مهرة ياسين بقلم اسما السيد ×2

الجزء الرابع: السر اللي رجع يهد البيت

مهره فضلت باصة للموبايل.

الرسالة كانت قصيرة.

لكنها قدرت تهز قلبها.

“اسألي ياسين كان فين ليلة اختفاء دياب.”

دخل ياسين البيت وهو شايل أكياس من السوق.

أول ما شاف وشها، عرف إن فيه حاجة.

ابتسم وقال:

— مالك؟

ناولته الموبايل من غير كلام.

قرأ الرسالة.

ورجع لها.

ملامحه ما اتغيرتش.

وده اللي زاد حيرتها.

قال بهدوء:

— كنت متوقع إنها تيجي.

سألته بسرعة:

— يعني إيه؟

حط الأكياس على الترابيزة.

وقعد قدامها.

وقال:

— هحكيلك كل حاجة… بس لازم تسمعيني للآخر.

قلب مهره بدأ يدق.

قالت:

— اتفضل.

تنهد ياسين.

وقال:

— ليلة الفرح… أنا فعلًا خرجت أدور على دياب.

— وبعدين؟

— لقيته.

شهقت.

— لقيته؟

— أيوه.

— فين؟

— على الطريق الصحراوي.

مهره قامت واقفة.

— يعني إنت كنت عارف مكانه؟

هز رأسه.

— كنت عارف… لمدة عشر دقايق بس.

— واحكي.

قال:

— لقيته راكب عربيته… ومعاه بنت.

اتجمدت مهره.

— بنت؟

— أيوه.

— كان بيعيط؟

— لأ.

— كان مخطوف؟

ضحك بمرارة.

— بالعكس… كان بيضحك.

الدموع نزلت من عيني مهره.

قالت:

— يعني سابني بإرادته؟

قال:

— للأسف.

سكت لحظة.

ثم أكمل:

— وقفت عربيتي قدامه.

— ونزلت أكلمه.

— قلت له: الناس كلها مستنياك.

— قال لي: أنا مش راجع.

— قلت له: مهره هتضيع.

— رد وقال: كل واحد يشوف حياته.

مهره حطت إيدها على بقها.

ياسين كمل:

— مسك إيدي وقال: لو حد سألك… قول إنك ما شوفتنيش.

— وأنا رفضت.

— قلت له لازم ترجع.

— لكنه ركب عربيته ومشي.

قالت مهره بصوت مكسور:

— ليه ما قلتش؟

رفع عينه لها.

— لأن عمك… أبوه… ترجاني.

— إيه؟

— قال لو البلد عرفت إنه هرب مع واحدة، هيموت من الفضيحة.

— وأنا صدقته لما قال إن دياب هيرجع بعد يومين.

— اليومين بقوا سنتين.

مهره فضلت ساكتة.

جواها غضب.

لكنها كانت شايفة قدامها راجل اختار يحمي سمعة عيلة كاملة على حساب نفسه.

قالت:

— كنت لازم تقوليلي.

هز رأسه.

— أيوه.

— ودي أكبر غلطة عملتها في حياتي.

وفي نفس الوقت…

كان دياب قاعد في استراحة على أطراف البلد.

قدامه صاحبه القديم.

قال له:

— الرسالة وصلت؟

ابتسم دياب.

— وصلت.

— وهيصدقوك؟

— مش مهم تصدق.

— المهم تشك.

ضحك صاحبه.

— وإيه فايدة الشك؟

رد دياب:

— البيت اللي يدخله الشك… يقع لوحده.

لكن اللي ماكانش يعرفه…

إن مهره في نفس الليلة دخلت أوضة ياسين.

وقالت:

— أنا زعلانة إنك خبيت.

— لكني مصدقاك.

رفع رأسه باستغراب.

— مصدقاني؟

ابتسمت بحزن.

— لأنك لو كنت عايز تاخدني لنفسك… كنت سكت من أول يوم.

— إنما إنت استنيت سنتين كاملين، وعشت معايا باحترام.

نزل ياسين رأسه.

وقال:

— كنت خايف تخسريني.

قالت:

— وإنت كسبتني بالأفعال… مش بالكلام.

في اليوم التالي…

دياب قرر يعمل آخر محاولة.

جمع رجال العيلة.

وقال:

— ياسين كداب.

أبوه سأله:

— عندك دليل؟

ابتسم.

ودخل شاب غريب.

قال:

— أنا كنت مع دياب ليلة اختفائه.

الكل بص له.

قال:

— ياسين هو اللي ضرب دياب.

اتجمد المجلس.

دياب ابتسم.

وقال:

— أهو… شاهد.

لكن ياسين كان هادي.

سأل الشاب:

— اسمك إيه؟

قال:

— سيد.

— بتشتغل إيه؟

— سواق.

— فين؟

بدأ الشاب يتوتر.

قال اسم شركة.

ياسين طلع موبايله.

وفتح صفحة الشركة.

وقال:

— الشركة دي قفلت من ثلاث سنين.

سكت الشاب.

ياسين كمل:

— وإنت في السجن أصلًا ليلة اختفاء دياب.

كل اللي قاعدين بصوا للشاب.

قال كبير العيلة:

— تعرف منين؟

طلع ياسين ورقة.

— دي شهادة رسمية بتاريخ دخوله السجن.

وش الشاب اصفر.

اعترف فورًا.

قال:

— دياب إداني فلوس.

ولما سألوه:

— علشان تكدب؟

قال:

— أيوه.

أبو دياب لأول مرة وقف قدام ابنه.

ورفع إيده.

وضربه بالقلم.

قال بصوت عالي:

— كفاية.

— كل مرة تكدب أكتر من اللي قبلها.

دياب بص لأبوه.

وقال بكره:

— كله بسبب مهره.

رد الأب:

— لأ.

— كله بسببك.

— إنت خسرت البنت.

— وخسرت احترام الناس.

— ودلوقتي هتخسر عيلتك.

سكت دياب.

وبص ناحية مهره.

كانت واقفة جنب ياسين.

إيدها في إيده.

قال لها:

— مستعدة تنسي كل اللي كان بينا؟

ابتسمت بهدوء.

وقالت:

— أنا ما نسيتهوش.

— أنا اتعلمت منه.

— اتعلمت إن الحب مش وعد.

— الحب موقف.

ولما سابت المكان مع ياسين…

كان دياب واقف لوحده لأول مرة.

لكن وهو بيركب عربيته…

رن موبايله.

رقم مجهول.

رد.

جاله صوت راجل كبير.

قال:

— لو عايز تعرف مين اللي بلغ عن مكانك ليلة هروبك… قابلني الليلة.

دياب سأل بسرعة:

— مين حضرتك؟

رد الرجل:

— واحد يعرف الحقيقة… ويعرف إن في شخص كان بيخطط لاختفائك قبل ما تهرب أصلاً.

وساعتها…

عرف دياب إن القصة اللي كان فاكرها انتهت…

لسه مخبية سر أكبر بكتير.

يتبع…
الجزء الخامس: الحقيقة اللي قلبت كل الحسابات

دياب فضل ماسك الموبايل بعد ما الخط اتقفل.

الجملة الأخيرة فضلت ترن في ودنه:

“في حد كان بيخطط لاختفائك قبل ما تهرب.”

رغم غروره…

الكلام هزه.

لأن مفيش غيره كان يعرف إنه هرب بإرادته.

مين بقى يعرف تفاصيل الليلة دي؟

وفي نفس الليلة…

راح للمكان اللي الراجل حدده.

استراحة قديمة على طرف الترعة.

نزل من عربيته وهو متوتر.

لقى راجل كبير في الستين من عمره، قاعد على كرسي خشب.

قال من غير ما يبص له:

— اتأخرت.

دياب سأله:

— إنت مين؟

الراجل رد:

— اسمي عمران… وكنت شغال مع والدك أكتر من تلاتين سنة.

دياب افتكره.

كان مدير المزارع القديمة.

قال:

— عايز مني إيه؟

عمران رفع ظرف أصفر.

وقال:

— قبل ما تهرب بأسبوع… أبوك طلب مني أراقب تحركاتك.

اتجمد دياب.

— ليه؟

— لأنه عرف إنك على علاقة ببنت من بره البلد.

دياب سكت.

عمران كمل:

— وكان ناوي يمنع الجوازة بنفسه… لكنك سبقته وهربت.

دياب قال بعصبية:

— يبقى خلصنا.

عمران هز رأسه.

— لا… لسه.

طلع صور قديمة.

فيها دياب مع البنت اللي هرب معاها.

لكن اللي صدمه…

إن الصور متاخدة من مسافات بعيدة.

يعني حد كان متابعه من زمان.

قال:

— مين صور دي؟

عمران بص في عينه.

— والدتك.

دياب رجع خطوة.

— أمي؟

— كانت عارفة كل حاجة.

— مستحيل.

— وكانت مستنية الليلة اللي تختفي فيها.

— ليه؟

عمران تنهد.

— لأنها كانت شايفة إن مهره تستحق ياسين.

دياب انفجر:

— إنت بتخرف!

قال عمران:

— والدتك كانت دايمًا تقول إن ياسين هو اللي هيحافظ على البيت… وإنك مدلل ومستهتر.

دياب قبض على الصور بعصبية.

أول مرة يحس إن حتى أمه ما كانتش واثقة فيه.

—

في نفس الوقت…

مهره كانت قاعدة في الجنينة.

ياسين خرج وقعد جنبها.

قال:

— لسه زعلانة؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— لأ… بس بفكر.

— في إيه؟

— لو دياب ما كانش هرب… كان زمان حياتي عاملة إزاي؟

ياسين سكت.

قالت:

— يمكن كنت هفضل طول عمري بجري وراه.

وبصت له.

— لكن معاك… أنا بقيت بجري على بيتي.

ابتسم ياسين.

وقال:

— ده أجمل كلام سمعته.

ولأول مرة…

مهره هي اللي مدت إيديها ومسكت إيده.

—

بعد يومين…

أبو دياب جمع العيلة كلها.

وقف قدامهم.

وقال:

— أنا خلاص تعبت.

وبص لدياب.

— عندك بيت قديم في آخر الأرض… خده وابدأ حياتك بعيد.

دياب استغرب.

— بتطردني؟

قال الأب:

— لأ.

— بديك آخر فرصة.

— لكن من النهارده… ملكش دعوة بمهره ولا بياسين.

دياب ضحك بسخرية.

— يعني اخترتوه عليا؟

رد الأب بحزم:

— اخترت الصح.

دياب خرج وهو مولع من الغضب.

وأقسم بينه وبين نفسه إنه مش هيسيب ياسين يرتاح.

—

في الليل…

راح يقف بعيد قدام بيت ياسين.

شاف نور الأوضة منور.

وشاف مهره بتضحك.

الضحكة اللي عمره ما سمعها منها بالشكل ده.

حس لأول مرة…

إن اللي ضاع منه مش مجرد بنت.

ضاع منه بيت كامل.

وحياة كاملة.

لكن غروره منعه يعترف.

طلع موبايله.

وبعت رسالة لياسين:

“لسه بينا حساب.”

ياسين قراها.

وبدل ما يرد…

مسحها.

وبص لمهره.

كانت بتحضر أوضة البيبي.

قالت وهي بتبتسم:

— ساعدني أعلق الستارة دي.

قام من مكانه.

وقال:

— حاضر.

وفي اللحظة دي…

فهم إن أكبر رد على أي حرب…

هو إنه يعيش سعيد.

أما دياب…

فركب عربيته ومشى.

ولأول مرة من سنين…

كان ماشي من غير حد يستناه.

ولا بيت يرجع له.

ولا إنسانة لسه بتحبه.

كل اللي كان معاه…

ذكريات اختار يخسرها بإيده.

وبكده انتهت المعركة.

مش لأن واحد انتصر بالقوة…

لكن لأن الحقيقة، والاحترام، والصبر…

كانوا أقوى من الأنانية والندم المتأخر.

الجزء السادس (الخاتمة): بعد خمس سنين

عدّت خمس سنين…

والبلد كلها بقت تحكي الحكاية بطريقة مختلفة.

مش حكاية العريس اللي اختفى.

لكن حكاية الراجل اللي ضيّع حياته بإيده.

وياسين…

بقى من أكبر تجار الأراضي في البلد.

مش لأنه ورث.

لكن لأنه اشتغل.

كل فدان كان بيشتريه، كان يكتبه باسمه وباسم مهره.

وكان دايمًا يقول قدام الناس:

— الشراكة عمرها ما تقلل من الراجل… الشراكة بتكبر البيت.

أما مهره…

فكانت واقفة كل صباح في جنينة البيت، تراقب ولدها “آدم” وهو يجري، وبنته الصغيرة “ليان” وهي تحاول تمشي أول خطواتها.

الحياة اللي كانت فاكرة إنها انتهت ليلة الفرح…

كانت لسه بتبدأ.

—

أما دياب…

فبعد ما باع البيت الصغير اللي أبوه سابهوله، سافر القاهرة.

اشتغل هنا وهناك.

كل مشروع يدخله يخسره.

لأن الناس عرفت سمعته.

وفي يوم…

رجع البلد تاني.

بس المرة دي، محدش استقبله.

لا زفة.

ولا أصحاب.

ولا حتى الناس اللي كانت بتجامل أبوه.

دخل المسجد وقت صلاة المغرب.

وقعد في آخر صف.

ولما خلصت الصلاة…

لقى شيخ البلد قاعد جنبه.

قال له بهدوء:

— لسه زعلان؟

ابتسم دياب بسخرية.

— زعلان من نفسي.

سكت الشيخ شوية.

ثم قال:

— أول مرة أسمع منك اعتراف.

قال دياب:

— كنت فاكر إن مهره هتفضل مستنياني.

— وليه تستناك؟

— لأنها كانت بتحبني.

رد الشيخ:

— اللي بيحب بيدور على الأمان.

— وإنت كنت مصدر خوف.

نزل دياب رأسه.

لأول مرة…

ما لقى رد.

—

بعد أسبوع…

كان ياسين في السوق.

وقف قدامه دياب.

الناس كلها سكتت.

افتكروا إن خناقة هتحصل.

لكن دياب مد إيده.

وقال:

— أنا غلطت في حقك.

ياسين بص لإيده ثواني.

وبعدين صافحه.

قال:

— المسامحة عند ربنا.

— وأنا مش شايل منك.

استغرب دياب.

— بعد كل اللي عملته؟

ابتسم ياسين.

— لو فضلت شايل كره… هعيش أسير ليك طول عمري.

سكت دياب.

وقال:

— مهره… سعيدة؟

لف ياسين ناحية بيته البعيد.

وشافها واقفة مع الأطفال.

ابتسم من قلبه.

وقال:

— الحمد لله.

عرف دياب الإجابة من غير ما يسأل تاني.

—

في الليل…

أبو دياب طلب يشوف ابنه.

كان المرض هدّه.

قال له:

— اقعد يا دياب.

قعد.

الأب طلع صندوق خشب صغير.

وقال:

— ده كان هدية جوازك لمهره.

فتح الصندوق.

كان فيه سلسلة دهب بسيطة.

وخاتم.

قال الأب:

— اشتريتهم قبل الفرح بأسبوع.

— واحتفظت بيهم بعد اللي حصل.

دياب مسك الخاتم.

دموعه نزلت لأول مرة من غير تمثيل.

قال:

— ضيعت كل حاجة يا حاج.

ربت الأب على كتفه.

وقال:

— الإنسان ساعات ربنا بيوريه قيمة النعمة بعد ما تضيع.

— بس ده ما يمنعش إنه يبدأ من جديد.

—

بعد كام شهر…

انتشر خبر إن دياب فتح ورشة صغيرة بإيده.

وبطل يعتمد على فلوس أبوه.

كان أول واحد يفتح.

وآخر واحد يقفل.

وفي يوم…

شاف شاب صغير خارج من محل دهب، وماسك إيد بنت.

الشاب قال للبنت:

— أوعدك إن عمري ما أسيبك.

وقف دياب مكانه.

وافتكر ليلة فرحه.

وهمس لنفسه:

— الوعد سهل…

لكن الرجولة هي اللي بتوفيه.

—

وفي مساء هادئ…

كانت مهره قاعدة في البلكونة.

قالت لياسين:

— فاكر ليلة ما اتجوزنا؟

ضحك.

— اللي نمت فيها على الكنبة؟

ضحكت.

— أيوه.

— كنت خايفة منك.

قال:

— وأنا كنت خايف منك.

— ليه؟

— كنت خايف أفضل طول عمري مجرد حل اضطراري.

مسكت إيده.

وقالت:

— إنت عمرك ما كنت حل.

— إنت كنت بداية.

سكت لحظة.

ثم قال:

— لو رجع الزمن…

واختاروك بيني وبين دياب؟

ابتسمت وهي تبص لأولادها.

وقالت:

— زمان كنت هختار دياب.

— لأني كنت صغيرة.

— النهارده؟

قالت بثقة:

— النهارده… هختارك ألف مرة.

ابتسم ياسين.

وحضنها.

وفي آخر البيت…

كان آدم وليان بيجروا في الجنينة ويضحكوا.

والبيت اللي بدأ بخوف وفضيحة…

انتهى بسك*ينة وحب.

أما دياب…

فاتعلم الدرس متأخر.

لكن أخيرًا فهم إن الحب مش حق مكتسب…

وإن اللي يضيع إنسانة كانت مستعدة تبني معاه عمر…

مش من حقه يرجع يطالب بيها بعد ما تبني حياة مع غيره.

تمت.
النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *