زوجتي العجوز حكـايـات أسمـا ×3
الفصل السادس: الرجل الذي دفنوه وهو حي
نظر المحامي إلى الصورة مرة أخرى.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال:
“دانيال… هناك شيء لم تخبرك به غلوريا أبدًا.”
قلت بارتباك:
“ما هو؟”
أشار إلى الرجل الواقف في الصورة خلف الطفل الرضيع.
لم أكن قد انتبهت إليه من قبل.
كان وجهه غير واضح، لكنه كان يضع يده على كتف غلوريا.
قال المحامي:
“هذا زوجها… إدوارد.”
تذكرت عشرات المرات التي سألت فيها غلوريا عن زوجها.
وكانت تبتسم فقط وتقول:
“رحل منذ زمن.”
قلت:
“إذن… لقد مات؟”
هز المحامي رأسه ببطء.
“لا.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
“لم يمت؟”
أجاب:
“بل اختفى.”
ساد الصمت.
ثم تابع:
“قبل خمسة وعشرين عامًا أعلنت العائلة أنه توفي في حادث قارب.”
“لكن غلوريا لم تصدق ذلك يومًا.”
نظر إلى الصناديق داخل الخزنة.
ثم فتح ملفًا صغيرًا كان أسفلها.
وجدنا بداخله تقريرًا من محقق خاص.
بدأ يقرأ:
“بعد عامين من البحث، لم أجد أي دليل على وقوع حادث القارب.”
“كما لم يُعثر على جثة.”
“هناك أدلة قوية تشير إلى أن إدوارد غيّر هويته واختفى عمدًا.”
قلت بدهشة:
“ولماذا يفعل ذلك؟”
أجاب المحامي:
“لأنه اكتشف أن أبناءه كانوا يختلسون أموال الشركة.”
وفي اللحظة نفسها…
دخل ضابط الشرطة إلى غرفة الخزائن.
قال باحترام:
“هل السيد دانيال موجود؟”
تقدمت نحوه.
ناولني بطاقة صغيرة.
وقال:
“وصلت هذه الرسالة صباح اليوم إلى مركز الشرطة.”
“ومكتوب عليها أن تُسلَّم لك فقط.”
فتحتها.
كانت تحتوي على سطر واحد فقط.
“إذا أردت معرفة الحقيقة كاملة… تعال وحدك إلى المنزل الزجاجي عند غروب الشمس.”
لا توقيع.
ولا عنوان.
لكن المحامي ما إن رأى الورقة…
حتى تغير لونه.
قلت:
“هل تعرف هذا المكان؟”
أجاب بصوت منخفض:
“نعم.”
“إنه المنزل الذي كانت غلوريا تعيش فيه قبل أن تختفي.”
سأل الضابط:
“هل نرافقه؟”
لكن المحامي هز رأسه.
“لا.”
“صاحب الرسالة لن يظهر إذا رأى الشرطة.”
ترددت.
ثم نظرت إلى صورة غلوريا التي ما زلت أحتفظ بها في جيبي.
همست:
“إذا كانت هذه آخر وصية غير مكتملة لها…”
“فسأذهب.”
وقبل أن نغادر البنك…
رن هاتف المحامي.
استمع لثوانٍ فقط.
ثم أغلق الخط ببطء.
نظرت إليه.
سألته:
“ماذا حدث؟”
قال بصوت مشدود:
“آدم… هرب أثناء نقله.”
ثم أضاف وهو ينظر إليّ مباشرة:
“ولم يهرب وحده…”
“هناك من ساعده.”
وفي أسفل الرسالة التي بين يدي، لاحظت لأول مرة عبارة صغيرة جدًا، بالكاد تُرى:
“لا تثق بأي شخص… حتى بالمحامي.”
الفصل السابع: الرسالة التي قلبت كل الموازين
ظللت أحدق في السطر الأخير من الرسالة.
“لا تثق بأي شخص… حتى بالمحامي.”
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
رفعت رأسي ببطء ونظرت إلى المحامي، الذي كان يقف على بعد خطوات يتحدث مع ضابط الشرطة.
هل كانت غلوريا تقصده فعلًا؟
أم أنها كانت تتوقع أن يشك الجميع في الجميع بعد وفاتها؟
أخفيت الرسالة في جيبي دون أن أخبر أحدًا بما قرأته.
قلت بهدوء:
“أحتاج لبعض الهواء.”
خرجت من البنك، لكنني شعرت بأن سيارة سوداء كانت تتحرك ببطء خلفي.
لم أتوقف.
انعطفت إلى شارع جانبي.
توقفت السيارة.
نزل منها رجل مسن، يرتدي قبعة رمادية ونظارة سوداء.
اقترب مني بخطوات ثابتة.
وقال بصوت منخفض:
“لا تذهب إلى المنزل الزجاجي وحدك.”
تراجعت خطوة.
“من أنت؟”
أجاب وهو ينظر حوله بحذر:
“كنت أعمل مع غلوريا منذ ثلاثين عامًا.”
“اسمي والتر.”
وقبل أن أسأله عن أي شيء، أخرج من جيبه مفتاحًا فضيًا صغيرًا.
كان مطابقًا تمامًا للمفتاح الذي وجدته داخل الظرف الأسود… إلا أنه يحمل الرقم 12.
قال:
“الخزنة التي فتحتموها لم تكن إلا البداية.”
عقدت حاجبي.
“ماذا تقصد؟”
تنهد وقال:
“غلوريا كانت تعلم أن أبناءها سيعثرون في النهاية على أثر الخزنة الأولى.”
“لذلك أخفت الحقيقة الكاملة في مكان آخر.”
ناولني ورقة مطوية.
كانت خريطة قديمة لبيت ريفي تحيط به الأشجار.
وأشار إلى نقطة مرسومة بقلم أحمر.
“هناك قبو.”
“وفي داخله الخزنة رقم 12.”
قلت بدهشة:
“ولماذا لم تخبر الشرطة؟”
ابتسم بأسى.
“لأن الشرطة نفسها كانت جزءًا من المشكلة قبل سنوات.”
شعرت أن الأرض تهتز تحت قدمي.
قبل أن أستوعب كلامه…
دوّى صوت إطلاق نار.
ارتطم الرصاص بواجهة السيارة السوداء.
أمسكني والتر من ذراعي وهو يصرخ:
“انبطح!”
ارتمينا خلف جدار إسمنتي.
سمعنا محرك سيارة ينطلق بسرعة.
ثم عم الصمت.
بعد ثوانٍ، نظرت إلى والتر.
وجدته يضغط بيده على كتفه.
كانت الدماء تتسرب بين أصابعه.
قال بصعوبة وهو يلهث:
“لقد وجدونا…”
أمسكت به.
“من هم؟”
نظر إليّ بعينين امتلأتا بالخوف لأول مرة.
ثم همس:
“ليس آدم…”
“الشخص الذي يقود كل هذا… هو الرجل الذي أعلنت الصحف وفاته منذ خمسة وعشرين عامًا.”
توقفت أنفاسي.
همست:
“إدوارد؟”
أغمض والتر عينيه ببطء.
ثم قال آخر كلماته قبل أن يفقد وعيه:
“لا…”
“إدوارد كان الضحية…”
“أما القاتل الحقيقي…”
“…فهو أقرب إليك مما تتخيل.”
الفصل الثامن: الاسم الذي لم أتوقعه
تجمدت في مكاني.
كانت كلمات والتر الأخيرة تدور في رأسي بلا توقف.
“القاتل الحقيقي… أقرب إليك مما تتخيل.”
وصلت سيارة الإسعاف بعد دقائق.
نقلوا والتر إلى المستشفى وهو بين الحياة والموت.
أما أنا…
فلم أخبر أحدًا بما قاله.
حتى المحامي.
كانت رسالة غلوريا لا تزال في جيبي:
“لا تثق بأي شخص… حتى بالمحامي.”
…
مع غروب الشمس…
قدت سيارتي إلى المنزل الزجاجي.
كان يقع وسط غابة صغيرة، بعيدًا عن الطريق الرئيسي.
النوافذ مغطاة بالغبار.
والحديقة تحولت إلى أعشاب يابسة.
أخرجت المفتاح الفضي.
لكن باب المنزل كان مفتوحًا أصلًا.
دخلت بحذر.
كل شيء بدا وكأنه تُرك على حاله منذ عشرات السنين.
ساعة الحائط متوقفة.
ستائر باهتة.
وصور عائلية مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار.
وفجأة…
سمعت صوت عصا تضرب الأرض.
التفت بسرعة.
كان رجل عجوز يجلس على كرسي هزاز في آخر الصالة.
ظهره نحوي.
قال بهدوء:
“تأخرت يا دانيال.”
تجمدت.
“من أنت؟”
استدار ببطء.
وحين رأيت وجهه…
عرفته من الصورة القديمة داخل الحقيبة.
همست:
“إدوارد…”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“نعم…”
“أنا زوج غلوريا.”
شعرت أن قلبي يكاد يقفز من صدري.
“لكن الجميع قال إنك مت!”
تنهد.
“هذا ما أرادوه.”
جلس يشير إلى الكرسي المقابل.
“اجلس… فليس لدينا وقت كثير.”
جلست دون أن أشعر.
قال وهو ينظر إلى النار المشتعلة في المدفأة:
“قبل خمسة وعشرين عامًا اكتشفت أن ابني آدم يعمل مع مجموعة من رجال الأعمال لغسل أموال الشركة.”
“وحين قررت إبلاغ الشرطة…”
صمت قليلًا.
“…حاولوا قتلي.”
قلت بسرعة:
“لكن كيف نجوت؟”
أجاب:
“غلوريا أنقذتني.”
“هي من رتبت اختفائي.”
“وجعلت الجميع يعتقد أنني مت.”
أخرج من جيبه ساعة يد قديمة.
وسلمني إياها.
قال:
“داخلها شريحة إلكترونية.”
فتحتها بحذر.
وجدت بطاقة ذاكرة صغيرة للغاية.
قال:
“فيها أسماء الجميع.”
“كل من شارك في سرقة الشركة.”
“وكل من حاول قتلنا.”
سألته:
“لماذا لم تسلمها للشرطة طوال هذه السنوات؟”
ابتسم بمرارة.
“لأن أحد المشاركين كان ضابطًا كبيرًا.”
“وأحدهم قاضيًا.”
“وثالثهم…”
توقف فجأة.
نظر مباشرة إلى الباب.
ثم همس:
“لقد وصلوا.”
في اللحظة نفسها…
تحطم الزجاج الأمامي للمنزل برصاصة.
ثم تلتها رصاصة ثانية.
صرخ إدوارد:
“اهرب من الباب الخلفي!”
لكن قبل أن أتحرك…
دخل ثلاثة رجال مسلحين.
كان يتقدمهم رجل أنيق في الستين من عمره.
ابتسم وهو ينظر إلى إدوارد.
وقال بسخرية:
“خمسة وعشرون عامًا من الاختباء…”
“وانتهت اللعبة أخيرًا.”
ثم التفت نحوي.
وابتسم ابتسامة باردة.
“أما أنت…”
“…فلم تكن زوج غلوريا صدفة.”
ارتبكت.
“ماذا تقصد؟”
نظر إلى إدوارد، ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء:
“أخبره الحقيقة…”
“أخبره لماذا اختارته غلوريا من بين ملايين البشر.”
ساد صمت ثقيل.
ثم نظر إليّ إدوارد وعيناه تمتلئان بالدموع.
وقال بصوت مرتجف:
“لأنك… حفيدي.”
الفصل التاسع: الحفيد الذي لم يكن يعلم
توقفت أنفاسي.
حدقت في إدوارد غير قادر على نطق كلمة واحدة.
ثم خرجت مني همسة بالكاد سُمعت:
“ماذا… قلت؟”
أطرق رأسه لحظة، ثم رفع عينيه نحوي.
“أنت حفيدي يا دانيال.”
هززت رأسي بعنف.
“هذا مستحيل.”
“أنا يتيم… تربيت في دار رعاية منذ كنت رضيعًا.”
أجاب بهدوء:
“ولهذا السبب لم تعرف الحقيقة.”
أخرج من جيبه صورة قديمة.
كانت لغلوريا وهي تحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيها.
الطفل نفسه الذي رأيته في الحقيبة.
ثم أخرج ورقة أخرى.
كانت نسخة من شهادة ميلاد.
الاسم الأول…
كان اسمي.
لكن خانة اسم الأب كانت فارغة.
أما خانة الأم…
فكانت تحمل اسمًا لم أره من قبل.
قال إدوارد بصوت متعب:
“والدتك كانت ابنتنا الصغرى… إليزابيث.”
شعرت بأن الأرض تميد بي.
“لكن… غلوريا قالت إنها لا تملك سوى آدم وفيكتوريا.”
أغمض عينيه.
“كانت تقول ذلك لتحميك.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“إليزابيث رفضت المشاركة في جرائم أخويها.”
“وحين اكتشفت اختلاس الأموال، قررت أن تُبلغ السلطات.”
“لكنهم سبقوها.”
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
“هل… قتلوها؟”
لم يجب.
واكتفى بخفض رأسه.
كانت الإجابة واضحة.
شعرت بدموعي تنهمر دون أن أشعر.
كل حياتي…
كنت أظن أنني طفل تخلى عنه والداه.
والحقيقة…
أن أمي ماتت وهي تحاول فعل الشيء الصحيح.
أما غلوريا…
فلم تتخلَّ عني يومًا.
قال إدوارد:
“في الليلة التي قُتلت فيها والدتك، أخذتك غلوريا وهربت بك.”
“لكن الرجال كانوا يطاردونها.”
“ولو احتفظت بك، لقتلوك معها.”
“لذلك تركتك أمام دار الرعاية، وهي تعرف أنك ستكون حيًا… حتى لو كرهتها يومًا.”
تذكرت البطانية القديمة التي كانت في الحقيبة.
وسوار الطفل.
والصورة.
كلها كانت تخصني أنا.
لهذا لم تسمح لأحد بلمس الحقيبة.
كانت تحمل آخر ما تبقى من ابنتها… وحفيدها.
وفجأة دوى صوت الرجل المسلح:
“انتهى وقت الذكريات.”
رفع سلاحه نحونا.
لكن قبل أن يضغط الزناد…
انطلقت صفارات الشرطة من الخارج.
تبادل الرجال النظرات في ارتباك.
صرخ أحدهم:
“لقد كشفوا مكاننا!”
اندفعوا نحو الباب الخلفي.
لكن قبل أن يهرب زعيمهم، التفت إليّ وقال بابتسامة مخيفة:
“حتى لو دخلنا السجن…”
“لن تعرف أبدًا من قتل أمك.”
ثم قفز من النافذة واختفى بين الأشجار.
وقفت الشرطة تقتحم المنزل بعد ثوانٍ.
ألقت القبض على اثنين من رجاله.
لكن الزعيم…
اختفى.
وبينما كان الضباط يؤمنون المكان، أمسك إدوارد بيدي بصعوبة.
كان وجهه شاحبًا، وأنفاسه متقطعة.
وقال:
“الاسم الحقيقي للرجل الذي هرب… موجود في بطاقة الذاكرة.”
“لكن لا تفتحها أمام أحد.”
ثم أشار إلى المحامي الذي كان قد وصل مع الشرطة.
ونظر في عيني مباشرة.
“الآن فقط…”
“أصبحت تعرف لماذا أوصتك غلوريا ألا تثق بأحد بسهولة.”
وفي تلك اللحظة، أدركت أن الحقيقة التي بحثت عنها طوال الأيام الماضية لم تكن قد اكتملت بعد…
بل كانت البداية فقط.
يتبع