رجع يفاجيء مراته حكايات أسما ×1

“رجع يفاجئ مراته الحامل… وهو طاير من الفرحه لكنه لقاها مرميه عالسرير بتنازع من الالم والوجع اللي امه سببته ليها”

أول حاجة لفتت انتباه عمر…كانت السكون.
بيته عمره ما كان هادي بالشكل ده.دايمًا كان بيسمع صوت التلفزيون، أو ضحكة مراته سلمى، أو صوت حماته وهي بتتكلم في الموبايل.لكن النهارده…مافيش أي صوت.
عمر كان راجع قبل معاده بيومين.كان عايز يفاجئ سلمى.
وفي عربيته سرير أطفال خشب، كان عامله بنفسه هدية للبيبي اللي فاضل شهرين وييجي.
كان متخيل فرحتها…لكن أول ما وصل…لقى أمه نادية فاتحة الباب قبله.
اتفاجئت أول ما شافته، وقالت بسرعة:إنت رجعت بدري ليه؟وبعدين ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:
سلمى نايمة فوق… سيبها ترتاح، الحمل تعبها أوي.
عمر ما ردش.طلع يجري على أوضة النوم.
فتح الباب بهدوء…ولقى سلمى نايمة تحت بطانية تقيلة، رغم إن الجو كان حر جدًا.وشها كان شاحب.
وشفايفها ناشفة.وإيدها ماسكة بطنها كأنها خايفة على طفلها.
قرب منها وهمس: سلمى… أنا رجعت.
فتحت عينيها بصعوبة.
لكن بدل ما تفرح…بصت ناحية باب الأوضة بخوف.
رفع البطانية عنها…وفي اللحظة دي…
حس إن الدنيا وقفت.رجليها كانوا مليانين كدمات زرقا.
وفي آثار حر وق صغيرة.وجرو ح قديمة ولسه جديدة.
وفي علامة غويطة حوالين كاحلها…
كأن حد كان را بطها بحبل. صوته اتكسر وهو بيسألها:
مين عمل فيكي كده؟نزلت دموعها…وقالت بصوت ضعيف:
ما تزعلش… أرجوك.
وبعدين همست: قالتلي لو اتكلمت… هتقول للناس إني حاولت أجهض البيبي بإيدي…إيد عمر اتقبضت من الغضب.
لكن مسك نفسه.ركع جنبها.وقال:
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبينالجزء الأول: البيت اللي كان ساكت زيادة عن اللزوم

ركع عمر جنب السرير، وحط إيده على خد سلمى بحذر، كأنه خايف لمسته توجعها.

كان جسمها بيرتعش، ونفسها طالع بالعافية.

قال لها بصوت حاول يخليه هادي:

— بصّيلي يا سلمى… أنا هنا. محدش هيقرب منك تاني.

سلمى فتحت عينيها نص فتحة، وبصت ناحية الباب بخوف.

— واطي صوتك… ممكن تسمعك.

عمر حس إن الجملة دخلت صدره زي الس*كينة.

رفع راسه ناحية الباب، وبعدين رجع بصلها.

— مين اللي تسمعني؟

سلمى ما ردتش.

ضغطت على بطنها بإيديها، ووشها اتشد من الألم.

فجأة شهقت وقالت:

— عمر… البيبي… أنا مش حاسة بحركته من الصبح.

في اللحظة دي، عمر نسي غضبه كله.

طلع موبايله بسرعة واتصل بالإسعاف.

أمه نادية دخلت الأوضة أول ما سمعت صوته.

وقفت عند الباب وقالت بعصبية:

— إسعاف إيه؟ البنت بتدلع من ساعة ما حملت! كل شوية بطنها وجعاها وعايزة دكتور!

عمر رفع عينه لها.

نادية عمرها ما شافت ابنها بيبص لها بالشكل ده.

كان ساكت، لكن عينه مليانة غضب خلى جسمها يتوتر.

قال لها:

— اطلعي بره.

نادية فتحت بقها مصدومة.

— إنت بتطرد أمك؟

— قلت اطلعي بره الأوضة.

— أنا اللي شايلة البيت ده فوق دماغي من ساعة ما سافرت! وهي كل يوم تمثل عليك وتشتكي!

عمر وقف ببطء.

كان أطول منها بكتير، وملامحه اتحولت.

— آخر مرة هقولها… اطلعي بره.

نادية بصت لسلمى باحتقار، وقالت:

— ماشي يا عمر… بس لما تعرف الحقيقة، ما تجيش تلومني.

وخرجت وهي بتخبط الباب وراها.

عمر رجع لسلمى، وبدأ يلبسها عبايتها فوق هدومها، لكنه لاحظ إن دراعها عليه علامات حمرا، كأن حد كان ماسكه بعنف.

قال وهو بيحاول يسيطر على صوته:

— هي اللي عملت ده؟

سلمى بدأت تعيط.

— أنا كنت فاكرة إنها بس مش بتحبني… لكن من أول ما عرفت إن البيبي ولد، اتغيرت خالص.

عمر اتجمد.

— إيه علاقة إن البيبي ولد؟

سلمى بصت له، لكن قبل ما تتكلم، جرس الباب رن.

الإسعاف وصل.

المسعفين طلعوا بسرعة، وأول ما شافوا حالة سلمى، واحد منهم بص لعمر بجدية وقال:

— لازم تنزل المستشفى فورًا. ضغطها واطي جدًا، وفي علامات إصابات واضحة.

حطوها على النقالة.

وهي خارجة من الأوضة، مدت إيدها ناحية عمر.

مسك إيدها ومشي جنبها.

لكن لما وصلوا عند السلم، نادية وقفت قدامهم.

قالت للمسعف:

— استنى يا ابني، هي وقعت لوحدها وهي بتنضف. ما تكبروش الموضوع.

المسعف بص للكدمات اللي على رجل سلمى، وبعدين بصلها باستغراب.

— حضرتك مين؟

— أنا حماتها.

— وإحنا ما سألناش الإصابات حصلت إزاي. حضرتك ليه مستعجلة تشرحي؟

وش نادية اتغير لحظة، لكنها تماسكت.

— علشان ابني عصبي، وممكن يفهم غلط.

عمر قرب منها وقال:

— أنا فعلًا فهمت غلط سنين طويلة.

وبعدين نزل مع الإسعاف من غير ما يبصلها تاني.

طول الطريق للمستشفى، كان عمر ماسك إيد سلمى.

صوت جهاز الضغط كان بيتكرر، والمسعف بيسألها أسئلة وهي تجاوب بصعوبة.

— اسمك كامل؟

— سلمى محمود عبدالسلام.

— في الشهر الكام؟

— السابع.

— آخر مرة حسيتِ فيها بحركة الجنين إمتى؟

— امبارح بالليل… كانت حركة ضعيفة.

عمر حس قلبه بيقع.

قال لها:

— ليه ما كلمتنيش؟

سلمى غمضت عينها.

— موبايلّي كانت بتاخده بالليل… وتديني إياه الصبح.

— مين؟

لكنها ما ردتش.

المسعف بص لعمر وقال:

— نخلي الأسئلة للمستشفى. المهم دلوقتي حالتها تستقر.

وصلوا الطوارئ.

الدكاترة أخدوا سلمى بسرعة، ومنعوا عمر يدخل معاها.

فضل واقف قدام الباب، هدومه عليها تراب السفر، وإيده لسه شايلة ريحة الخشب من سرير الطفل اللي صنعه.

من ساعات بس، كان راجع وهو متخيل إنه هيدخل البيت ويلاقي سلمى بتضحك.

كان متخيل يحط إيده على بطنها ويحس ابنه بيتحرك.

دلوقتي واقف مش عارف هل ابنه عايش ولا لأ.

بعد حوالي نص ساعة، خرجت دكتورة شابة وقالت:

— حضرتك زوج المريضة؟

— أيوه. هي عاملة إيه؟ والطفل؟

الدكتورة بصت له بجدية.

— الجنين نبضه موجود، لكن ضعيف. عندها جفاف شديد، ونقص تغذية، وضغط منخفض، وفي انقباضات مبكرة. كمان في إصابات متفرقة في الجسم.

عمر حس رجله ما عادتش شايلة.

— إصابات بسبب إيه؟

— ده مش اختصاصي أحدد. لكن بعض العلامات مش شكلها ناتج عن وقعة واحدة.

سكتت لحظة، وبعدين قالت:

— فيه آثار حروق سطحية، وكدمات بمراحل مختلفة. يعني حصلت في أيام مختلفة، مش كلها النهارده.

عمر بلع ريقه.

— ممكن البيبي يروح؟

— هنعمل كل اللي نقدر عليه. بس لازم نعرف هل اتعرضت لضرب مباشر على البطن.

رفع عينه لها بسرعة.

— هي قالت حاجة؟

— لسه حالتها مش سامحة بالكلام الطويل. لكن لازم حضرتك تكون هادي لما تدخل لها.

عمر دخل العناية المؤقتة.

لقى سلمى متوصلة بمحاليل وأجهزة، وعينيها مفتوحة.

قرب منها وقعد.

— الدكتورة قالت البيبي عايش.

دموعها نزلت.

— الحمد لله.

— سلمى… أنا محتاج أعرف كل حاجة.

بصت له بخوف.

— لو قلت لك، هتصدقني؟

— حتى لو قلتي إن البيت كله كان كابوس، هصدقك.

سلمى سكتت ثواني.

وبعدين قالت:

— من أول أسبوع بعد ما سافرت، والدتك كانت بتدخل أوضتنا من غير ما تخبط. كانت بتفتش دولابي، وتشوف رسايلي، وتسألني بتكلم مين.

عمر اتنفس ببطء.

— وليه ما قلتيش؟

— قلت لك مرة إننا مش مرتاحين مع بعض. إنت قلت لي: “استحمليها دي أمي، وهي بتحبك بس طريقتها صعبة.”

الجملة خبطته.

افتكر المكالمة.

كان واقف وقتها في موقع الشغل وسط دوشة العمال، وسلمى قالت له إن أمه بتعاملها بقسوة.

وهو ضحك وقال لها إنها حساسة زيادة.

قال بصوت مكسور:

— كملي.

سلمى مسحت دموعها بطرف صباعها.

— في الأول كانت بتمنعني أنزل لوحدي. تقول إن الحوامل ممكن يغمى عليهم. بعدين خدت مفتاح الشقة وقالت إن ده علشان أمان البيت.

— يعني كانت بتقفلك؟

— أيوه.

عمر شد على الكرسي بإيده.

— والأكل؟

— كانت تقول لي الدكتور قال ما أكلش حاجات معينة. كل يوم كانت تقلل الأكل. ساعات تسيب لي عيش وجبنة بس. ولو طلبت حاجة تقول لي الحمل مش مرض، وإن أيامها كانت بتخدم بيت كامل وهي حامل.

عمر افتكر وش سلمى الشاحب.

— والحروق؟

سلمى بصت ناحية السقف.

— أول مرة كانت لما سخنت لي المعلقة على البوتاجاز وحطتها على رجلي.

عمر قام واقف فجأة.

الجهاز جنب سلمى بدأ يطلع صوت أسرع.

الدكتورة دخلت وقالت له:

— لازم تهدى.

رجع قعد بسرعة.

مسك إيد سلمى وقال:

— آسف… كملي براحتك.

قالت:

— كانت عايزاني أقول لك إني عايزة أسيب البيت. كل يوم تقولي: “ابني اتغير من ساعة ما عرفك. لو بتحبيه، ابعدي عنه.”

— وإنتِ قلتي لها إيه؟

— قلت لها عمر جوزي وأبو ابني، ومستحيل أسيبه.

شهقت وهي بتفتكر.

— ساعتها ضربتني بالقلم، وقالت لي إن البيبي ده مش هيشوف الدنيا.

عمر حس الدم غلى في جسمه، لكنه فضل ساكت.

— والربط؟

سلمى غمضت عينيها.

— من تلات أيام حاولت أخرج لما كانت نايمة. كنت عايزة أروح عند جارتي وأكلمك من موبايلها. لكنها صحيت ولحقتني عند الباب.

— عملت إيه؟

— شدتني من شعري، وخدتني المخزن اللي فوق السطح. ربطت رجلي بحبل في ماسورة، وسابتني ساعتين.

عمر حط إيده على بقه.

مش قادر يتخيل أمه، الست اللي ربته، تعمل ده.

لكن العلامة كانت قدامه.

سلمى كملت:

— بعدها قالت لي لو حكيت لك، هتقول إني وقعت وأنا بحاول أهرب علشان أقابل واحد. وقالت إن عندها رسائل تثبت كده.

— رسائل إيه؟

— ما أعرفش. كانت بتاخد موبايلي. يمكن بعتت من عليه.

عمر طلع موبايله وفتح محادثته مع سلمى.

بدأ يراجع الرسايل.

فعلًا، خلال الأسبوعين اللي فاتوا، كانت رسايلها قصيرة وغريبة.

“أنا كويسة.”

“ما تتصلش كتير، الشبكة وحشة.”

“خليك في شغلك.”

كان فاكر إنها زعلانة منه.

لكن دلوقتي فهم.

رفع عينه وقال:

— الصوت اللي كنت بسمعه وراكي في المكالمات… كان صوت أمي؟

سلمى هزت راسها.

— كانت بتقف جنبي.

— وليه حماتك ما جاتش؟

سلمى اتفاجئت.

— ماما؟

— أيوه، إنت قلتِ في أول القصة إن صوت حماتك كان موجود في البيت أحيانًا.

سلمى خدت نفس طويل.

— ماما ما جتش من أسبوعين. والدتك قالت لها إنك طلبت منها ما تزورنيش علشان أنا تعبانة.

عمر فتح عينه بصدمة.

أمه كانت بتعزل سلمى عن الكل.

خرج من الأوضة واتصل بحماته، أم سلمى.

ردت من أول رنة.

— عمر؟ سلمى كويسة؟ أنا بقالي يومين بكلمها وموبايلها مقفول.

— إحنا في المستشفى.

صرخت الست:

— مستشفى إيه؟ حصل لها إيه؟

عمر سكت لحظة.

ما عرفش يقول الحقيقة.

— تعالي بسرعة.

بعد أقل من ساعة، وصلت أم سلمى وهي بتجري في الممر، ومعاها أخو سلمى، محمود.

أول ما شافت بنتها، صوتها اتقطع.

— يا ضنايا… مين عمل فيكي كده؟

سلمى عيطت ومدت إيدها لأمها.

محمود خرج من الأوضة وواجه عمر.

— إيه اللي حصل لأختي؟

عمر بص في الأرض.

— أمي.

محمود مسكه من ياقة قميصه.

— وإنت كنت فين؟

عمر ما قاومش.

قال له:

— كنت غايب… وكنت أعمى.

محمود رفع إيده كأنه هيضربه، لكن أمه خرجت وقالت:

— سيبه يا محمود. دلوقتي بنتنا محتاجانا.

ساب محمود هدومه وقال:

— لو أختي أو ابنها جرالهم حاجة، مش هسامح حد.

عمر قال:

— ولا أنا.

في الوقت ده، وصل ضابط شرطة ومعاه أمينة شرطة.

الدكتورة كانت بلغت عن الاشتباه في اعتداء منزلي.

الضابط طلب يتكلم مع عمر.

— حضرتك الزوج؟

— أيوه.

— المريضة قالت إن والدة حضرتك هي اللي اعتدت عليها. الكلام ده صحيح؟

عمر بص ناحية باب الأوضة.

— أنا شفت الإصابات، وسمعت كلام مراتي. أيوه، أنا مصدقها.

— والدتك موجودة فين؟

— في البيت.

— في كاميرات في العمارة أو الشارع؟

عمر افتكر كاميرا صغيرة كان مركبها فوق باب البيت قبل سفره.

قال:

— في كاميرا عند الباب.

— بتسجل؟

— المفروض.

الضابط كتب المعلومة.

— محتاجين نحافظ على التسجيلات قبل ما تتمسح.

عمر طلع موبايله وفتح تطبيق الكاميرا.

لكن التطبيق طلب منه كلمة سر.

جرب كلمة السر القديمة.

خطأ.

جرب مرة تانية.

خطأ.

قال بصوت منخفض:

— الباسورد اتغير.

الضابط سأله:

— مين عنده صلاحية على الجهاز غيرك؟

عمر رفع عينه.

— أمي.

في اللحظة نفسها، موبايله رن.

كانت نادية.

الكل بص له.

رد وفتح مكبر الصوت.

— أيوه.

صوت أمه جه هادي بشكل غريب:

— عمر، تعالى البيت نتكلم قبل ما تضيع مستقبلك بإيدك.

— مستقبلي؟

— مراتك بتلفق لي مصيبة. وأنا عندي دليل إنها مش محترمة، وإن الحمل ده أصلًا…

عمر قاطعها:

— كملي.

سكتت لحظة.

— تعالى بس، وأنا أفهمك.

— قولي دلوقتي.

— مش في التليفون.

— أمي… إنتِ ضربتي سلمى؟

جاء الصمت.

وبعدين قالت:

— أنا كنت بأدبها.

أم سلمى شهقت.

الضابط رفع إيده يطلب من الكل يسكت.

عمر قال:

— بتأدبيها بالحرق والربط؟

نادية بدأت تتوتر.

— هي اللي استفزتني. وبعدين ما حصلش كل اللي بتقوله. دي كدابة، وهتخرب بيتك.

— ليه أخدتِ موبايلها؟

— علشان كانت بتكلم حد.

— مين؟

— واحد.

— اسمه إيه؟

— مش لازم تعرف دلوقتي.

عمر قال ببطء:

— الكاميرا عند باب البيت… إنتِ غيرتي كلمة السر بتاعتها ليه؟

المكالمة اتقفلت فجأة.

الضابط بص له وقال:

— إحنا لازم نتحرك حالًا.

عمر طلب يروح معاهم.

في البداية الضابط رفض، لكن عمر قال إن جهاز التسجيل في مكتب داخل البيت، وهو الوحيد اللي يعرف مكانه.

بعد ما اطمأن إن أم سلمى ومحمود جنب سلمى، خرج مع الشرطة.

لما وصلوا العمارة، لقوا باب الشقة مفتوح.

دخلوا بحذر.

البيت كان هادي.

نفس الهدوء اللي استقبل عمر الصبح.

نادى:

— يا أمي!

مفيش رد.

دخل أوضة الصالون.

لقي الدولاب مفتوح، وهدوم أمه مش موجودة.

قال الضابط:

— شكلها مشيت.

عمر جري على المكتب اللي فيه جهاز الكاميرات.

لقى الدرج مكسور.

جهاز التسجيل اختفى.

لكن في الأرض، كان فيه كارت ذاكرة صغير واقع تحت المكتب.

انحنى عمر وخده.

— ده ممكن يكون نسخة احتياطية.

الضابط حطه في كيس أدلة.

في اللحظة دي، سمعوا صوت خبط خفيف جاي من المطبخ.

الضابط أشار لهم يسكتوا.

قربوا ببطء.

فتح الباب.

لقوا خادمة كانت بتشتغل عند نادية قاعدة على الأرض، وإيديها مربوطة قدامها.

كانت اسمها أمينة، ست في الخمسينات، بتيجي مرتين في الأسبوع تساعد في التنضيف.

أول ما شافتهم، بدأت تعيط.

فكوها بسرعة.

سألها الضابط:

— مين عمل فيكي كده؟

قالت وهي بتنهج:

— مدام نادية.

عمر اتصدم.

— ليه؟

أمينة بصت له بخوف.

— علشان أنا شفتها وهي بتحط دوا في عصير مدام سلمى.

عمر حس الأرض اتحركت تحته.

— دوا إيه؟

— ما أعرفش. علبة صغيرة من غير اسم. وأنا سألتها، قالت لي فيتامينات. لكن مدام سلمى بعد ما شربت العصير وقعت، وفضلت بطنها توجعها.

الضابط سألها:

— ده حصل إمتى؟

— امبارح.

— وليه ما بلغتيش؟

أمينة عيطت.

— خوفت. مدام نادية هددتني. قالت إنها هتتهم ابني بالسرقة. أنا جيت النهارده آخد حاجتي وأمشي، لكنها قفلت عليّا وربطتني لما عرفت إن ابنها رجع.

عمر حط إيده على الحيطة علشان ما يقعش.

الطفل ما كانش بس في خطر بسبب الضرب.

أمه يمكن كانت بتحاول تقتله.

الشرطة فتشت المطبخ.

لقوا في صندوق القمامة شريط أقراص فاضي، وزجاجة صغيرة من غير ملصق.

الضابط حجزهم للتحليل.

بعدها دخلوا أوضة نادية.

كانت مرتبة زيادة عن اللزوم.

لكن خلف الدولاب، لقوا حقيبة صغيرة.

جواها موبايل سلمى، وسلسلة دهب بتاعتها، وبطاقة الرقم القومي، ومبلغ كبير من الفلوس.

ولقوا كمان أوراق مطبوعة.

عمر مسك واحدة منها.

كانت نتائج تحاليل حمل باسم سلمى، لكن التاريخ قديم.

وفي ورقة تانية، كان فيه تقرير طبي بيقول إن سلمى فقدت حملًا سابقًا بسبب “إهمال متعمد في تناول العلاج”.

قال عمر:

— ده مزور. سلمى عمرها ما حملت قبل كده.

الضابط قلب الأوراق.

— واضح إن حد كان بيجهز قصة كاملة ضدها.

في أسفل الحقيبة، لقوا ظرف بني مقفول.

الضابط فتحه بحذر.

جواه صور مطبوعة لسلمى وهي واقفة مع رجل قدام عيادة.

عمر بص للصورة.

الرجل كان حاطط إيده على كتفها.

لثواني، الشك دخل قلبه.

لكن بعد ما ركز، عرف الرجل.

قال:

— ده محمود أخوها.

الصور كانت مقصوصة من زاوية تخليه يبان كأنه شخص غريب.

كان واضح إن نادية كانت ناوية تقنعه إن سلمى بتخونه.

الضابط قال:

— والدتك كانت بتحضر لأكتر من اتهام.

في الوقت ده، موبايل الضابط رن.

رد، وبعد ثواني، بص لعمر.

— المستشفى اتصلت.

قلب عمر وقف.

— سلمى؟

— حصل تدهور مفاجئ في حالة الجنين. لازم نرجع.

خرج عمر يجري، وركب العربية مع الشرطة.

طول الطريق كان بيكرر:

— يا رب… يا رب ما تاخدهمش مني.

لما وصل المستشفى، لقى أم سلمى واقفة بتعيط.

محمود كان بيتمشى قدام باب العمليات.

عمر جري عليه.

— حصل إيه؟

محمود قال:

— الدكاترة قالوا لازم ولادة طارئة. نبض الجنين نزل فجأة.

عمر بص لباب العمليات، وحس إن الدنيا كلها اتحشرت خلف الباب ده.

بعد ساعة كاملة، خرج الطبيب.

كان وشه متعب.

قربوا منه كلهم.

قال:

— الأم حالتها مستقرة حاليًا، لكن فقدت دم كتير.

عمر سأله:

— والطفل؟

الطبيب سكت لحظات.

ثم قال:

— الطفل اتولد، لكنه ضعيف جدًا، ودخل الحضانة على جهاز تنفس.

أم سلمى قالت:

— يعني عايش؟

— أيوه، عايش. لكن أول أربع وعشرين ساعة مهمة جدًا.

عمر سجد على الأرض من غير ما يحس.

عيط لأول مرة من سنين.

بعد وقت، سمحوا له يشوف سلمى.

دخل لقاها نايمة، ووشها أبيض.

قعد جنبها، وبعد دقائق فتحت عينيها.

أول كلمة قالتها:

— ابني؟

مسك إيدها وقال:

— عايش… في الحضانة. صغير بس قوي زيك.

دموعها نزلت.

— شوفته؟

— لسه.

— سميه يوسف… زي ما اتفقنا.

ابتسم عمر وسط دموعه.

— يوسف.

سكتت، ثم سألته:

— والدتك فين؟

ملامحه اتغيرت.

— هربت.

سلمى بصت له بخوف.

— هي مش هتهرب لوحدها.

— قصدك إيه؟

— فيه حد كان بيساعدها.

عمر قرب منها.

— مين؟

سلمى حاولت ترفع نفسها، لكن الألم منعها.

قالت بصوت ضعيف:

— كل يوم بالليل… كنت بسمعها بتكلم راجل. كانت تقوله: “قربنا نخلص… أول ما البيبي ينزل، عمر هيرجع لي.”

عمر اتجمد.

— هيرجع لها إزاي؟ دي أمي.

سلمى هزت راسها.

— ما كانتش تقصد نفسها.

قبل ما يكمل سؤال، دخلت الممرضة وقالت إن سلمى محتاجة ترتاح.

خرج عمر وهو مش فاهم.

مين الست اللي أمه كانت عايزاه يرجع لها؟

وقف في الممر، وفجأة افتكر حاجة.

قبل جوازه من سلمى بسنة، كان مخطوب لبنت اسمها رنا.

الخطوبة اتفسخت بسبب مشاكل كتير.

نادية كانت بتحبها جدًا، وكانت رافضة جوازه من سلمى من أول يوم.

طلع موبايله، وفتح حساب رنا.

آخر منشور عندها كان صورة من داخل عربية، وتحتها جملة:

“أحيانًا الحياة بترجع لك اللي اتاخد منك.”

الصورة كانت منشورة من ساعات.

وفي انعكاس زجاج العربية، ظهر جزء من وش نادية.

رفع عمر عينه بصدمة.

أمه ما هربتش لوحدها.

كانت مع رنا.

وفي اللحظة دي، وصله تسجيل صوتي من رقم مجهول.

فتح التسجيل.

سمع صوت أمه بتقول:

— ما تقلقيش يا رنا… سلمى مش هتخرج من المستشفى بسهولة. ولما عمر يعرف إن الطفل مش ابنه، هيرجع لك غصب عنه.

وبعدين جاء صوت رنا:

— وإنتِ متأكدة إن التقارير المزورة هتعدّي؟

ردت نادية:

— الدكتور اللي كتبها مديون لي. وكل حاجة مترتبة.

انتهى التسجيل.

وعمر واقف في الممر، إيده بتترعش.

رفع عينه ناحية أوضة سلمى، ثم ناحية الحضانة اللي فيها ابنه بيحارب علشان يعيش.

وقال لنفسه:

— أنا مش هسيبهم يهربوا… ولا هسيب أي حد شارك في اللي حصل يفلت.

لكن قبل ما يتحرك، ظهر إشعار جديد على موبايله.

صورة لسرير الطفل الخشبي اللي كان في عربيته.

كان مولع فيه نار.

وتحت الصورة رسالة واحدة:

“ابعد عن الموضوع… وإلا المرة الجاية النار هتوصل للحضانة.”

نهاية الجزء الأول
تابع التاني حكايات أسما السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *