الهروب حكـايـات أسمـا السـيد ×1
هربت من زوجة أبيها واختبأت داخل سيارة ملياردير… لكنه تعرّف في عينيها على نفس الرعب الذي دمّر حياة شقيقته
الفصل الأول
كانت العاصفة تضرب الطريق بعنف، حتى بدا وكأن السماء تريد اقتلاع الأسفلت من مكانه.
على أطراف المدينة…
لم يكن هناك سوى أشجار سوداء تتمايل مع الريح، وأراضٍ خالية، ولمعان البرق الذي كان يكشف الطريق لثوانٍ معدودة قبل أن يعيده إلى الظلام.
وفجأة…
خرجت فتاة تركض من طريق ترابي ضيق.
كانت في الثانية والعشرين من عمرها.
ترتدي فستانًا خفيفًا ممزقًا من الأسفل.
كانت حافية القدمين، والطين يغطي ساقيها حتى الركبتين، وعلى خدها كدمة حديثة ما زالت آثارها واضحة.
لم تكن تركض نحو مكان آمن…
بل كانت تهرب.
لأن المرأة التي تزوجها والدها قبل وفاته كانت تطاردها منذ سنوات، وتحولت حياتها معها إلى سلسلة لا تنتهي من الإهانة والعنف.
ومنذ وفاة الأب…
كانت تلك المرأة تصر على مناداتها بـ”ابنتي” أمام الناس، بينما تعاملها داخل البيت كأنها خادمة لا تستحق الرحمة.
وسط صوت المطر…
وصلها صراخها الغاضب:
“ارجعي حالًا!”
التفتت الفتاة للخلف.
وفي ومضة برق…
رأت المرأة تقترب وهي تمسك حزامًا جلديًا ملفوفًا حول يدها.
شعرت بأن أنفاسها تختنق.
وفي اللحظة نفسها…
ظهرت أضواء سيارة سوداء فاخرة تشق الطريق بسرعة.
اندفعت إلى منتصف الطريق، ورفعت يديها وهي تصرخ بكل ما بقي لديها من قوة.
ضغط السائق على المكابح بقوة.
انزلقت السيارة فوق الطريق المبتل، قبل أن تتوقف على بعد أمتار قليلة منها.
في المقعد الخلفي…
كان يجلس رجل أعمال معروف، يدير واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في البلاد.
كان عائدًا لتوه من زيارة قبر شقيقته، وهي عادة لم ينقطع عنها منذ سنوات.
رفع عينيه نحو الفتاة.
كانت الأمطار تختلط بقطرات الدم النازلة من جرح صغير في جبينها.
اقتربت من نافذة السيارة وهي ترتجف.
وقالت بصوت يكاد يختفي:
“أرجوك…
لو سألت عني…
قول إنك ما شفتنيش.”
خفض الرجل زجاج النافذة قليلًا.
وسأل بهدوء:
“مين اللي بيجري وراك؟”
أجابت وهي تلتفت خلفها بخوف:
“زوجة أبويا.”
“هتقول إني مجنونة…”
“وهتقول إني سرقت…”
“وهتخلي الكل يصدقها.”
“أرجوك…
ما تتصلش بالشرطة.”
“هي تعرف ناس…
ولو رجعتني لها…
مش هخرج من البيت تاني.”
التفت السائق إلى الرجل وسأله:
“نعمل إيه يا فندم؟”
ظل الرجل صامتًا للحظات.
كان ينظر إلى عينيها فقط.
وفيهما…
رأى نفس الخوف الذي رآه في عيني شقيقته قبل سنوات طويلة.
في اليوم الذي توسلت إليه ألا يتركها مع بعض الأقارب الذين كان الجميع يراهم محترمين.
وقتها…
وعدها أنه سيعود سريعًا.
لكنه عاد…
بعد فوات الأوان.
أفاق من ذكرياته وقال بحزم:
“افتح الباب.”
لم تنتظر الفتاة دعوة ثانية.
قفزت إلى داخل السيارة.
وانكمشت بجوار المقعد وهي ترتجف، وتردد بصوت خافت:
“مش عايزة أرجع…
أرجوك…”
بعد ثوانٍ…
ظهرت المرأة أمام أضواء السيارة.
وأخذت تصرخ بغضب:
“البنت دي حرامية!”
“دي بنتي ومريضة!”
“سلموهالي فورًا.”
نظر إليها الرجل من داخل السيارة.
فرفعت الحزام وضربت به مقدمة السيارة بعنف.
ثم صرخت:
“انزلي حالًا!
ولو ما نزلتيش…
قسماً بالله هتندمي.”
أطلقت الفتاة شهقة مكتومة، وضمت رأسها بين ذراعيها.
وفي تلك اللحظة…
شعر الرجل أن جرحًا قديمًا انفتح داخله من جديد.
قال للسائق بهدوء حاسم:
“اتحرك.”
انطلقت السيارة مبتعدة وسط المطر، وتركت المرأة واقفة في منتصف الطريق.
لكن قبل أن تختفي عن الأنظار…
وقعت عيناه على قلادة فضية تتدلى من عنقها.
تجمد مكانه.
لأنه رأى تلك القلادة من قبل.
كانت مطابقة تمامًا للقلادة التي كان يرتديها الرجل المسؤول عن تدمير طفولة شقيقته.
وللمرة الأولى منذ سنوات…
شعر أن الماضي عاد ليطارده من جديد.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
لم ينطق أحد داخل السيارة لعدة دقائق.
لم يكن يُسمع سوى صوت المطر وهو يرتطم بالزجاج، وصوت ماسحات السيارة التي تتحرك ببطء، بينما كانت الفتاة تضم ركبتيها إلى صدرها وكأنها تحاول أن تختفي داخل نفسها.
ألقى الرجل معطفه الصوفي نحوها.
قال بهدوء:
“غطي نفسك.”
ترددت للحظة، ثم أمسكت المعطف بأصابع مرتجفة.
كان دافئًا.
ولأول مرة منذ ساعات…
شعرت بشيء يشبه الأمان.
لكنها لم تتوقف عن النظر من الزجاج الخلفي.
وكأنها تتوقع أن تظهر زوجة أبيها في أي لحظة.
لاحظ الرجل ذلك.
فسألها بنبرة هادئة:
“اسمك إيه؟”
ترددت.
ثم قالت بصوت خافت:
“إيمان.”
أومأ برأسه.
“أنا سليم.”
لم تقل شيئًا.
كانت تعرف الاسم.
ومن لا يعرفه؟
سليم الحديدي…
رجل الأعمال الذي تتحدث عنه الأخبار كل أسبوع.
الرجل الذي أسس إمبراطورية تكنولوجية ضخمة، وأصبح من أغنى رجال البلاد قبل أن يبلغ الأربعين.
لكنها لم تهتم بكل ذلك.
كل ما كانت تفكر فيه…
هو ألا تعود إلى ذلك البيت مرة أخرى.
نظر إليها سليم.
لاحظ آثار الحروق القديمة على معصمها.
وكدمات بألوان مختلفة على ذراعيها.
آثار قديمة وحديثة…
كأن الألم كان جزءًا من حياتها اليومية.
قال بهدوء:
“مين عمل فيكي كده؟”
أخفضت رأسها بسرعة.
“وقعت.”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“أنا سألت السؤال ده كتير قبل كده.”
سكت قليلًا.
ثم أكمل:
“وكل الناس اللي اتعذبوا…
قالوا وقعنا.”
ارتجفت شفتاها.
لكنها لم تجب.
…
في الجهة الأخرى…
كانت زوجة الأب، سهام، تقف وسط الطريق وهي ترتجف من الغضب.
ألقت الحزام أرضًا.
ثم أخرجت هاتفها بسرعة.
اتصلت برجل وقال بعصبية:
“هربت.”
جاءها صوته الخشن:
“هربت إزاي؟”
“ركبت عربية.”
“مين؟”
“مش عارفة… عربية سودا.”
ساد صمت قصير.
ثم قال الرجل:
“لو وصلت للشرطة…
إحنا الاتنين هنروح في داهية.”
توترت ملامح سهام.
“مش هتوصل.”
“أنا هجيبها.”
أنهى المكالمة.
لكنها لم تلاحظ سيارة قديمة كانت تقف بعيدًا في الظلام.
وبداخلها…
كان شخص يصور كل ما حدث بهاتفه.
…
داخل السيارة…
رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
كان اسم مساعده الشخصي:
يوسف.
أجاب.
“أيوة.”
قال يوسف بسرعة:
“يا فندم الاجتماع اتأجل لبكرة.”
“تمام.”
ثم أضاف:
“في حاجة تانية.”
“اتفضل.”
“في حد بيسأل عليك من ساعة.”
“مين؟”
“محامي اسمه حسام كامل.”
تغيرت ملامح سليم.
ذلك الاسم…
لم يسمعه منذ أكثر من عشر سنوات.
قال:
“قال عايز إيه؟”
“قال عنده معلومات جديدة عن قض*ية الآنسة نور.”
ساد الصمت.
نور…
اسم شقيقته.
ابتلع سليم غصة قديمة.
وأغلق الهاتف دون أن يعلق.
لاحظت إيمان التغير المفاجئ في وجهه.
لكنها لم تسأل.
…
بعد نصف ساعة…
دخلت السيارة بوابة ضخمة من الحديد الأسود.
انفتحت البوابة إلكترونيًا.
ثم سارت وسط حديقة واسعة حتى توقفت أمام قصر حديث تحيط به الأشجار.
نظرت إيمان حولها بذهول.
لم تر في حياتها بيتًا بهذا الحجم.
فتح السائق الباب.
لكنها لم تتحرك.
قال سليم:
“انزلي.”
همست:
“أنا… مش هينفع.”
“ليه؟”
“لو الناس شافوني هنا…”
“هيقولوا إني…”
قاطَعها بهدوء:
“الناس مش مسؤولة عن حياتك.”
“أنا المسؤول دلوقتي عن سلامتك.”
نزلت ببطء.
كانت قدماها ترتجفان من البرد.
فأشار إلى إحدى العاملات.
“مدام هناء.”
اقتربت سيدة في الخمسين من عمرها.
ابتسمت بحنان.
“أفندم.”
قال سليم:
“جهزي أوضة الضيوف.”
“وهاتي هدوم مناسبة.”
ثم نظر إلى إيمان.
“وهاتي دكتور كمان.”
ارتبكت إيمان بسرعة.
“لا.”
“مش محتاجة دكتور.”
قال بحزم:
“مفيش نقاش.”
…
بعد دقائق…
كانت تجلس في غرفة دافئة.
ترتدي ملابس نظيفة لأول مرة منذ أيام.
وضعت أمامها صينية طعام.
لكنها ظلت تنظر إليها فقط.
دخلت هناء.
ابتسمت.
“كلي يا بنتي.”
هزت رأسها.
“مش قادرة.”
جلست هناء بجوارها.
وقالت بلطف:
“آخر مرة أكلتي إمتى؟”
سكتت.
ثم همست:
“من امبارح.”
تفاجأت هناء.
“يعني يوم كامل؟”
لم تجب.
فأخذت هناء قطعة خبز صغيرة.
وقالت:
“لقمة واحدة.”
نظرت إليها إيمان طويلًا.
ثم انفجرت بالبكاء.
بكاء طويلًا…
صامتًا…
كأن سنوات كاملة كانت تخرج مع كل دمعة.
…
في الطابق العلوي…
دخل سليم مكتبه.
أغلق الباب.
ثم فتح أحد الأدراج.
وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتح الغطاء ببطء.
كانت بداخله صورة لشقيقته نور وهي تبتسم.
وبجوار الصورة…
قلادة فضية.
مطابقة تمامًا لتلك التي كانت ترتديها سهام.
جلس على كرسيه.
وأخذ يقارن بين القلادتين.
النقش نفسه.
اللون نفسه.
حتى الخدش الصغير في الجانب الأيسر…
كان في المكان ذاته.
قال لنفسه:
“مستحيل…”
“القلادة دي كانت دليل اختفى من ملف الق*ضية.”
“إزاي ظهرت معاها؟”
في تلك اللحظة…
طرق يوسف الباب.
دخل وهو يحمل ملفًا قديمًا مليئًا بالغبار.
قال:
“حضرتك طلبته من الأرشيف.”
فتح سليم الملف بسرعة.
وبدأ يقلب الأوراق.
تقارير.
تحقيقات.
أسماء.
ثم توقفت عيناه فجأة عند صورة رجل.
تجمد مكانه.
كان الرجل يضع في عنقه…
نفس القلادة الفضية.
همس سليم:
“إبراهيم الدمنهوري…”
“أنت لسه عايش؟”
رفع يوسف رأسه باستغراب.
“حضرتك تعرفه؟”
لم يجب.
ظل ينظر إلى الصورة.
ثم أغلق الملف بقوة.
وقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
“واضح إن هروب البنت دي الليلة…”
“مكنش صدفة.”
“واضح إنها فتحت باب ق/ضية اتقفلت من سنين…”
“واللي كان فاكر إن الحقيقة ماتت…”
“هيتفاجئ إنها لسه عايشة.”
يتبع