الهروب حكايات اسما السيد ×4
الفصل السادس
ظلّت الغرفة صامتة بعد أن قرأ سليم الرسالة.
أعاد النظر إلى الخريطة أكثر من مرة.
كانت مرسومة بقلم حبر أزرق باهت، وفي أحد أركانها شجرة ضخمة، وبئر قديم، ومنزل ريفي تحيط به الأشجار.
لكن أكثر ما لفت انتباهه…
جملة صغيرة كُتبت في الأسفل.
“المكان الذي بدأت فيه الحكاية…”
همس سليم:
“بيت والد إيمان.”
رفعت إيمان رأسها فجأة.
“البيت القديم؟”
نظر إليها.
“لسه موجود؟”
أومأت ببطء.
“سهام عايشة فيه لحد دلوقتي.”
ساد الصمت.
قال يوسف:
“يعني الصندوق تحت بيتها؟”
هز سليم رأسه.
“مش شرط.”
ثم أشار إلى الخريطة.
“البيت اتبنى من أكتر من خمسين سنة.”
“ممكن يكون المقصود الحديقة… أو البئر.”
تنهد.
“لكن مستحيل نقدر ندخل بسهولة.”
…
في الوقت نفسه…
داخل غرفة التحقيق.
كان فؤاد يجلس مكبل اليدين.
دخل العقيد.
ووضع أمامه صورة لإبراهيم الدمنهوري.
“من ده؟”
نظر فؤاد إلى الصورة.
ثم ابتسم.
“معرفوش.”
رد العقيد بهدوء:
“الكاميرات صورت مكالمتك معاه.”
اختفت الابتسامة.
لكن فؤاد ظل صامتًا.
اقترب العقيد.
وقال:
“إبراهيم مش هيحميك.”
“أول ما يحس إنك هتتكلم…”
“هيتخلص منك.”
ارتجفت عين فؤاد للحظة.
لكنه لم ينطق.
…
في قصر سليم…
دخلت هناء إلى غرفة إيمان.
وجدتها تنظر إلى المرآة.
تلمس الكدمة القديمة على خدها.
قالت هناء بحنان:
“الدكتور قال إنها هتخف.”
ابتسمت إيمان ابتسامة باهتة.
“مش دي اللي واجعاني.”
“اللي جوا…”
“هو اللي عمره ما خف.”
اقتربت هناء.
“إيه أكتر حاجة بتخوفي منها؟”
أخفضت إيمان رأسها.
ثم قالت:
“إني أصدق إني بقيت آمنة…”
“وبعدين يلاقوني.”
…
بعد ساعة…
وصل تقرير جديد إلى يوسف.
قرأه بسرعة.
ثم ركض إلى مكتب سليم.
“يا فندم.”
رفع سليم رأسه.
“خير؟”
قال يوسف:
“في معلومة جديدة.”
فتح الملف.
“والد إيمان…”
“قبل وفاته بثلاثة أيام…”
“قدم بلاغ رسمي.”
وقف سليم.
“بلاغ ضد مين؟”
قلب يوسف الصفحة.
ثم قال بدهشة:
“ضد إبراهيم الدمنهوري.”
ساد الصمت.
“إيه التهمة؟”
قرأ يوسف بصوت واضح:
“الاستيلاء على أموال شركاء… وإخفاء مستندات مالية.”
قطب سليم حاجبيه.
“يعني والدها كان يعرفه.”
ثم قلب الصفحة التالية.
وفجأة…
ظهرت عبارة جعلت الجميع يتجمد.
“أرفقت مع البلاغ نسخة من تسجيلات صوتية محفوظة في مكان آمن.”
همس يوسف:
“التسجيلات…”
قال سليم:
“أكيد داخل الصندوق.”
…
وفي الناحية الأخرى من المدينة…
كان إبراهيم يجلس داخل مكتبه الفخم.
دخلت سهام وهي في حالة انهيار.
“فؤاد اتقبض عليه.”
لم تبدُ على إبراهيم أي علامات خوف.
صب لنفسه كوبًا من القهوة.
وقال بهدوء:
“كنت متوقع.”
صرخت سهام:
“إنت مش فاهم.”
“لو الصندوق ظهر…”
“إحنا انتهينا.”
ابتسم إبراهيم.
“مين قال إننا هنستنى الصندوق يظهر؟”
ضغط زرًا صغيرًا على مكتبه.
دخل رجل أنيق في الأربعين من عمره.
قال إبراهيم:
“جهز العربية.”
“رايحين بنفسنا.”
نظرت سهام إليه بقلق.
“رايح فين؟”
ابتسم ابتسامة باردة.
“على البيت القديم.”
“قبل ما سليم يوصله.”
…
في المساء…
كان سليم يقف أمام الخريطة مرة أخرى.
ثم التفت إلى يوسف.
“جهز العربية.”
سأله يوسف:
“هناخد الشرطة؟”
فكر سليم لثوانٍ.
ثم قال:
“لأ.”
“كل ما العدد يزيد…”
“كل ما الخبر ينتشر.”
ثم نظر إلى إيمان.
“إنتِ تعرفي البيت من جوه؟”
أومأت.
“كل ركن.”
“حتى الأماكن اللي محدش يعرفها.”
ابتسم لأول مرة.
“يبقى هتيجي معانا.”
ترددت.
“ولو شافتني سهام؟”
قال بثقة:
“المرة دي…”
“إنتِ مش لوحدك.”
…
وقبل أن يغادروا القصر…
رن هاتف سليم.
رقم مجهول.
أجاب.
لكن هذه المرة…
لم يكن إبراهيم.
كان صوت رجل عجوز متعب.
قال بصعوبة:
“لو رايح البيت القديم…”
“إوعى تحفر عند البئر.”
تجمد سليم.
“مين حضرتك؟”
جاءه الرد الذي قلب كل شيء:
“أنا… البستاني اللي اشتغل عند أبو إيمان أكتر من عشرين سنة.”
“والصندوق…”
“مش مدفون في الأرض.”
ثم انقطع الخط فجأة.
نظر سليم إلى الهاتف.
ثم إلى الخريطة.
وقال بصوت منخفض:
“واضح إننا كنا بندور في المكان الصح…”
“لكن بالطريقة الغلط.”
يتبع…
الفصل السابع
ظل سليم ينظر إلى الهاتف لعدة ثوانٍ بعد انقطاع المكالمة.
لم يكن الصوت مألوفًا…
لكنه كان صادقًا.
قال يوسف:
“نحدد الرقم؟”
هز سليم رأسه.
“اعمل محاولة.”
بعد أقل من دقيقة…
عاد يوسف وهو يهز رأسه بأسف.
“الخط اتقفل.”
“والشريحة مرمية بعد المكالمة.”
تنهد سليم.
“واضح إن الراجل خايف.”
ثم أعاد النظر إلى الخريطة.
كانت عيناه تتوقفان عند رسم الشجرة الكبيرة.
وفجأة…
انتبه إلى شيء صغير.
خط رفيع مرسوم داخل جذع الشجرة.
كأنه باب.
أمسك بعدسة مكبرة كانت على مكتبه.
ثم ابتسم.
“لقيتها.”
اقترب يوسف.
“إيه؟”
أشار
الفصل السابع
ظل سليم ينظر إلى الهاتف لعدة ثوانٍ بعد انقطاع المكالمة.
لم يكن الصوت مألوفًا…
لكنه كان صادقًا.
قال يوسف:
“نحدد الرقم؟”
هز سليم رأسه.
“اعمل محاولة.”
بعد أقل من دقيقة…
عاد يوسف وهو يهز رأسه بأسف.
“الخط اتقفل.”
“والشريحة مرمية بعد المكالمة.”
تنهد سليم.
“واضح إن الراجل خايف.”
ثم أعاد النظر إلى الخريطة.
كانت عيناه تتوقفان عند رسم الشجرة الكبيرة.
وفجأة…
انتبه إلى شيء صغير.
خط رفيع مرسوم داخل جذع الشجرة.
كأنه باب.
أمسك بعدسة مكبرة كانت على مكتبه.
ثم ابتسم.
“لقيتها.”
اقترب يوسف.
“إيه؟”
أشار سليم إلى الرسم.
“دي مش شجرة عادية.”
“دي شجرة مجوفة.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“والبستاني قال…”
“الصندوق مش مدفون في الأرض.”
“يعني ممكن يكون مخبي جواها.”
…
بعد ساعة…
انطلقت السيارة السوداء في اتجاه البيت القديم.
كانت إيمان تجلس في المقعد الخلفي.
كلما اقتربوا…
ازداد اضطراب أنفاسها.
كانت ترى الطريق الذي حفظته عن ظهر قلب.
المخبز القديم.
المسجد الصغير.
الترعة.
ثم المنزل…
ذلك المنزل الذي سرق منها طفولتها.
توقفت السيارة بعيدًا.
أطفأ السائق الأنوار.
نظر سليم إلى رجال الأمن.
“محدش يتحرك إلا بإشارتي.”
ثم التفت إلى إيمان.
“فين الشجرة؟”
رفعت يدها المرتجفة.
وأشارت نحو آخر الحديقة.
“هناك…”
كانت شجرة جميز ضخمة.
بدت أقدم من المنزل نفسه.
…
في اللحظة نفسها…
كانت سيارة أخرى تقف في الجهة المقابلة.
داخلها…
كان إبراهيم الدمنهوري وسهام.
قالت سهام وهي تنظر إلى البيت:
“أكيد وصلوا.”
ابتسم إبراهيم.
“سيبهم.”
نظرت إليه باستغراب.
“يعني إيه؟”
قال بثقة:
“يلاقوا الصندوق الأول.”
“وإحنا هناخده منهم.”
…
تسلل سليم وإيمان ويوسف بهدوء إلى داخل الحديقة.
كان المكان مهجورًا.
لكن آثار الأقدام الطازجة على الطين أكدت أن أحدًا دخل قبل ساعات.
همست إيمان:
“سهام كانت هنا.”
وصلوا إلى الشجرة.
مرر سليم يده على الجذع.
كان ضخمًا جدًا.
وفجأة…
شعرت إيمان بشيء.
اقتربت من الجذع.
ثم ضغطت على جزء بارز في الخشب.
صدر صوت خافت.
طَق.
نظر الجميع بدهشة.
بدأ جزء من الجذع يتحرك ببطء.
كان هناك باب خشبي صغير مخفي داخل الشجرة.
قال يوسف مذهولًا:
“معقول!”
فتح سليم الباب بحذر.
وجد داخله صندوقًا حديديًا صغيرًا.
مغطى بالغبار.
وفي أعلاه…
ثقب يناسب المفتاح النحاسي.
أخرجت إيمان المفتاح من جيبها.
كانت يدها ترتجف.
قال سليم:
“افتحيه.”
أدخلت المفتاح.
وأدارته ببطء.
صدر صوت قديم.
ثم انفتح الصندوق.
حبس الجميع أنفاسهم.
لكن…
لم يكن بداخله ذهب.
ولا أموال.
كان يحتوي على:
دفتر قديم.
ومجموعة أشرطة تسجيل.
ومظروف بني مغلق بالشمع الأحمر.
وفوق الجميع…
رسالة كتب عليها بخط والد إيمان:
“إلى ابنتي… أو إلى أي إنسان شريف يصل إلى هذا الصندوق.”
شعرت إيمان أن دموعها ستسقط.
فتح سليم الرسالة بحذر.
وبدأ يقرأ بصوت مسموع:
“إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة… فهذا يعني أنني لم أعد على قيد الحياة.”
“أنا لم أمت موتة طبيعية…”
“ولو حدث لي شيء… فالمسؤول الأول هو إبراهيم الدمنهوري.”
تبادل الجميع النظرات.
وأكمل القراءة:
“داخل هذا الصندوق تسجيلات تثبت كيف كان يبتز شركاءه، ويزور العقود، ويهدد كل من يعارضه.”
“لكن الأخطر…”
“أن معه أشخاصًا داخل جهات مختلفة يساعدونه على إخفاء جرائمه.”
توقف سليم فجأة.
كانت الصفحة التالية ممزقة.
نظر إلى بقية الأوراق.
وجد أن نصف الرسالة مفقود.
قال يوسف بقلق:
“مين مزقها؟”
وفي تلك اللحظة…
انطلقت رصاصة.
تحطمت نافذة المنزل القديم.
ثم دوى صوت رجل يصيح من خارج الحديقة:
“ارموا الصندوق على الأرض!”
“وإلا أول رصاصة هتكون في رأس البنت!”
التفت الجميع نحو مصدر الصوت.
كان إبراهيم الدمنهوري يقف خلف سور الحديقة…
وبجواره ثلاثة رجال مسلحين.
أما سهام…
فكانت تبتسم ابتسامة انتصار، وهي تنظر مباشرة إلى إيمان، وكأنها تقول:
“الهروب انتهى…”
يتبع…
الفصل الثامن
تجمدت إيمان في مكانها.
الصندوق بين يديها…
وصوت إبراهيم الدمنهوري يملأ الحديقة.
كانت أول مرة تراه فيها عن قرب.
رجل في أواخر الستينيات، شعره الأبيض مصفف بعناية، يرتدي بدلة فاخرة، ويقف بثقة رجل اعتاد أن يأمر فيُطاع.
أما سليم…
فلم يبدُ عليه أي ارتباك.
أغلق الصندوق بهدوء.
ثم قال لإيمان دون أن ينظر إليها:
“خليكي ورايا.”
تحركت خطوة إلى الخلف.
بينما وقف يوسف بجوار سليم.
ابتسم إبراهيم ابتسامة باردة.
وقال بصوت مرتفع:
“سليم الحديدي…”
“أخيرًا اتقابلنا.”
رد سليم بهدوء:
“كنت مستني اللحظة دي من سنين.”
ضحك إبراهيم.
“واضح إنك لسه بتجري ورا أوهام أختك.”
تغيرت ملامح سليم فورًا.
لكن صوته بقي ثابتًا.
“اسمها نور.”
“قول اسمها باحترام.”
هز إبراهيم كتفيه بلا مبالاة.
“الميت… ميت.”
في اللحظة نفسها…
اندفع أحد رجال الأمن خطوة للأمام.
لكن سليم رفع يده.
“مكانك.”
لم يكن يريد مواجهة مسلحة.
كانت إيمان تقف بينهم.
…
قال إبراهيم وهو يشير إلى الصندوق:
“هات اللي في إيدك.”
رد سليم:
“ليه؟”
ابتسم إبراهيم.
“علشان حاجات دي ملكي.”
سأل سليم:
“بأي حق؟”
ضحك إبراهيم بصوت عالٍ.
“بالحق اللي بيخلي الناس كلها تشتغل عندي.”
ثم أضاف وهو ينظر إلى إيمان:
“وأبوكي…”
“كان واحد منهم.”
صرخت إيمان لأول مرة:
“كداب!”
نظر إليها إبراهيم.
ثم قال ببرود:
“أبوكي خان الاتفاق.”
“ودفع الثمن.”
شعرت إيمان أن الأرض تميد تحت قدميها.
“إنت… إنت اللي قت*لته؟”
ابتسم.
لكنه لم يجب.
وكان صمته…
أخطر من أي اعتراف.
…
في تلك اللحظة…
رن هاتف سليم.
نظر إلى الشاشة.
كان العقيد.
رد بسرعة.
جاءه الصوت متوترًا.
“أستاذ سليم…”
“اسمعني كويس.”
“فؤاد هرب.”
اتسعت عينا يوسف.
“إزاي؟”
قال العقيد:
“العربية اللي كانت بتنقله اتعرضت لهجوم.”
“وفيه حد ساعده يهرب.”
أغلق سليم الهاتف.
ونظر إلى إبراهيم.
الذي ابتسم بثقة.
واضح أنه كان يعرف الخبر قبل أن يصله.
…
فجأة…
دوى صوت محرك سيارة قادم بسرعة.
التفت الجميع.
دخلت سيارة قديمة الحديقة، ووقفت بعنف بين الطرفين.
فتح الباب.
ونزل منها رجل عجوز.
كان شعره أبيض بالكامل.
وعكازه يهتز في يده.
ما إن رأته إيمان…
حتى شهقت.
“عم حسن!”
نظر إليها الرجل والدموع في عينيه.
“كبرتي يا بنتي…”
كان هو البستاني.
الرجل الذي اتصل بسليم.
نظر إبراهيم إليه، فتغير وجهه لأول مرة.
وقال بغضب:
“إنت!”
أجاب العم حسن بصوت ثابت:
“كنت فاكرني مت؟”
ارتبك إبراهيم.
أما سليم…
فأدرك أن القادم سيغير كل شيء.
…
اقترب العم حسن من إيمان.
ثم نظر إلى الصندوق.
وقال:
“افتحيه تاني.”
فتحته بسرعة.
مد يده إلى قاع الصندوق.
وضغط على قطعة خشب صغيرة لم ينتبه إليها أحد.
صدر صوت خفيف.
ثم ارتفع قاع الصندوق إلى أعلى.
ليظهر…
تجويف سري.
وفي داخله…
وحدة تخزين إلكترونية صغيرة، ودفتر أسود، ومفتاح آخر مختلف تمامًا.
قال يوسف مذهولًا:
“كان فيه قاع مزدوج!”
ابتسم العم حسن.
“أبوها كان ذكي.”
ثم نظر إلى سليم.
“كان عارف إن لو حد لقى الصندوق…”
“هياخد أول حاجة ويجري.”
“لكن الحقيقة…”
“كانت مستخبية تحت الحقيقة.”
…
تقدم إبراهيم خطوة وهو يصرخ:
“هات الفلاشة!”
لكن العم حسن قال بهدوء:
“متتعبش نفسك.”
“اللي عليها…”
“نسخة واحدة بس.”
نظر إليه إبراهيم بحدة.
“تقصد إيه؟”
ابتسم العم حسن.
وقال الجملة التي جعلت لون وجه إبراهيم يتبدل تمامًا:
“قبل ما أبو إيمان يموت…”
“سلمني نسخة تانية.”
“وسلّمتها لشخص أمين.”
سأل سليم بسرعة:
“مين؟”
رد العم حسن:
“قاضية…”
“كانت صاحبة والد إيمان في الجامعة.”
“وقالت لي…”
‘اليوم اللي يظهر فيه الصندوق… أبقى أطلع النسخة.'”
ساد صمت ثقيل.
أما إبراهيم…
فلأول مرة منذ سنوات، شعر بالخوف الحقيقي.
لأنه أدرك أن تدمير الصندوق…
لن يمحو الحقيقة بعد الآن.
يتبع…
الفصل التاسع
ساد صمت ثقيل في الحديقة.
حتى الرياح التي كانت تحرك أغصان شجرة الجميز بدت وكأنها توقفت.
كانت نظرات إبراهيم الدمنهوري معلقة على وحدة التخزين الصغيرة في يد العم حسن.
لم يعد ينظر إلى سليم…
ولا إلى رجال الأمن…
بل إلى تلك القطعة الصغيرة التي يمكن أن تهدم إمبراطورية بناها طوال ثلاثين عامًا.
قال بصوت منخفض:
“آخر مرة هطلبها باحترام…”
“هات الفلاشة.”
ابتسم العم حسن ابتسامة هادئة.
وقال:
“زمان كنت أخاف منك.”
“دلوقتي…”
“أنا راجل قرب يقابل ربنا.”
“ومبقتش أخاف غير من إني أموت قبل ما أقول الحق.”
اشتعل الغضب في عيني إبراهيم.
وأشار بيده إلى رجاله.
“هاتوه.”
وفي لحظة…
اندفع اثنان من رجاله نحو العم حسن.
لكن رجال أمن سليم كانوا أسرع.
وقع اشتباك بالأيدي وسط الحديقة.
كان سليم يصرخ:
“ابعدوا إيمان!”
أمسك يوسف بذراعها وأسرع بها نحو السيارة.
لكن قبل أن يصلا…
خرج فؤاد من خلف سور المنزل.
كان قد هرب بالفعل.
ولم يكن أحد يعلم أنه وصل إلى المكان.
أمسك بإيمان من ذراعها بعنف.
ووضع س*كينًا صغيرة عند رقبتها.
صرخت هناء التي كانت قد لحقت بهم:
“إيمان!”
توقف الجميع.
حتى رجال الأمن.
قال فؤاد وهو يلهث:
“ولا حد يتحرك.”
“ولا هق/تلها.”
تجمد سليم مكانه.
نظر إلى إيمان.
كانت تبكي بصمت.
لكنها لم تصرخ.
قال سليم بهدوء شديد:
“سيبها.”
ضحك فؤاد.
“مش قبل ما تديني الصندوق.”
رد سليم:
“خده.”
نظر إليه يوسف بدهشة.
لكن سليم أشار إليه أن يلتزم الصمت.
ألقى الصندوق على الأرض.
ثم دفعه بقدمه حتى اقترب من فؤاد.
انحنى فؤاد قليلًا ليمسكه…
وفي تلك اللحظة…
صاحت إيمان بكل قوتها:
“دلوقتي!”
كانت قد رأت ما لم يره أحد.
الأرض تحت قدم فؤاد كانت مبللة بالطين.
وبمجرد أن انحنى…
انزلقت قدمه.
اختل توازنه.
ابتعدت الس/كين عن رقبتها لثانية واحدة.
كانت الثانية التي احتاجها سليم.
انطلق كالسهم.
وأمسك بذراع فؤاد.
وسقط الاثنان أرضًا.
دار اشتباك عنيف.
حاول فؤاد الوصول إلى الس/كين.
لكن سليم أبعدها بقدمه.
وفي النهاية…
وصل رجال الأمن.
وثبتوا فؤاد بالأصفاد.
تنفست إيمان بصعوبة.
وارتمت على الأرض.
اقترب منها سليم.
وقال وهو يطمئنها:
“انتهى.”
لكنها هزت رأسها.
ونظرت إلى إبراهيم.
كان مكانه…
فارغًا.
صرخ يوسف:
“هرب!”
التفت الجميع.
كانت السيارة السوداء تنطلق بأقصى سرعة خارج البوابة.
ضرب سليم بيده على السيارة الغاضبة.
“كان بيستخدم فؤاد علشان يهرب.”
…
بعد ساعة…
عاد الجميع إلى القصر.
جلس العم حسن في الصالة وهو يبدو مرهقًا.
أحضرت له هناء كوبًا من الشاي.
قال سليم:
“عايز أعرف كل حاجة.”
تنهد العم حسن طويلًا.
ثم بدأ يتحدث.
“أبوك يا إيمان…”
ونظر إليها بعينين دامعتين.
“كان أشرف راجل عرفته.”
“اشتغل محاسب عند إبراهيم سنين طويلة.”
“وفي الأول…”
“كان فاكره رجل محترم.”
صمت قليلًا.
ثم أكمل.
“لحد ما اكتشف إنه بيغسل فلوس.”
“ويزور عقود.”
“ويستولي على شركات أصحابها.”
اتسعت عينا إيمان.
“بابا عرف؟”
أومأ.
“ولما عرف…”
“جمع الأدلة.”
“وسجل مكالمات.”
“وصور مستندات.”
“وكان ناوي يبلغ النيابة.”
سأل سليم:
“إيه اللي حصل بعد كده؟”
تنهد العم حسن.
“قبل ما يقدم البلاغ…”
“سهام عرفت.”
تجمدت إيمان.
“إزاي؟”
نظر إليها العم حسن بحزن.
“لأنها…”
“…ما كانتش ضحية زيه.”
“كانت شريكة.”
ساد الصمت.
قال العم حسن:
“هي اللي كانت بتنقل أخبار البيت لإبراهيم.”
“وهي اللي كانت تعرف كل خطوة أبوكي بيعملها.”
شعرت إيمان وكأن قلبها انقبض.
كل تلك السنوات…
كانت تعتقد أن سهام أصبحت قاسية بعد وفاة والدها.
لكن الحقيقة…
أنها كانت جزءًا من المؤامرة منذ البداية.
قال العم حسن:
“أبوك كان ناوي يهربك.”
“علشان كده سلمني المفتاح.”
“لكن…”
“مات قبل ما يقدر.”
سألت إيمان بصوت مكسور:
“يعني… بابا ما ماتش بحادث؟”
أطرق العم حسن رأسه.
ثم قال ببطء:
“العربية اللي قالوا إنها فقدت الفرامل…”
“أنا شفت واحد بيعبث بيها قبلها بساعات.”
ساد الصمت في القاعة.
أما سليم…
فأغلق قبضته بقوة.
وقال بصوت حاسم:
“من النهارده…”
“القضية دي مش مجرد انتقام.”
“دي قضي*ة قت*ل.”
وفي تلك اللحظة…
رن هاتف يوسف.
رد سريعًا.
ثم تغير لون وجهه.
نظر إلى سليم وقال:
“في خبر عاجل…”
“النيابة أصدرت أمرًا بضبط وإحضار إبراهيم الدمنهوري…”
ثم ابتلع ريقه وأكمل:
“…لكن قبل وصول الشرطة إلى قصره…”
“…اختفى من غير أي أثر.”
يتبع…