حفله ملوكي حكـايـات أسمـا السـيد ×1
“عزمني طليقي على حفلة العيلة بعد 8 سنين علشان يحرجني قدام الكل ويقول: دي مراتي السابقة اللي ما خلفتش… لكنه اتجمد مكانه أول ما دخل أربعة أطفال شبهه بالظبط.”
الجزء الأول
بعد طلاقنا بتماني سنين…
رن تليفوني.
لقيته هو.
كريم.
طليقي.
استغربت جدًا.
رديت.
قال ببرود:
— العيلة كلها هتتجمع الجمعة… ياريت تيجي.
سألته باستغراب:
— بعد كل السنين دي؟
ضحك وقال:
— في الآخر كنا عشرة عمر… وتعالي اقضي اليوم معانا.
قفلت المكالمة…
وأول إحساس جالي…
إن ورا الدعوة دي حاجة.
كريم…
سابني وأنا حامل.
ولما عرف إني حامل…
رفض يصدق.
وقال قدام أهله:
— دي بتحاول تربطني بالعيال.
وطلقني.
وسافر.
واختفى.
ولا سأل يوم…
عن اللي حصل بعده.
تماني سنين…
وأنا بربي ولادي لوحدي.
أشتغل بالنهار.
وأذاكر لهم بالليل.
وأحارب الدنيا كلها…
علشان يكبروا.
ولما جه يوم الحفلة…
ما روحتش لوحدي.
وصلت بعربية كبيرة.
ونزلت الأول.
وبعدها…
نزل آدم.
وبعدين عمر.
وبعدين ليان.
وآخر واحدة…
ملك.
أربع أطفال…
عندهم تمن سنين.
ولبسين هدوم شبه بعض.
وأول ما وقفوا جنبي…
أي حد يشوفهم…
يعرف على طول…
إن ملامحهم…
نسخة من كريم.
باب الفيلا اتفتح.
حماتي السابقة خرجت.
أول ما شافت الأطفال…
الكوباية وقعت من إيدها.
واتكسرت على الأرض.
فضلت تبص لهم…
وبعدين بصتلي.
وقالت بصوت مخنوق:
— دول… مين؟
ابتسمت بهدوء.
ومسكت إيد ملك.
ودخلت.
كل الضحك…
اختفى.
كل العيون…
بقت علينا.
ولقيت كريم واقف في نص القاعة.
لابس بدلة شيك.
وجنبه بنت جميلة.
وكان ماسك علبة خاتم.
واضح…
إنه كان هيطلب إيدها قدام العيلة كلها.
لكن…
أول ما شاف الأطفال…
وشه اصفر.
وعينيه فضلت تلف عليهم واحد واحد.
آدم.
عمر.
ليان.
ملك.
كأنه بيبص لنفسه…
وهو صغير.
البنت اللي كانت واقفة جنبه…
سألته وهي مستغربة:
— مين الأطفال دول يا كريم؟
لكن…
هو ما عرفش يرد.
قربت منه.
وقلت بمنتهى الهدوء:
— كل سنة وإنت طيب.
وبعدين حطيت إيدي على كتف ملك.
وبصيت في عينه.
وقلت:
— جبتلك أولادك… اللي عمرك ما عرفت إنهم موجودين.
علبة الخاتم…
وقعت من إيده.
والقاعة…
بقت ساكتة تمامًا.
وفي اللحظة دي…
رفع آدم عينه.
بص لكريم.
وسأله ببراءة…
السؤال الوحيد…
اللي خلّى كل الموجودين يثبتوا في أماكنهم:
— حضرتك… هو إنت بابا بجد؟… ولو إنت بابا… ليه سيبتنا طول السنين دي؟لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الجزء الثاني
السؤال خرج من فم آدم بهدوء…
لكن وقعه…
كان أشد من أي صرخة.
— حضرتك… هو إنت بابا بجد؟ ولو إنت بابا… ليه سيبتنا طول السنين دي؟
ولا نفس واحد…
اتسمع في القاعة.
حتى الموسيقى…
كانت لسه شغالة في الخلفية…
لكن محدش بقى سامعها.
كريم فضل واقف…
وشه شاحب.
وعينيه معلقة في وش آدم.
وبعدين بص على عمر…
ثم ليان…
ثم ملك.
أربع نسخ صغيرة…
من ملامحه.
نفس لون العين.
نفس الابتسامة.
حتى الطريقة اللي كانوا واقفين بيها…
شبهه.
البنت اللي كانت واقفة جنبه…
سحبت إيده برفق.
وقالت باستغراب:
— كريم… حد يفهمني إيه اللي بيحصل؟
ما ردش.
حماته السابقة قربت بخطوات مرتعشة.
وقالت:
— يعني… يعني دول ولادك؟
بصيت لها بهدوء.
وقلت:
— أيوه.
سكتت لحظة…
وأخرجت من شنطتي ملفًا صغيرًا.
فتحته.
وأخرجت أربع شهادات ميلاد.
وحطيتهم قدامها.
وقالت وأنا ثابتة:
— اتولدوا بعد ما سافرت بشهرين تقريبًا… وكل واحد فيهم مسجل باسم أبوه… كريم محمود السيوفي.
إيدها بدأت ترتعش.
وقعدت على أقرب كرسي.
وهي بتردد:
— يا نهار أبيض…
كل ده حصل…
وإحنا ما عرفناش؟
بصيت ناحية كريم.
وقلت:
— تعرف ليه؟
لأنك يومها…
رفضت تسمعني.
رفضت حتى تيجي المستشفى.
رفضت تشوف الأشعة.
وقلت قدام الناس كلها:
“أنا مش هيتضحك عليا.”
وبعدين طلقتني…
وسافرت.
ملك شدت طرف فستاني.
وقالت بصوت منخفض:
— ماما… هو هيزعل مننا؟
نزلت لمستواها.
ومسحت على شعرها.
وقلت بابتسامة:
— لأ يا حبيبتي… محدش يزعل من الأطفال.
لكن اللي حواليهم…
بدأوا يهمسوا.
— معقول؟
— أربعة توائم؟
— وهو عمره ما عرف؟
— إزاي؟
البنت اللي كانت مع كريم…
رجعت خطوة لورا.
وبصت له.
وقالت بصدمة:
— إنت قلتلي إنك ما خلفتش قبل كده.
رفع رأسه أخيرًا.
وصوته خرج مبحوحًا:
— أنا… أنا فعلًا كنت فاكر كده.
رديت عليه بسرعة:
— لا…
إنت اخترت تصدق اللي يريحك.
لأن الحقيقة…
كانت محتاجة شجاعة.
وأنت وقتها…
هربت.
فضل ساكت.
لأول مرة…
كريم…
ما لقاش كلمة يدافع بيها عن نفسه.
وفجأة…
عمر قرب منه.
ومد له عربية لعبة صغيرة كانت في جيبه.
وقال بابتسامة بريئة:
— دي عربيتي المفضلة… تحب تشوفها؟
كريم أخدها…
وإيده كانت بترتعش.
وبدون ما يحس…
بدأت دموعه تنزل.
حماته السابقة انفجرت في البكاء.
وضربت كف بكف.
وقالت:
— يا خسارة…
حرمتونا من أحفادنا كل السنين دي.
لفيت لها بهدوء.
وقلت:
— محدش حرمكم.
أنا غيرت رقم تليفوني مرة واحدة بس…
لكن عنواني…
ما اتغيرش.
وشغلي…
ما اتغيرش.
وكان يقدر يوصل لي…
لو حاول.
إنما هو…
اختار يبدأ حياة جديدة.
ويسيب القديمة كلها وراه.
في اللحظة دي…
البنت اللي كانت واقفة مع كريم…
نزعت خاتم الخطوبة من إيده قبل حتى ما يلبسه لها.
وحطته فوق الطاولة.
وقالت بهدوء موجوع:
— أنا مقدرش أكمل مع راجل…
ساب ولاده تمن سنين…
حتى لو كان ما يعرفش.
لأن اللي بيدور…
بيعرف.
واستدارت…
ومشت.
فضل كريم يبص لها…
وبعدين بص لأولاده.
كأنه خسر…
كل حاجة…
في نفس الدقيقة.
لكن المفاجأة الحقيقية…
ماكنتش ظهرت لسه.
لأن آدم فتح شنطته المدرسية الصغيرة…
وأخرج ظرفًا قديمًا أصفر اللون.
وقال ببراءة:
— ماما قالتلي… لو شوفنا بابا يومًا… أديهوله.
مد كريم إيده…
وأخذ الظرف ببطء.
ولما فتحه…
اتجمد مكانه.
لأنه كان يحتوي على أربع رسائل…
كتبتهاله أمه…
قبل ثماني سنوات…
رسائل لم تُرسل أبدًا…
وكان أول سطر في أول رسالة يقول:
“أنا مش بطلب منك ترجعلي… أنا بس بطلب إن ولادك يعرفوا إن ليهم أب.”
الجزء الثالث
فضل كريم ماسك الظرف…
وكأنه خايف يفتحه أكتر.
إيده كانت بتترعش…
وعينيه مثبتة على أول رسالة.
فتحها ببطء.
وكان تاريخها…
بعد طلاقنا بأسبوعين.
بدأ يقرأ بصوت منخفض:
“يا كريم…
أنا مش هترجاك ترجع.
ولا هطلب منك تصدقني غصب.
بس النهارده الدكتور أكد إن الحمل أربعة توائم.
عارفة إنك مش هتصدق.
لكن لو في يوم حسيت إنك عايز تعرف الحقيقة…
باب بيتي عمره ما هيتقفل في وشك.”
الرسالة وقعت من إيده.
رفع عينيه ناحيتي.
وقال بصوت مكسور:
— إنتِ… كتبتيلي ده؟
هززت رأسي.
— أربع مرات.
وكل مرة كانت الرسائل ترجع.
لأنك غيرت عنوانك.
وسافرت.
حتى رقم تليفونك…
بقى مقفول.
سكت…
وبعدين فتح الرسالة التانية.
كانت مكتوبة بعد الولادة بأيام.
“النهارده ولدت.
الدكتور فضل يبصلي وهو مش مصدق.
أربع أطفال…
مرة واحدة.
كنت محتاجة حد يمسك إيدي.
لكن مكنش فيه غير ربنا.
سميت أول واحد آدم…
لأنه أول واحد بكى.
وبعدين عمر…
وبعدين ليان…
وبعدين ملك.”
بدأت دموع كريم تنزل بغزارة.
مسح وشه بسرعة…
لكن الدموع كانت أسرع.
حماته السابقة انفجرت في البكاء.
وقامت وقفت قدامي.
وقالت وهي بتبوس راسي:
— سامحيني…
إحنا ظلمناكي.
أنا يومها…
أنا اللي قلت لابني يطلقك.
أنا اللي قلتله إن الحمل كدبة.
أنا السبب.
رجعت خطوة للخلف.
وقلت بهدوء:
— اللي فات…
فات.
أنا مش جاية أحاسب حد.
أنا جاية علشان ولادي.
آدم شد هدومي.
وقال:
— ماما…
هي دي جدتي؟
ابتسمت رغم الوجع.
وقلت:
— أيوه.
الجدة ركعت على الأرض قدامه.
وقالت وهي بتعيط:
— أنا آسفة يا حبيبي…
سامحيني يا رب.
مد آدم إيده الصغيرة…
ومسح دموعها.
وقال ببراءة:
— متعيطيش…
ماما بتقول اللي بيغلط ويعتذر…
ربنا بيسامحه.
الجملة دي…
كسرت آخر حاجة جوا كريم.
مشى خطوتين…
وبعدين ركع قدام ولاده.
بص لهم واحد واحد.
وقال بصوت مخنوق:
— أنا… أنا باباكم فعلًا.
بس…
أنا فشلت أكون أب.
ملك قربت منه بحذر.
وقالت:
— يعني…
هناديك بابا؟
ما قدرش يرد.
غطى وشه بإيده…
وانهار في البكاء.
كل الموجودين…
كانوا ساكتين.
مفيش حد قدر يرفع عينه.
وفجأة…
وقف واحد من كبار العيلة.
عم كريم.
وقال بصوت حازم:
— اسمعوني كلكم.
النهارده…
مش يوم خطوبة.
ولا يوم احتفال.
النهارده…
يوم لازم كل واحد فينا يراجع نفسه.
لأننا كلنا صدقنا الإشاعات…
وظلمنا بنت بريئة.
وسابنا أربعة أطفال…
يكبروا من غير أب.
لف ناحيتي.
وقال:
— يا بنتي…
حقك فوق راسنا.
ولو رفضتي تسامحي…
يبقى من حقك.
لكن اسمحي لأولادك…
يعرفوا أهلهم.
نظرت إلى أطفالي.
كانوا واقفين متشابكي الأيدي.
ينظرون إلى الرجل الذي يحمل ملامحهم.
لكنهم لا يعرفونه.
وقتها فقط…
تكلم آدم بهدوء.
وقال:
— ماما…
إحنا ممكن نزوره؟
نظرت إليه طويلًا…
ثم إلى كريم…
الذي لم يرفع رأسه من شدة الندم.
وأدركت أن القرار الذي سأقوله الآن…
لن يغير حياة رجل واحد فقط…
بل سيحدد مستقبل أربعة أطفال…
يتبع