
— المخزن؟
حاول يفتكر.
هل عند جوزها مخزن؟
ولا تقصد مخزن قديم يعرفه هو؟
—
في نفس الوقت…
كانت الشرطة بتفتش بيت عيلة جوز يارا.
أحد العساكر نادى:
— يا باشا… تعالى شوف.
دخل الظابط غرفة النوم.
لقى آثار دم على طرف الدولاب.
لكن الغريب…
إن الدم كان متعمد يتنضف.
وأثناء رفع السجادة…
ظهر باب خشبي صغير في الأرض.
فتحوه.
نزلوا سلمين.
ولقوا مخزن تحت البيت.
لكن المخزن…
كان فاضي.
إلا من كرسي مكسور.
وحبل مقطوع.
وقطع من شاش طبي ملطخة بالدم.
الظابط همس:
— واضح إنها كانت محتجزة هنا.
—
رجع تقرير الطب الشرعي.
أكد إن الإصابات حصلت على مراحل.
يعني يارا ما اتضربتش مرة واحدة.
كل ضربة كانت بعد اللي قبلها بدقائق.
وكأن اللي عذبها…
كان مستنيها تتألم.
—
يوسف خرج من المستشفى متجهًا إلى بيت بنته.
كان عايز يشوف أي حاجة تساعده.
دخل الشقة.
كل حاجة مقلوبة.
الأطباق مكسورة.
الأثاث متكسر.
لكن في أوضة النوم…
لاحظ حاجة غريبة.
الدولاب مفتوح.
وكل دهب يارا موجود.
وكل فلوسها موجودة.
يعني السرقة…
ما كانتش الهدف.
—
فتح درج الكومود.
لقى أجندة صغيرة كانت يارا بتكتب فيها.
آخر صفحة كانت ممزقة.
لكن الصفحة اللي قبلها مكتوب فيها:
“أنا بقيت خايفة… حماتي كل يوم تسألني نفس السؤال: أبوكي مخبي الملف فين؟”
اتجمد يوسف.
قرأ الجملة مرة تانية.
“أبوكي مخبي الملف فين؟”
همس لنفسه:
— أي ملف؟
في اللحظة دي…
افتكر قضية قديمة من أيام خدمته.
قضية اتقفلت من خمسة وعشرين سنة.
وكان فيها ملف…
اختفى فجأة.
ملف لو ظهر…
هيفضح شخصيات كبيرة جدًا.
يوسف حس إن أنفاسه اتقلّت.
وقال بصوت منخفض:
— معقول…
كل اللي بيحصل دلوقتي…
بسببه؟
وفي نفس اللحظة…
وصلته رسالة على موبايله من رقم مجهول.
فتحها بسرعة.
كانت صورة ليارا…
وهي مربوطة على الكرسي داخل المخزن.
وتحتها رسالة قصيرة:
“قدامك 72 ساعة تسلم الملف… وإلا المرة الجاية مش هنسيبها تعيش.”
رفع يوسف رأسه ببطء…
وأدرك أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
وأن الماضي الذي ظن أنه دُفن منذ سنوات…
عاد ليطال ابنته الوحيدة.
الفصل الثالث
لم ينم يوسف تلك الليلة.
كان جالسًا في غرفة الانتظار بالمستشفى، والهاتف أمامه، والصورة التي وصلته لا تفارق عينيه.
أعاد تكبيرها أكثر من مرة.
وفجأة…
لاحظ شيئًا لم ينتبه له في البداية.
في زاوية الصورة…
كانت هناك ساعة حائط.
ساعة قديمة جدًا.
وعليها شعار شركة نقل معروفة.
ابتسم لأول مرة منذ ساعات.
وقال لنفسه:
— الصورة دي مش جديدة…
دخل الظابط كريم عليه في نفس اللحظة.
سأله:
— في حاجة؟
ناولَه يوسف الهاتف.
وقال:
— بص كويس.
دقق الظابط في الصورة.
ثم قال:
— إيه اللي لفت نظرك؟
أشار يوسف إلى الساعة.
— العقرب واقف عند الساعة تلاتة وربع.
وبعدين بص على تاريخ إرسال الرسالة.
— الرسالة وصلت الساعة اتناشر ونص بالليل.
يعني الصورة متصورة قبلها بساعات على الأقل.
الظابط هز رأسه بإعجاب.
— يعني اللي بعت الرسالة بيحاول يخوفك بصورة قديمة.
قال يوسف بثبات:
— وده معناه إنهم مش قريبين من يارا دلوقتي… لأن يارا بالفعل تحت حراسة الشرطة.
—
في الصباح…
استعادت يارا وعيها لدقائق.
دخل يوسف أوضة العناية.
أول ما شافته…
دموعها نزلت.
مسك إيدها بحنان.
وقال:
— متتكلميش.
الدكتور منع الكلام.
لو عايزة تقولي حاجة…
اكتبي.
ناولها ورقة وقلم.
كتبت ببطء شديد.
كل حرف كان بياخد منها مجهود.
لما خلصت…
قرأ يوسف الجملة.
“خالد ما ضربنيش.”
اتجمد مكانه.
خالد…
كان جوزها.
قال لها بهدوء:
— متأكدة؟
هزت رأسها بالإيجاب.
ثم كتبت سطرًا ثانيًا.
“كان بيحاول يحميني.”
يوسف شعر أن كل الصورة التي رسمها في ذهنه بدأت تتغير.
—
بعد ساعة…
ألقت الشرطة القبض على خالد.
كان مختبئًا في شقة صديق له.
أول ما دخل غرفة التحقيق…
قال من غير مقدمات:
— أنا مستنيكم.
الظابط سأله:
— هربت ليه؟
قال وهو ينظر إلى الأرض:
— لأنهم هيقتلوني لو اتكلمت.
يوسف كان يراقب التحقيق من خلف الزجاج.
طلب يدخل بنفسه.
جلس أمام خالد.
وقال بحدة:
— بنتي كتبت إنك ما ضربتهاش.
رفع خالد رأسه.
وكانت عينه مليانة دموع.
— والله العظيم يا عمي…
أنا حاولت أمنعهم.
يوسف سأله:
— مين هم؟
تنهد خالد.
وقال:
— أمي…
وأخويا…
ورجل غريب.
يوسف عقد حاجبيه.
— رجل غريب؟
— أيوه.
عمره حوالي ستين سنة.
أول مرة أشوفه.
دخل بيتنا قبل اللي حصل بيوم.
وأمي كانت بتناديه…
“الحاج كامل.”
—
في نفس الوقت…
وصل تقرير البصمات من المخزن.
كانت هناك ثلاث مجموعات بصمات واضحة.
بصمات يارا.
وبصمات حماتها.
ومجموعة ثالثة…
ليست مسجلة في أي قاعدة بيانات جنائية.
—
وقبل انتهاء التحقيق…
دخل أحد الضباط مسرعًا.
وقال:
— يا فندم…
فتشنا عربية خالد.
ولقينا حاجة غريبة.
وضع حقيبة سوداء على الطاولة.
فتحها.
كان بداخلها…
ملف قديم مغبر.
نظر يوسف إليه…
وتغير لون وجهه.
لأنه عرفه من أول لحظة.
كان نفس الملف الذي اختفى قبل خمسة وعشرين عامًا…
والذي ظن الجميع أنه ضاع إلى الأبد.
لكن السؤال الذي شل تفكيره كان:
إذا كان الملف مع خالد طوال الوقت… فمن الذي وضعه في سيارته؟… ولماذا؟
يتيع