الهروب حكايات اسما السيد ×6

الفصل الثالث عشر
ساد الصمت داخل المكتب.
كانت سيارة الإسعاف قد وصلت، ونقل المسعفون حسام بسرعة إلى المستشفى.
وقف سليم مكانه، لا يزال يسمع الكلمة الأخيرة التي خرجت من فم حسام:
“…يوس…”
نظر ببطء إلى يوسف.
لم يقل شيئًا.
لكن يوسف فهم النظرة.
قال بهدوء:
“أنا عارف إنت بتفكر في إيه.”
رد سليم:
“أنا مش بفكر…”
“أنا بدور على الحقيقة.”
هز يوسف رأسه.
“وده حقك.”
ثم مد يده.
وأخرج من جيبه مفاتيح سيارته، وهاتفه، ومحفظته، ووضعها على المكتب.
وقال:
“فتشني.”
رفع سليم عينيه إليه.
“إيه؟”
قال يوسف بثبات:
“لو ذرة شك دخلت بينا…”
“إبراهيم هيكسب.”
“فتشني.”
ظل سليم ينظر إليه لثوانٍ.
ثم دفع المفاتيح نحوه.
“لو كنت شاكك فيك…”
“مكنتش خرجت معايا من القصر.”
تنفس يوسف الصعداء.
لكن القلق لم يختفِ من عينيه.
…
في المستشفى…
خرج الطبيب بعد ساعة.
قال:
“المريض فقد دم كتير.”
“لكن حالته استقرت.”
تنفس الجميع براحة.
قال سليم:
“إمتى أقدر أكلمه؟”
أجاب الطبيب:
“لما يفوق.”
…
في تلك الليلة…
لم ينم أحد.
كانت إيمان تجلس في غرفة والدها القديمة داخل القصر، تتأمل الصور التي جمعها سليم من الملف.
وفجأة…
لفت انتباهها شيء غريب.
صورة قديمة تضم والدها، والعم حسن، وعددًا من الموظفين.
في الخلفية…
كانت هناك ساعة حائط كبيرة.
اقتربت من الصورة.
ثم شهقت.
دخلت هناء على صوتها.
“مالك؟”
أشارت إلى الساعة.
“الساعة دي…”
“كانت في مكتب بابا.”
“لكن…”
قطبت هناء حاجبيها.
“لكن إيه؟”
قالت إيمان:
“بابا كان دايمًا يقول…”
“لو ضاع المفتاح…”
“دوروا على الوقت.”
توقفت هناء.
“يمكن كان يقصد الساعة.”
في تلك اللحظة…
دخل سليم.
سمع آخر جملة.
اقترب من الصورة.
ثم قال:
“مكتب والدك…”
“لسه موجود؟”
أومأت.
“آه.”
“في البيت القديم.”
…
في صباح اليوم التالي…
عادوا إلى المنزل القديم مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
كان المنزل تحت حراسة الشرطة.
سمح لهم العقيد بالدخول.
اتجهت إيمان مباشرة إلى غرفة والدها.
كانت الغرفة كما تركها منذ سنوات.
مكتب خشبي.
مكتبة.
وصورة عائلية مغطاة بالغبار.
أما ساعة الحائط…
فما زالت معلقة.
اقترب سليم منها.
رفعها عن الحائط.
وجد خلفها تجويفًا صغيرًا.
لكن…
كان فارغًا.
تنهد يوسف.
“وصلنا متأخرين.”
وقبل أن يعيد سليم الساعة إلى مكانها…
سمع صوتًا خفيفًا.
كأن شيئًا يتحرك داخلها.
نظر إليها.
ثم فتح الغطاء الخلفي.
وسقطت منه…
لفافة ورق صغيرة جدًا.
فتحها بحذر.
كانت تحتوي على أربعة أرقام فقط.
19 – 7 – 24 – 11
نظر يوسف إليها.
“أرقام إيه دي؟”
قالت إيمان:
“مش عارفة.”
لكن العم حسن…
ابتسم فجأة.
“دي مش أرقام.”
نظروا إليه.
قال:
“دي صفحات.”
“أبوك كان بيستخدم الطريقة دي.”
“رقم صفحة… وسطر… وكلمة.”
قال سليم:
“لكن صفحة من إيه؟”
أجاب العم حسن:
“من المصحف اللي كان على مكتبه.”
نظر الجميع حولهم.
كانت المكتبة ما زالت كما هي.
اقتربت إيمان.
وأخرجت المصحف المغلف بقماش أخضر.
فتحه العم حسن بحرص.
وبدأ يبحث حسب الأرقام.
استغرق الأمر دقائق.
ثم جمع الكلمات الأربع.
قرأها بصوت مرتفع:
“الخزنة… المصنع… البوابة… الثالثة.”
ساد الصمت.
قال يوسف:
“مصنع إيه؟”
همست إيمان:
“مصنع النسيج القديم.”
نظر إليها سليم.
“اللي كان بابا شغال فيه قبل ما يشتغل مع إبراهيم؟”
أومأت.
“المصنع اتقفل من أكتر من خمسة عشر سنة.”
ابتسم سليم.
“يبقى هنروح.”
…
وفي الجهة الأخرى من المدينة…
كان إبراهيم يشاهد تسجيل كاميرا مراقبة نقلها له أحد رجاله.
ظهر فيها سليم وهو يخرج من البيت القديم.
ابتسم إبراهيم.
وقال للرجل الواقف بجواره:
“عرفوا الطريق.”
سأله الرجل:
“نمنعهم؟”
هز إبراهيم رأسه بالنفي.
“لأ.”
“خليهم يفتحوا الخزنة.”
“لأنهم…”
“…معاهم المفتاح الوحيد.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى صورة المصنع القديمة:
“أما اللي جوه الخزنة…”
“فهو الشيء الوحيد…”
“اللي أنا مستعد أق*تل أي حد علشانه.”
يتبع…
الفصل الرابع عشر
خرجت ثلاث سيارات من بوابة القصر مع أول ضوء للفجر.
في السيارة الأولى…
كان سليم يقود بنفسه.
إلى جواره يوسف.
وفي الخلف…
جلست إيمان والعم حسن.
لم يكن أحد يتحدث.
كان كل واحد منهم غارقًا في أفكاره.
كسرت إيمان الصمت أخيرًا.
“أنا فاكرة المصنع.”
نظر إليها سليم.
“كنتِ بتروحي مع والدك؟”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“كل يوم جمعة.”
“كان يجيبلي شوكولاتة من الكشك اللي قدام البوابة.”
“ويقولي…”
“الرزق الحلال حتى لو قليل… فيه بركة.”
أخفضت رأسها.
“ماكنتش أعرف إنه كان شايل الهم ده كله.”
…
بعد ساعة…
ظهرت بوابة المصنع القديم.
كانت ضخمة، صدئة، يغطيها الصدأ والنباتات البرية.
اللافتة المعدنية المعلقة فوق المدخل سقط نصفها.
وأصبحت الحروف بالكاد تُقرأ.
أوقف سليم السيارة.
وترجل الجميع.
كان المكان مهجورًا منذ سنوات.
لكن العم حسن عبس فجأة.
وانحنى ليلمس الأرض.
ثم قال:
“في عربية دخلت هنا من ساعات.”
نظر يوسف إلى آثار الإطارات.
“واضحة.”
“يعني مش إحنا أول ناس.”
أمسك سليم بجهاز الاتصال.
“خلي رجالتنا ينتشروا.”
“وأي حركة تبلغوني فورًا.”
…
دخلوا إلى ساحة المصنع.
كانت الآلات القديمة مغطاة بالغبار.
والنوافذ المكسورة تسمح لأشعة الشمس بالدخول على شكل خطوط طويلة.
ساد المكان صمت مخيف.
إلى أن توقفت إيمان فجأة.
“استنوا.”
التفت الجميع إليها.
أشارت إلى الأرض.
“البوابة الثالثة…”
بدأوا يعدّون المداخل.
الأول.
الثاني.
ثم الثالث.
كان بابًا حديديًا صغيرًا يكاد يختفي خلف الأعشاب.
اقترب سليم.
وحاول فتحه.
لكنه كان مغلقًا.
أخرج المفتاح الذي أعطاه له حسام.
أدخله.
دار بسهولة.
وانفتح الباب ببطء…
ليظهر سلم ضيق ينزل إلى أسفل.
نظر يوسف إلى سليم.
“واضح إننا وصلنا.”
…
نزلوا بحذر.
كان المكان تحت الأرض.
غرفة خرسانية صغيرة.
وفي منتصفها…
خزنة حديدية ضخمة.
ابتسم العم حسن.
“هي دي.”
اقترب سليم.
لكن قبل أن يلمسها…
سمع صوت تصفيق بطيء يأتي من الظلام.
التفت الجميع.
خرج إبراهيم الدمنهوري من خلف أحد الأعمدة.
وخلفه أربعة رجال مسلحين.
ابتسم وهو يقول:
“برافو.”
“كنت عارف إنك هتوصل.”
شد سليم قبضته.
“كنت مستنينا.”
ضحك إبراهيم.
“طبعًا.”
“الخزنة دي…”
“محدش يقدر يفتحها غير بالمفتاح اللي معاكم.”
نظر إلى إيمان.
ثم قال:
“أبوكي كان أذكى مما توقعت.”
…
رفع أحد رجال إبراهيم س*لاحه.
لكن إبراهيم أشار إليه أن يخفضه.
وقال لسليم:
“تعالى نتفق.”
رد سليم ببرود:
“مفيش اتفاق.”
ابتسم إبراهيم.
“في.”
“إنت تفتح الخزنة.”
“وأنا آخد اللي فيها.”
“وإنت والبنت تمشوا.”
ضحك يوسف ساخرًا.
“ومين هيصدق كلامك؟”
نظر إبراهيم إليه.
“أنا عمري ما كسرت وعد…”
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
“…مع حد فضل عايش.”
ساد الصمت.
…
اقتربت إيمان خطوة.
ثم قالت بصوت ثابت لأول مرة:
“أنا عندي سؤال.”
نظر إليها إبراهيم.
“اتفضلي.”
“إنت اللي قت*لت بابا؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“أبوك…”
“اختار النهاية بنفسه.”
صرخت:
“يعني ق*تلتَه.”
رد ببرود:
“رفض يبيع الملفات.”
“ورفض يسلمني التسجيلات.”
“وكان فاكر إنه هيقدر يهزمني.”
“غلط.”
امتلأت عينا إيمان بالدموع.
لكنها لم تنهَر.
بل رفعت رأسها وقالت:
“وأنا مش هغلط غلطته.”
نظر إليها باستغراب.
ثم ابتسم.
“بالعكس.”
“إنتِ هتعملي نفس الغلطة.”
…
اقترب سليم من الخزنة.
نظر إلى المفتاح.
ثم إلى إبراهيم.
ثم قال:
“هفتحها.”
نظر إليه يوسف بصدمة.
لكن سليم أكمل:
“بس بشرط.”
“رجالتك ينزلوا س/لاحهم.”
ضحك إبراهيم.
“موافق.”
وأشار إلى رجاله.
فأنزلوا أسلحتهم ببطء…
لكن أحدهم…
كان يخفي مس/دسًا صغيرًا خلف ظهره دون أن يراه أحد.
أما سليم…
فأدار المفتاح داخل الخزنة.
صدر صوت ميكانيكي ثقيل.
ثم بدأت الخزنة تُفتح ببطء…
وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب…
اتسعت عينا إبراهيم فجأة.
لأنه لم يجد ذهبًا…
ولا أموالًا…
ولا ملفات.
بل وجد شاشة إلكترونية صغيرة، وأسفلها رسالة كتبها والد إيمان بخط يده:
“إذا كنت تقرأ هذه الرسالة يا إبراهيم… فاعلم أن كل ما كنت تبحث عنه لم يعد هنا منذ خمسة عشر عامًا.”
تغير لون وجه إبراهيم للمرة الأولى.
وهمس بذهول:
“مستحيل…”
يتبع…
الفصل الخامس عشر
تراجع إبراهيم خطوة إلى الخلف.
حدق داخل الخزنة مرة أخرى.
ثم أمسك الرسالة بيد مرتجفة وقرأها كاملة.
كان الخط واضحًا…
خط والد إيمان.
“إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أنك ما زلت تطارد السر الذي ق*تلت من أجله.”
“لكنني كنت أعرف أنك ستصل.”
“ولهذا السبب… نقلت كل الأدلة قبل خمسة عشر عامًا.”
“وأبقيت هذه الخزنة طُعمًا، حتى تكشف نفسك بنفسك.”
اشتد غضب إبراهيم.
مزق الرسالة نصفين.
ثم صرخ:
“كذاب!”
“مستحيل!”
نظر إليه سليم بهدوء.
وقال:
“واضح إن اللي خدعك…”
“هو الراجل اللي كنت فاكره انتهى.”
نظر إبراهيم إلى إيمان.
وكانت عيناه تمتلئان بالحقد.
“أبوكي ضيع عمري.”
ردت إيمان لأول مرة دون خوف:
“لا…”
“إنت اللي ضيعت عمرك بإيدك.”
…
في اللحظة نفسها…
رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
كان العقيد.
فتح المكالمة على مكبر الصوت.
“أيوة.”
جاء صوت العقيد سريعًا:
“وصلنا لمعلومة مهمة.”
“إحنا في طريقنا للمصنع.”
نظر إبراهيم حوله بسرعة.
أدرك أن الوقت بدأ ينفد.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في المكالمة.
بل في الشاشة الإلكترونية الموجودة داخل الخزنة.
فجأة…
أضاءت وحدها.
وظهر عليها عدّ تنازلي.
00:04:59
قطب يوسف حاجبيه.
“إيه ده؟”
اقترب العم حسن.
ثم ابتسم.
“عرفته.”
نظر الجميع إليه.
قال:
“أبو إيمان كان مهندس إلكترونيات قبل ما يشتغل محاسب.”
“كان بيعشق الأنظمة المؤمنة.”
ظهر سطر جديد على الشاشة:
“أدخل كلمة المرور.”
قال سليم:
“إيمان…”
“أبوك كان بيكرر كلمة معينة؟”
أغمضت عينيها.
بدأت تسترجع الذكريات.
ضحكة والدها.
مكتبه.
صوته.
ثم فتحت عينيها فجأة.
“النور.”
نظر إليها سليم.
“إيه؟”
“كان دايمًا يقول…”
“بعد كل ظلام… ييجي النور.”
كتب يوسف كلمة:
النور
رفض النظام.
بدأ العداد ينقص.
03:58
قال العم حسن:
“فكروا أكتر.”
قالت إيمان:
“كان بيقولها وهو بيبصلي.”
ثم شهقت.
“لا…”
“مش النور.”
“نور.”
نظر إليها سليم.
“اسم أختي؟”
هزت رأسها.
“لأ…”
“اسم بنته اللي كان بيحلم يجيبها لو أنا كان عندي أخت.”
ساد الصمت.
كتب سليم:
نور
ضغط تأكيد.
ساد هدوء لثوانٍ.
ثم…
صدر صوت إلكتروني.
تم قبول كلمة المرور.
تنفس الجميع الصعداء.
واختفى العداد.
ثم بدأت الشاشة تعرض رسالة فيديو.
ظهر والد إيمان على الشاشة.
كان يجلس داخل مكتبه.
وينظر مباشرة إلى الكاميرا.
قال:
“لو الفيديو ده اشتغل…”
“يبقى أنا غالبًا مش موجود.”
بدأت دموع إيمان تنزل دون أن تشعر.
أكمل والدها:
“إيمان…”
“لو إنتِ اللي بتتفرجي…”
“يبقى أنا آسف.”
“آسف إني معرفتش أحميكي.”
“لكن كنت واثق…”
“إن ربنا هيبعتلك حد يكمل الطريق.”
نظر سليم إلى الشاشة بصمت.
ثم أكمل الرجل:
“أما لو إبراهيم هو اللي واقف قدام الفيديو…”
ابتسم ابتسامة هادئة.
“…يبقى أحب أقولك.”
“أنا انتصرت.”
احمر وجه إبراهيم من الغضب.
وحاول تحطيم الشاشة بمؤخرة مس/دسه.
لكنها كانت محمية بزجاج قوي.
استمر الفيديو.
“الأدلة الحقيقية…”
“خرجت من هنا من خمسة عشر سنة.”
“واتسلمت لثلاثة أشخاص.”
“كل واحد عنده جزء.”
“ولا واحد منهم يعرف مكان التاني.”
تبادل سليم والعم حسن النظرات.
إذن…
كل ما وصلوا إليه حتى الآن…
لم يكن إلا جزءًا من الحقيقة.
ثم قال والد إيمان:
“ولو عايزين توصلوا لباقي الحقيقة…”
“ابدؤوا من المكان اللي بدأت فيه أول ج*ريمة.”
توقف الفيديو.
وظهرت كلمة واحدة على الشاشة:
“الميناء.”
نظر يوسف إلى سليم.
“ميناء إيه؟”
لكن العم حسن أغلق عينيه.
وقال بصوت خافت:
“ميناء النيل القديم…”
“هناك…”
“بدأ إبراهيم أول عملية تهريب.”
وفي اللحظة نفسها…
دوى صوت إطلاق نار من خارج الغرفة تحت الأرض.
ركض أحد رجال الأمن إلى الداخل وهو يلهث.
وقال:
“يا فندم…”
“في رجالة مسلحة حاصروا المصنع من كل الاتجاهات.”
نظر سليم إلى إبراهيم.
لكنه فوجئ بأن المكان الذي كان يقف فيه…
أصبح فارغًا.
لقد استغل انشغال الجميع بالفيديو…
واختفى مرة أخرى.
يتبع…
الفصل السادس عشر
تجمد سليم للحظة وهو ينظر إلى المكان الذي كان يقف فيه إبراهيم.
ثم صرخ:
“اقفلوا كل المخارج!”
انطلق رجال الأمن في جميع الاتجاهات.
لكن المصنع كان قديمًا…
ومليئًا بالأنفاق وغرف الصيانة التي أُغلقت منذ سنوات.
قال العم حسن وهو ينظر إلى الجدار المقابل:
“أنا عارف راح فين.”
التفت الجميع إليه.
وأشار إلى فتحة تهوية كبيرة في أعلى الجدار.
“الفتحة دي كانت متوصلة بنفق بيطلع ورا المصنع.”
“إبراهيم هو اللي عمله زمان علشان يهرب البضاعة.”
لم ينتظر سليم ثانية.
“يوسف… معايا.”
ثم التفت إلى اثنين من رجال الأمن.
“خليكم مع إيمان والعم حسن.”
احتجت إيمان:
“أنا جاية معاكم.”
نظر إليها سليم بحزم.
“لأ.”
“إنتِ أهم شاهدة في القضية.”
“ولو حصل لك حاجة…”
“كل اللي عملناه يضيع.”
أخفضت رأسها مرغمة.
…
في الخارج…
كان المطر قد عاد من جديد.
خرج سليم ويوسف من باب جانبي، وركضا خلف آثار أقدام واضحة على الأرض الموحلة.
قال يوسف وهو يشير إلى الأمام:
“هناك!”
كانت سيارة رباعية الدفع تنطلق بسرعة نحو الطريق الترابي.
قفز سليم إلى سيارته.
وانطلقت المطاردة.
…
داخل سيارة إبراهيم…
كان يقود بنفسه.
وبجواره حقيبة سوداء.
فتحها بسرعة.
وأخرج هاتفًا يعمل بالأقمار الصناعية.
اتصل برقم محفوظ.
جاءه صوت رجل:
“أيوة يا باشا.”
قال إبراهيم:
“جهزوا المركب.”
“هنطلع الليلة.”
“قبل ما يقفلوا كل الطرق.”
أغلق الخط.
ثم نظر في المرآة.
كانت سيارة سليم تقترب بسرعة.
ابتسم وقال لنفسه:
“لسه اللعبة مخلصتش.”
…
استمرت المطاردة عدة كيلومترات.
وفجأة…
دخل إبراهيم طريقًا ضيقًا وسط الأشجار.
قال يوسف:
“الطريق ده مقفول!”
لكن إبراهيم كان يعرف المكان جيدًا.
بعد دقائق…
خرج أمامه جسر خشبي قديم فوق ترعة.
عبره بسرعة.
وما إن وصلت سيارته إلى الجهة الأخرى…
ضغط زرًا صغيرًا بجوار المقود.
صدر انفجار قوي.
انهار جزء كبير من الجسر خلفه.
اضطر سليم إلى الضغط على المكابح بقوة.
توقفت السيارة قبل الحافة بأمتار قليلة.
نظر يوسف إلى الجسر المنهار.
وقال بغضب:
“هرب.”
ظل سليم ينظر إلى الجهة الأخرى.
ثم قال بهدوء:
“لأ…”
“هو بيهرب ناحية الميناء.”
…
في المصنع…
كانت إيمان لا تزال تحدق في الشاشة.
اقتربت من الرسالة الأخيرة.
ولاحظت شيئًا صغيرًا في زاوية الفيديو.
رمزًا لم تنتبه إليه من قبل.
كان عبارة عن طائر محفور داخل دائرة.
همست:
“الرمز ده…”
سمعها العم حسن.
اقترب بسرعة.
ثم تغيرت ملامحه.
“إزاي…”
نظرت إليه.
“تعرفه؟”
قال وهو يبتلع ريقه:
“الرمز ده…”
“كان بيتحط على صناديق الشحن.”
“اللي كانت بتطلع من ميناء النيل.”
“لكن…”
توقف فجأة.
“أنا شفته قبل كده…”
“في بيت أبوكي.”
قطبت إيمان حاجبيها.
“فين؟”
أغمض العم حسن عينيه محاولًا التذكر.
ثم فتحهما فجأة.
“الإطار.”
“الصورة الكبيرة اللي كانت في الصالون.”
شهقت إيمان.
“صورة جدي!”
هز رأسه بسرعة.
“ورا الإطار.”
…
في تلك اللحظة…
رن هاتف إيمان.
نظرت إلى الشاشة.
رقم مجهول.
ترددت.
ثم أجابت.
جاءها صوت امرأة مسنة، ترتجف من البكاء:
“إيمان…”
تجمدت في مكانها.
“مين؟”
قالت المرأة:
“أنا…”
“أمك.”
سقط الهاتف من يد إيمان.
اتسعت عيناها بصدمة.
همست:
“أمي…”
“بس…”
“سهام قالت إنك متِّ يوم ما اتولدت.”
جاءها الصوت من الهاتف الملقى على الأرض:
“كذبت عليكي…”
“أنا عايشة…”
“وإبراهيم هو اللي فرق بينا.”
رفع العم حسن الهاتف بسرعة.
لكن الخط…
انقطع.
وقفت إيمان كأنها لا تشعر بشيء.
كل حياتها كانت مبنية على كذبة.
لم تكن يتيمة الأم…
بل كانت أمها على قيد الحياة طوال هذه السنوات.
يتبع…
الفصل السابع عشر
ظل الهاتف في يد العم حسن…
لكن الخط كان قد انقطع تمامًا.
أما إيمان…
فكانت تقف في مكانها كأن الزمن توقف.
همست بصوت مكسور:
“أمي…”
“كانت عايشة؟”
جلست على الأرض فجأة.
وضعت يديها على وجهها.
وبدأت تبكي.
لم يكن بكاء خوف…
ولا ألم…
بل بكاء سنوات كاملة من الحرمان.
كانت تتذكر كل ليلة نامت فيها وهي تتمنى لو ترى أمها مرة واحدة.
وكل مرة سألت فيها سهام:
“أمي كانت عاملة إزاي؟”
فتجيبها ببرود:
“ماتت.”
ثم تمنعها حتى من السؤال مرة أخرى.
اقتربت هناء منها.
وضمتها إلى صدرها.
وقالت:
“إن شاء الله هنلاقيها.”
رفعت إيمان رأسها.
وقالت وسط دموعها:
“لو كانت عايشة…”
“ليه سابتني؟”
نظر العم حسن إليها بحزن.
ثم جلس أمامها.
وقال:
“هي ما سابتكيش.”
“هي اتاخدت منك.”
…
في الوقت نفسه…
كان سليم يقف أمام الجسر المنهار.
وصلت سيارات الشرطة.
وترجل العقيد بسرعة.
“هرب؟”
أومأ سليم.
وأشار إلى الضفة الأخرى.
“راح ناحية الميناء.”
قال العقيد:
“بلغنا كل الأكمنة.”
لكن سليم لم يكن مقتنعًا.
قال:
“إبراهيم عمره ما بيكرر نفس الغلطة.”
“أكيد مجهز طريق تاني.”
…
داخل سيارة الشرطة…
رن هاتف العقيد.
رد بسرعة.
ثم تغير وجهه.
التفت إلى سليم.
“في خبر.”
“لقينا عربية إبراهيم.”
نظر سليم إليه.
“فين؟”
“محروقة.”
قطب حاجبيه.
“يعني؟”
“ملقيناش ج*ثته.”
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة.
“كنت متوقع.”
“العربية دي طُعم.”
…
في القصر…
بدأ يوسف يحاول تتبع الرقم الذي اتصل بإيمان.
وبعد دقائق…
رفع رأسه.
“لقيت حاجة.”
اقترب الجميع.
قال:
“المكالمة خرجت من قرية صغيرة.”
“تبعد حوالي أربعين كيلو عن هنا.”
سألته هناء:
“يعني الست هناك؟”
هز رأسه.
“لأ.”
“المكالمة خرجت من كشك تليفونات.”
تنهد.
“يعني استخدمت خط مؤقت.”
قال العم حسن:
“وده معناه…”
“إنها لسه خايفة.”
…
ثم أخرج العم حسن شيئًا من جيبه.
كانت صورة قديمة جدًا.
أعطاها لإيمان.
نظرت إليها.
شهقت.
امرأة شابة تحمل طفلة رضيعة.
سألت وهي ترتجف:
“دي…”
ابتسم العم حسن.
“أمك.”
ثم أشار إلى الرضيعة.
“وده إنتِ.”
انهمرت دموع إيمان مرة أخرى.
أخذت تمرر أصابعها فوق وجه أمها في الصورة.
وقالت:
“أول مرة أشوفها.”
…
بدأ العم حسن يحكي.
“بعد وفاة أبوكي بأيام…”
“إبراهيم عرف إن أمك عندها نسخة من بعض المستندات.”
“بعت رجاله.”
“لكنها قدرت تهرب.”
سألت إيمان بسرعة:
“وسابتني؟”
هز رأسه.
“كانت جاية تاخدك.”
“لكن سهام بلغت إنك مش موجودة.”
“وخبتك عند قرايبها أسبوع كامل.”
شهقت إيمان.
“يعني…”
“أمي دورت عليّ؟”
أجاب العم حسن:
“سنين.”
“لكن إبراهيم كان كل مرة يوصل لها معلومة غلط.”
…
في تلك اللحظة…
دخل أحد رجال الأمن مسرعًا.
وقال لسليم الذي كان قد عاد للتو:
“يا فندم.”
“لقينا حاجة في بيت سهام.”
رفع سليم رأسه.
“إيه هي؟”
أخرج الرجل حقيبة صغيرة.
فتحها.
كان بداخلها…
جواز سفر باسم امرأة.
التقطته إيمان.
قرأت الاسم.
ثم شهقت.
“ليلى محمود.”
قالت:
“ده اسم أمي.”
لكن الأغرب…
أن تاريخ إصدار جواز السفر…
كان قبل ثلاث سنوات فقط.
أي أن أمها…
لم تكن مختفية منذ عشرين عامًا كما ظن الجميع.
بل كانت على قيد الحياة حتى وقت قريب جدًا.
وجد يوسف أيضًا داخل الحقيبة قصاصة ورق مطوية.
فتحها.
وكان مكتوبًا عليها عنوان واحد فقط:
“بيت رقم 14… شارع الياسمين… قرية الصفا.”
نظر سليم إلى الجميع.
ثم قال بحزم:
“مش هنستنى.”
“لو والدتها هي اللي اتصلت…”
“يبقى يمكن تكون لسه هناك.”
خرج الجميع بسرعة نحو السيارات.
لكن بعيدًا عنهم…
وفي منزل صغير في قرية الصفا…
كانت امرأة في الخمسين من عمرها تجلس على كرسي خشبي، ويداها مقيدتان.
كان على وجهها آثار تعب شديد.
دخل إبراهيم الدمنهوري إلى الغرفة ببطء.
ووضع الهاتف الذي استخدمتْه قبل قليل على الطاولة أمامها.
ثم قال بابتسامة باردة:
“كنتِ فاكرة إن مكالمة واحدة…”
“هتغير كل حاجة؟”
رفعت المرأة رأسها.
ورغم القيود…
قالت بثبات:
“بنتي…”
“هتعرف الحقيقة.”
اقترب إبراهيم منها.
وقال:
“لما توصل…”
“هتكون متأخرة.”
ثم خرج من الغرفة…
وأغلق الباب الحديدي خلفه بالمفتاح.
يتبع…
الفصل الأخير
انطلقت سيارات سليم بأقصى سرعة نحو قرية الصفا.
كان قلب إيمان يخفق بعنف.
لم تكن تعرف ماذا ستجد.
هل أمها ما زالت هناك؟
أم أن المكالمة كانت فخًا جديدًا؟
قال سليم وهو ينظر إليها:
“مهما حصل…”
“مش هسيبك لوحدك.”
هزت رأسها بصمت.
…
بعد أقل من ساعة…
وصلوا إلى شارع الياسمين.
كان شارعًا هادئًا.
توقفت السيارات أمام المنزل رقم 14.
لكن الباب كان مفتوحًا.
دخل رجال الأمن أولًا.
ثم أشاروا إلى سليم.
“المكان آمن.”
دخل الجميع.
كان المنزل خاليًا.
إلا من غرفة حديدية في آخر الممر.
اقتربت إيمان.
سمعت صوتًا خافتًا من الداخل.
“في حد بره؟”
صرخت إيمان:
“ماما!”
رد الصوت وهو يرتجف:
“إيمان؟”
لم تتمالك نفسها.
بدأت تضرب الباب بيديها.
كسر رجال الأمن القفل.
وانفتح الباب.
كانت امرأة هزيلة تجلس مقيدة.
ما إن رأت إيمان…
حتى انفجرت بالبكاء.
ركضت إيمان نحوها.
وارتمت في حضنها.
بقيتا تبكيان طويلًا دون كلمة.
سنوات الفراق…
انهارت في لحظة واحدة.
قالت الأم وهي تمسح دموع ابنتها:
“سامحيني…”
“والله ما سيبتك بإيدي.”
احتضنتها إيمان بقوة.
“عارفة…”
“عارفة دلوقتي.”
…
لكن الفرحة لم تدم طويلًا.
قالت الأم وهي تلهث:
“إبراهيم…”
“لسه هنا.”
“هرب من الباب الخلفي.”
ركض سليم ورجال الأمن خارج المنزل.
وفي نهاية الحديقة…
شاهدوا إبراهيم يحاول تشغيل سيارة قديمة.
صرخ سليم:
“قف!”
نظر إبراهيم إليه.
ثم ابتسم.
وضغط على دواسة الوقود.
لكن السيارة لم تتحرك.
كان أحد رجال الأمن قد أفرغ إطاراتها قبل دقائق.
نظر إبراهيم حوله.
ثم بدأ يجري.
طارده سليم بنفسه.
استمرت المطاردة بين الحقول.
حتى وصل إبراهيم إلى حافة الترعة.
لم يعد أمامه طريق.
التفت إلى سليم.
وقال ساخرًا:
“فاكر إنك كسبت؟”
رد سليم:
“الحقيقة هي اللي كسبت.”
ضحك إبراهيم.
“حتى لو سجنتوني…”
“في غيري.”
قال سليم بهدوء:
“يمكن.”
“لكن إنت… انتهيت.”
في تلك اللحظة…
وصلت سيارات الشرطة.
أحاطت به من كل الجهات.
نظر إبراهيم إلى المياه.
ثم إلى القيود التي يحملها أحد الضباط.
أدرك أن الهرب انتهى.
رفع يديه ببطء.
وقال لأول مرة منذ سنوات:
“أنا… هستسلم.”
اقترب الضابط.
ووضع الأصفاد في يديه.
وانتهت مطاردة استمرت سنوات.
…
بعد أسابيع…
بدأت المحاكمة.
ظهرت التسجيلات.
والمستندات.
وشهادة العم حسن.
وشهادة نادية.
وشهادة ليلى، والدة إيمان.
كما استعادت الشرطة النسخة الكاملة من التسجيلات من المكان الذي أخفته القاضية الراحلة في عهدتها القانونية، لتكتمل الأدلة.
وبعد جلسات طويلة…
صدر الحكم.
السجن المؤبد على إبراهيم الدمنهوري.
وأحكام متفاوتة على كل من شارك في جرائمه أو ساعده على إخفاء الأدلة.
أما سهام…
فأُدينت بتهم تتعلق بالاشتراك في إخفاء الأدلة، والاعتداء، واحتجاز إيمان وإساءة معاملتها، ونالت عقوبة بالسجن وفق ما ثبت أمام المحكمة.
…
بعد ستة أشهر…
كانت الحديقة نفسها التي بدأت فيها الحكاية مليئة بالزهور.
جلست إيمان بجوار قبر والدها.
وبجوارها أمها.
وسليم.
وضعت باقة من الزهور.
وقالت وهي تبتسم وسط دموعها:
“بابا…”
“وعدك اتحقق.”
“الحقيقة ظهرت.”
ابتسمت أمها.
وقالت:
“كان واثق إن ربنا هيحفظك.”
نظر سليم إلى السماء.
وتذكر شقيقته نور.
همس:
“سامحيني…”
“المرة دي…”
“ما اتأخرتش.”
…
بعد عام…
افتتحت إيمان مركزًا مجانيًا لدعم النساء والفتيات اللاتي يتعرضن للعنف الأسري، يحمل اسم والدها تكريمًا لذكراه.
أما سليم…
فأنشأ مؤسسة تحمل اسم شقيقته نور، تُعنى بتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا.
وفي يوم الافتتاح…
وقفت إيمان أمام الحضور وقالت:
“كنت فاكرة إن الخوف هو نهاية الحكاية.”
“لكن اكتشفت…”
“إن أول خطوة في طريق النجاة…”
“هي إن حد يصدقك.”
صفق الجميع.
ونظر سليم إليها مبتسمًا.
لم يكن قد أنقذ فتاة هاربة فحسب…
بل كان قد أوفى أخيرًا بوعدٍ عجز عن الوفاء به لشقيقته قبل سنوات.
وهكذا…
انتهت رحلة بدأت بعاصفة على طريق مظلم…
وانتهت بانتصار الحقيقة، ولمّ شمل عائلة، ومحاسبة من ارتكب الجرائم، وبداية حياة جديدة لمن ظنوا يومًا أن الأمل قد مات.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *