حماتي ظالمه اسما السيد ×2
الفصل الثالث
وقت الغدا…
السفرة كانت متجهزة.
ريحة المحشي والفراخ كانت مالية البيت.
لكن الجو…
كان أبرد من التلج.
الحاجة أمينة قاعدة على طرف السفرة، وشها مكشر، ولا بصت ناحية ندى ولا مرة.
سامح كان حاسس إن أي كلمة ممكن تولع الدنيا.
أما ندى…
فنزلت من أوضتها بعد ما غسلت وشها، وحاولت تبتسم.
وقفت قدام حماتها وقالت بهدوء:
— السلام عليكم.
أمينة ردت من غير ما ترفع عينها:
— وعليكم السلام.
ندى قربت منها وقالت:
— ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
أمينة قالت ببرود:
— لو عندك كلام قوليه قدام الكل.
ندى بصت لسامح.
وسامح هز راسه كأنه بيشجعها.
ندى أخدت نفس عميق.
وقالت:
— أول حاجة… أنا آسفة لو حضرتك حسيتِ إني مهملة أو مش مقدرة تعبك.
أمينة ما ردتش.
ندى كملت:
— لكن أنا والله ما اتربتش على الكسل… وأمي كانت بتخليني أعمل كل شغل البيت من وأنا عندي اتناشر سنة.
أمينة رفعت حاجبها باستغراب.
ندى ابتسمت ابتسامة حزينة.
— ولو مش مصدقة… اسألي أي حد يعرفنا.
سامح قال:
— أنا شوفت ده بعيني قبل الجواز.
ندى كملت:
— أنا بس من يوم الفرح… تعبانة جدًا.
ولحد النهارده مستحملة علشان محدش يقول العروسة بتشتكي.
الحاجة أمينة أخيرًا رفعت عينها.
وقالت:
— طيب ما قولتيش ليه؟
ندى ضحكت بمرارة.
— كل ما كنت أنزل… أحس إن حضرتك متضايقة مني.
فكنت أرجع أوضتي وأسكت.
ساد صمت طويل.
وفجأة…
دخلت سعاد، أخت سامح الكبيرة.
بصت للكل وقالت:
— إيه؟ هو في عزاء؟
ولما عرفت اللي حصل…
ضحكت وقالت:
— بصراحة يا ماما… إنتِ غلطانة.
الحاجة أمينة بصتلها بحدة.
— نعم؟
— أيوه غلطانة… مين يدخل على أوضة عرسان من غير استئذان؟
أمينة اتعصبت.
— يعني بقيتوا كلكم ضدي؟
سعاد قالت بهدوء:
— لا… بس الحق حق.
أنا لما اتجوزت… لو حماتي عملت معايا كده كنت زعلت جدًا.
الكلام ده وجع أمينة.
لكنها سكتت.
وفجأة…
ندى وقفت.
وقالت بصوت ثابت:
— علشان كده… أنا أخدت قرار.
سامح بص لها باستغراب.
— قرار إيه؟
ندى قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
— أنا هرجع بيت بابا كام يوم.
سامح انتفض.
— إيه؟!
— لحد ما كل واحد يهدأ.
أمينة لأول مرة اتوترت.
وقالت بسرعة:
— يعني هتمشي بسبب اللي حصل؟
ندى ردت بهدوء:
— مش بسبب اللي حصل بس…
بسبب إني حاسة إني تقيلة على البيت.
كل حركة بعملها محسوبة.
كل نفس باخده محسوب.
أنا مش جاية أحارب حد.
أنا جاية أبني بيت.
ولو البداية بالشكل ده…
يبقى لازم نقف ونراجع نفسنا.
سامح مسك إيدها.
وقال بحزم:
— لا… إنتِ مش هتمشي.
ندى بصت له.
— أمال الحل إيه؟
سامح لف ناحية أمه.
وقال لأول مرة قدام الجميع:
— الحل إننا نستقل.
الكلمة وقعت كالصاعقة.
الحاجة أمينة شهقت.
— تستقل؟!
— أيوه.
— بعد تلات أيام جواز؟!
— لأني مش هسمح إن مراتي تعيش خايفة في أوضتها.
ولا هسمح إنك تزعلي يا أمي.
كل واحد فينا محتاج مساحته.
أمينة قامت من مكانها وهي بتخبط بإيديها على السفرة.
وقالت بصوت مكسور:
— يعني البنت دي فرقت بيني وبين ابني!
سامح هز رأسه.
— لا يا أمي…
اللي بيفرق بين الناس…
هو إننا منسمعش بعض.
لكن قبل ما حد يرد…
رن جرس الباب.
فتح سامح.
ولقى راجل كبير واقف على الباب…
لابس بدلة بسيطة، وفي إيده ظرف بني.
ابتسم وقال:
— السلام عليكم… أنا جاي مخصوص للأستاذة ندى.
ندى استغربت.
— أنا؟
الراجل مد لها الظرف وقال:
— دي وصية والدتك قبل وفاتها… وكانت موصياني أسلمهولك بعد جوازك بثلاث أيام بالظبط.
اتسعت عينا ندى.
وأخذت الظرف ويديها بترتعش.
ولما فتحته…
بهت لون وجهها.
وقالت بصوت مخنوق:
— مستحيل…!!
الفصل الرابع
“مستحيل…!!”
خرجت الكلمة من ندى وهي ماسكة الورقة بإيدين بيرتعشوا.
سامح قرب منها بسرعة.
وقال بقلق:
— مالك؟ مكتوب إيه؟
ندى ما ردتش.
كانت بتقرأ السطور مرة واتنين.
ودموعها بتنزل من غير صوت.
الحاجة أمينة، رغم غضبها، قامت من مكانها وقالت:
— خير يا بنتي؟
ندى رفعت وشها لأول مرة.
وقالت بصوت متقطع:
— دي… دي رسالة من أمي.
الراجل الكبير قال بهدوء:
— الله يرحمها… قبل ما تموت بشهر، طلبت مني أسلم الرسالة دي بعد جوازك بثلاث أيام بالظبط. وقالت: “لو بنتي كانت سعيدة، يبقى محدش يفتح الظرف غيرها. ولو كانت زعلانة… هتعرف تعمل إيه.”
سامح أخد الرسالة وقرا أول سطر بصوت مسموع:
“يا ندى… لو بتقري الرسالة دي، يبقى إنتِ بقيتي في بيت جوزك. أوعي تفتكري إن أول أيام الجواز هتبقى سهلة.”
ندى كملت القراءة بنفسها…
“يا بنتي… كل بيت جديد بيكون فيه اختلافات، ومفيش عيلة كاملة. لو أول مشكلة هتقابلك هتسيبي بيتك، عمرك ما هتعرفي تبني أسرة. اصبري، واتكلمي، وحاولي، لكن في نفس الوقت… حافظي على كرامتك وحدودك.”
كل اللي في البيت سكت.
أما الحاجة أمينة…
فبدأت ملامحها تتغير.
ندى أكملت:
“ولو حماتك شدت عليكي، افتكري إني أنا كمان كنت في يوم من الأيام حماة، وغلطت واتعلمت. الكلمة الطيبة بتعمل اللي العصاية عمرها ما تعمله.”
هنا…
الحاجة أمينة نزلت عينها في الأرض.
وبصت ناحية العصاية اللي كانت لسه مرمية جنب باب السلم.
حست بخجل شديد.
ندى وصلت لآخر الرسالة…
وفجأة ابتسمت وسط دموعها.
سامح سألها:
— بتبتسمي ليه؟
ندى قالت:
— أمي كانت كاتبة آخر سطر مخصوص لحضرتك.
سامح استغرب.
— ليا أنا؟
ندى هزت رأسها، وقرت:
“يا سامح… لو كنت بتحب بنتي بجد، متخليش أمك تخسر ابنها، ولا مراتك تخسر جوزها. الراجل الشاطر هو اللي يعرف يحتوي الاتنين.”
سامح فضل ساكت.
الكلام دخل قلبه.
أما الحاجة أمينة…
فجأة قامت من مكانها.
وقربت من ندى.
والكل كان مستني خناقة جديدة.
لكن…
أمينة مدت إيديها، ومسكت إيد ندى لأول مرة.
وقالت بصوت مكسور:
— سامحيني يا بنتي.
ندى بصتلها بدهشة.
أمينة كملت والدموع في عينيها:
— يمكن خوفت أخسر ابني… فنسيت إنك سيبتي بيت أهلك وجيتي تعيشي وسط ناس جداد.
أنا غلطت…
وأكبر غلطة كانت إني دخلت عليكم الأوضة من غير استئذان.
ندى من غير تردد…
حضنتها.
وقالت:
— وأنا كمان آسفة لو فهمتيني غلط.
الحاجة أمينة مسحت دموعها وقالت وهي بتضحك:
— خلاص… بس بشرط.
ندى ابتسمت.
— إيه هو؟
— بكرة تصحي بدري… مش علشان الشغل… علشان نفطر سوا ونبدأ صفحة جديدة.
ضحكت ندى وقالت:
— حاضر.
وسط ابتسامات الجميع…
كان واضح إن الأزمة انتهت.
لكن في آخر اليوم…
وأثناء ما سامح بينقل شنطة من العربية…
سمع جارين واقفين قدام البيت بيتهامسوا:
— سمعت؟ العروسة الجديدة خلت ابن أمينة يقف قدام أمه!
— واضح إن البيت ده لسه هيشوف مشاكل كتير…
وسامح وقتها أدرك…
أن أصعب المعارك أحيانًا لا تكون داخل البيت…
بل مع كلام الناس الذي لا ينتهي.
يتبع