حفيدي حكـايـات أسمـا السـيد
أول مرة سمحوا لي أحمّم حفيدي… فهمت فورًا ليه أمّه كانت مانعة ده بقالها شهور.
من أول ما حفيدي اتولد، كنت عايزة أساعد بأي طريقة أقدر عليها.
كنت بطبخ، وأرتب هدومه الصغيرة، وأنضف المطبخ وهي نايمة، وأروح لهم كل ما يحتاجوا حد يساعدهم. كنت عارفة إن أول شهور مع المولود بتكون مرهقة جدًا، ولسه فاكرة قد إيه كنت تعبانة لما بقيت أم لأول مرة.
لكن كان فيه حاجة واحدة ما كانتش تسمح لأي حد يعملها.
تحميم الطفل.
أول مرة عرضت عليها أحمّمه، ابتسمت وقالت بلطف:
“تسلمي، بس أنا أفضل أعملها بنفسي.”
ما اهتمتش وقتها.
بعد كام أسبوع، كانت مرهقة جدًا من السهر، وعينيها بالكاد مفتوحة وهي شايلة الطفل.
لمست كتفها برفق وقلت:
“يا حبيبتي… ليه ما تروحي تاخدي شاور؟ وأنا هحمّمه الليلة.”
بصتلي لحظة، وهزت راسها.
“لا… خلاص. أنا مجهزة كل حاجة.”
“بس إنتِ تعبانة جدًا.”
“عارفة.” ابتسمت ابتسامة باهتة. “هبقى كويسة.”
وقتها قلت لنفسي إنها مجرد أم جديدة بتحب تعمل كل حاجة بنفسها.
وفي مرة، تعبت جدًا وجالها برد شديد.
كانت بتكح لدرجة إنها كانت بتقف في نص الكلام، وعينيها حمرا، وشكلها كأنها هتنام وهي واقفة.
في الليلة دي حاولت معاها للمرة الأخيرة.
قلت بهدوء:
“أرجوكي… سيبيني أساعدك المرة دي بس. عشرين دقيقة. ارتاحي شوية وأنا هحمّمه.”
للحظة، افتكرت إنها هتوافق.
لكنها حضنت ابنها أكتر وهمست:
“أنا آسفة… أنا بس… مقدرش.”
ما قالتش:
“مش عايزة.”
ولا قالت:
“بكرة.”
قالت بس…
“مقدرش.”
وكان في طريقة قالت بيها الكلمة دي فضلت في بالي.
بعدها بطلت أطلب.
وقلت أكيد فيه سبب، حتى لو أنا مش فاهمته.
لحد ما في يوم، ابني ومراته جم يتعشوا عندي.
بعد العشا، قعدت على الكنبة وقالت إنها هترتاح “خمس دقايق” بس.
لكنها نامت في ثواني، وهي لسه متغطية بالبطانية.
ابني بص عليها، وابتسم بحزن، وقال بصوت واطي:
“ماما… ممكن تحمّميه الليلة؟ هصحيها بعد ما ترتاح شوية.”
ابتسمت وأنا شيلت حفيدي.
كانت أول مرة حد يأتمنّي على وقت الحمام.
وماكنتش أعرف إن بعد دقائق قليلة هكتشف السبب الحقيقي اللي خلاها تمنع أي حد يعمل ده طوال الشهور اللي فاتت.
طلعت بيه فوق، ومليت البانيو الصغير بالمية، وبدأت أقلع له البيجامة.
كان بيضحك ويرش المية بإيده قبل حتى ما أخلص.
ولما شلت التيشيرت الصغير…
لاحظت حاجة خلتني أتجمد مكاني.
كان فيه لاصقة طبية مقاومة للمياه في نص ضهره.
بالظبط بين لوحي الكتف.
شكلها كان قديم، كأنها اتغيرت واتبدلت أكتر من مرة.
أول حاجة جت في بالي إنه يمكن اتخربش.
أو الدكتور حطها على جرح بسيط.
ترددت شوية.
وبعدين رفعت طرف اللاصقة بحذر.
طلعت بسهولة.
ماكانش فيه جرح.
ولا غرز.
ولا حتى خدش.
كان فيه…
وحمة.
وحمة غريبة جدًا.
لونها بني غامق، وشكلها مميز بشكل مستحيل يتلخبط.
حسيت معدتي اتقبضت.
ابني عمره ما كان عنده وحمة بالشكل ده.
لكن…
أنا أعرف شخص واحد كان عنده نفس الوحمة.
إيدي بدأت تترعش لدرجة إني كدت أوقع اللاصقة في المية.
بصيت لحفيدي.
وبعدين للوحمة مرة تانية.
وهمست:
“لا…”
“مستحيل…”
وفي اللحظة دي بالظبط…
سمعت صوت خطوات في الممر.
وقفت عند باب الحمام.
أول ما شافت اللاصقة مرمية على الأرض…
وشها شحب تمامًا.
بصت مباشرة للوحمة.
وبعدين بصتلي.
وبصوت مرتعش همست:
“إنتِ شلتيها…”لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثاني
وقفت وهي ماسكة إطار الباب.
وشها كان شاحبًا بصورة خوفتني أكتر من الوحمة نفسها.
بصت للاصقة اللي وقعت على الأرض.
وبعدين بصت لحفيدي.
وأخيرًا رفعت عينيها ناحيتي.
وقالت بصوت مكسور:
“إنتِ… شلتيها؟”
قلت بهدوء وأنا بحاول أفهم:
“آه… افتكرتها على جرح.”
جريت بسرعة، رفعت اللاصقة من الأرض، ورجعت لصقتها مكانها بإيد مرتعشة.
وبعدين حضنت ابنها بقوة.
لدرجة إنه بدأ يعيط من خوفه.
قلت لها:
“اهدي يا بنتي… فيه إيه؟”
لكنها ما ردتش.
كانت دموعها نازلة من غير صوت.
في اللحظة دي دخل ابني على صوت بكاء الطفل.
أول ما شاف مراته بالحالة دي، قال بقلق:
“إيه اللي حصل؟”
ردت وهي بتحاول توقف دموعها:
“هي… شالت اللاصقة.”
بص لي ابني.
وبعدين بص لظهر ابنه.
وابتسم ابتسامة صغيرة فيها تعب.
وقال:
“خلاص يا حبيبتي… مفيش حاجة حصلت.”
لكنها هزت رأسها بعنف.
“إنت مش فاهم.”
“أنا وعدته.”
استغربت.
“وعدتي مين؟”
سكتت.
ولأول مرة من يوم عرفتها…
حسيت إنها بتحارب نفسها علشان تتكلم.
خرجنا كلنا من الحمام.
وبعد ما نام الطفل، قعدنا في الصالة.
هي كانت ماسكة كوب الشاي بإيديها الاتنين.
لكن الكوب كان بيترعش من كتر توترها.
قالت بعد صمت طويل:
“أنا لازم أحكيلكم.”
…
تنهدت.
وقالت:
“وأنا حامل في الشهر السادس، الدكتور عمل سونار، ولاحظ علامة على ضهر البيبي.”
قلبي وقع.
سألتها:
“وحمة يعني؟”
هزت رأسها.
“آه.”
“وقال إنها وحمة خلقية، وممكن تكبر مع نموه.”
قلت:
“وده طبيعي.”
ابتسمت ابتسامة حزينة.
“آه… طبيعي.”
“لكن اللي حصل بعد الولادة هو اللي ماكانش طبيعي.”
بصينا كلنا لها.
وقالت:
“بعد أسبوع من الولادة، كنت ماشية بالعربية.”
“ست كبيرة وقفتني في الشارع.”
“وقالت إنها نفسها تشوف البيبي.”
“افتكرت إنها ست طيبة.”
“لما شافت الوحمة…”
“اتغير لون وشها.”
وسكتت.
سألها ابني:
“قالت لك إيه؟”
أغمضت عينيها.
وقالت:
“قالت بالحرف…”
“الولد ده لازم تخبّي الوحمة.”
“الناس اللي بيدوروا على العلامة دي لسه موجودين.”
ضحكت يومها.
وافتكرتها ست عندها خرف.
لكن…
بعدها بأسبوعين…
بدأت تحصل حاجات غريبة.
…
مرة رجعت من السوبر ماركت.
لقيت باب الشقة موارب.
افتكرت حرامي.
لكن كل حاجة كانت مكانها.
ولا حاجة اتسرقت.
غير…
ألبوم صور الطفل.
بعد يومين…
صحيت بالليل.
ولقيت نور الممر منور.
ولما خرجت…
شفت راجل نازل على السلم بسرعة.
بلغنا الشرطة.
لكن ما لقوش حاجة.
بعدها…
وصلني جواب من غير اسم.
كان مكتوب فيه:
“غطي العلامة.”
“واحمي ابنك.”
“ومتسأليش ليه.”
…
بصيت لها بصدمة.
“بلغتوا الشرطة؟”
قال ابني:
“بلغنا.”
“لكن ماكانش فيه دليل.”
“ولا كاميرات.”
“ولا بصمات.”
وأضاف:
“ومن ساعتها…”
“هي بقت تحط اللاصقة.”
“مش علشان تخبي الوحمة مني.”
“ولا منكم.”
“لكن علشان محدش غريب يشوفها.”
بصيت لحفيدي النائم.
وبرغم خوفي…
مديت إيدي على راسه.
وقلت:
“طالما إحنا مع بعض…”
“محدش هيقدر يأذيه.”
في اللحظة دي…
رن جرس الباب.
الساعة كانت قرب منتصف الليل.
استغربنا.
مين هييجي في الوقت ده؟
راح ابني فتح الباب بحذر.
ماكانش فيه حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض على عتبة البيت.
أخده ودخل.
ولما فتحه…
لقينا صورة حديثة لحفيدي وهو نايم في عربيته…
وكان مكتوب تحتها بخط أسود:
“اللاصقة وقعت النهارده… وإحنا شفنا العلامة.”
ساد الصمت في البيت كله…
وأدركنا أن من كان يراقب الطفل…
لم يكن بعيدًا أبدًا.
يتبع…
الفصل الثالث
تجمد ابني وهو ممسك بالصورة.
أما زوجته…
فانهارت على الكرسي وهي تضم طفلها إلى صدرها.
قلت وأنا أحاول أتماسك:
“حد كان واقف قدام البيت من شوية؟”
هز ابني رأسه.
“لا.”
أخذ الصورة وقلبها.
لم يكن عليها اسم.
ولا عنوان.
ولا أي بصمة واضحة.
لكن في الركن السفلي…
كان هناك شعار صغير مطبوع.
مجرد دائرة بداخلها حرف واحد.
قطبت زوجة ابني حاجبيها.
ثم همست:
“هو نفس الشعار…”
نظرنا إليها جميعًا.
“شعار إيه؟”
أخرجت الظرف القديم الذي احتفظت به منذ أشهر.
كان داخله الورقة التي وصلتها بعد ولادة الطفل.
وضعتها بجوار الصورة.
كان الشعار نفسه تمامًا.
ساد الصمت.
قال ابني:
“يبقى اللي بعت الرسالة هو اللي صور الولد.”
…
في صباح اليوم التالي…
قرر ابني الذهاب إلى قسم الشرطة مرة أخرى.
هذه المرة أخذ معه الصورة والرسالة.
استقبله الضابط باهتمام.
وبدأ يفحصهما.
ثم قال:
“هنراجع كاميرات المنطقة.”
وبالفعل…
بعد ساعات قليلة…
وجدوا رجلًا يرتدي قبعة سوداء، يقترب من المنزل ليلًا، ويضع الظرف أمام الباب، ثم يغادر.
لكن المفاجأة…
أنه لم يكن ينظر إلى الكاميرا ولو مرة واحدة.
وكأنه يعرف مكانها مسبقًا.
…
في المساء…
كانت زوجة ابني تغير اللاصقة الطبية للطفل.
دخلت عليها بهدوء.
وقلت:
“لو مش حابة تحكيلي حاجة، مش هضغط عليكي.”
رفعت رأسها.
وقالت بصوت هادئ لأول مرة:
“أنا كنت خايفة الناس تفتكر إني مجنونة.”
جلست بجوارها.
قالت:
“بعد الرسالة الأولى، رحت لدكتور الأطفال.”
“وسألته لو الوحمة دي ليها أي خطورة.”
“قال لي لأ.”
“مجرد وحمة خلقية.”
تنفست براحة.
لكنها أكملت:
“وبعدين قال لي جملة غريبة.”
“قال…”
“أنا شفت وحمة بالشكل ده مرة واحدة قبل كده.”
نظرت إليها بدهشة.
“فين؟”
قالت:
“في طفل اتولد من حوالي سبع سنين.”
“وكان سليم جدًا.”
“الوحمة مجرد اختلاف في لون الجلد.”
ثم ابتسم الدكتور وقال:
“اطمني… مفيش أي حاجة طبية تدعو للقلق.”
أمسكت يدها.
“يبقى الوحمة نفسها مش المشكلة.”
هزت رأسها.
“بالضبط.”
“المشكلة في الشخص اللي بيستخدمها علشان يخوفنا.”
…
بعد يومين…
رن هاتف ابني.
كان الضابط.
قال:
“حددنا صاحب العربية اللي ظهرت في الكاميرات.”
أسرعنا جميعًا إلى القسم.
فتح الضابط الملف.
ثم قال:
“العربية مسجلة باسم راجل متوفى من خمس سنين.”
تعجب ابني.
“إزاي؟”
رد الضابط:
“واضح إن اللوحات اتنقلت لعربية تانية.”
ثم ابتسم.
“لكن في خبر كويس.”
“لقينا شاهد.”
دخل رجل مسن إلى المكتب.
وقال:
“أنا شفت الراجل.”
سأله الضابط:
“تقدر توصفه؟”
قال:
“كان طويل.”
“ولابس جاكيت غامق.”
“لكن قبل ما يمشي…”
“وقف قدام صورة الطفل.”
سأله ابني:
“قال حاجة؟”
هز الرجل رأسه.
“آه.”
“قال…”
“الحمد لله… هو بخير.”
نظرنا إلى بعضنا في حيرة.
سأل الضابط:
“كان شكله بيهدد؟”
رد الرجل:
“بالعكس.”
“كان شكله مرتاح.”
ساد الصمت.
أدركنا لأول مرة…
أن الشخص الذي يراقب الطفل…
قد لا يكون عدوًا.
وربما…
كان يحاول حمايته بطريقته.
لكن السؤال الذي بقي بلا إجابة كان:
من هو؟ ولماذا لا يظهر أمامنا بدلًا من أن يراقبنا من بعيد؟
يتبع…
الفصل الرابع
مرت ثلاثة أيام…
ولم تصل أي رسائل جديدة.
لكن هذا لم يجعل أحدًا يشعر بالراحة.
على العكس…
كان الصمت مخيفًا أكثر من التهديد.
كانت زوجة ابني ما تزال تضع اللاصقة الطبية على ظهر الطفل كل يوم، لكن هذه المرة لم تكن تخفي الأمر عني.
وفي صباح أحد الأيام…
كنت أحمله في الحديقة الصغيرة أمام البيت.
كان يضحك وهو يحاول يمسك الفراشات.
وفجأة…
وقفت سيارة بيضاء على الجانب الآخر من الشارع.
خرج منها رجل في الستين من عمره.
كان يحمل عصًا ويتحرك ببطء.
وقف ينظر إلى حفيدي من بعيد.
لم يقترب.
ولم يتكلم.
لكن عينيه امتلأتا بالدموع.
شعرت بعدم الارتياح.
تقدمت نحوه وقلت بحزم:
“حضرتك عايز حاجة؟”
نظر إليّ بهدوء.
وقال:
“هو بخير…”
قلت بحدة:
“حضرتك تعرفه؟”
هز رأسه.
“لا.”
“لكن أعرف العلامة اللي على ضهره.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت:
“إنت مين؟”
تنهد طويلًا.
ثم قال:
“أنا طبيب متقاعد.”
“ومن عشرين سنة…”
“حضرّت ولادة طفل كان عنده نفس الوحمة.”
قلت بسرعة:
“وبعدين؟”
أطرق رأسه.
“بعد أيام…”
“اختفى الطفل.”
تجمدت مكاني.
قال:
“وقتها الشرطة اعتبرت الموضوع خطف.”
“لكن الحقيقة…”
“ماعرفهاش حد.”
وقبل أن أسأله أي شيء…
أخرج بطاقة صغيرة من جيبه.
ناولني إياها.
وقال:
“لو حبيتم تعرفوا الحقيقة…”
“اتصلوا بيا.”
ثم ركب سيارته وغادر.
…
في المساء…
اجتمعنا كلنا.
قرأ ابني البطاقة.
كان اسم الرجل:
الدكتور فؤاد السيوفي استشاري أطفال متقاعد.
قالت زوجته:
“يمكن يكون هو اللي بعت الرسائل.”
قلت:
“أو يمكن هو الوحيد اللي يعرف معناها.”
قرر ابني الاتصال به.
رد الرجل بسرعة.
وكأنه كان ينتظر المكالمة.
قال:
“تعالوا بكرة.”
“وهحكيلكم كل اللي أعرفه.”
…
في اليوم التالي…
وصلنا إلى منزله.
كان بيتًا قديمًا مليئًا بالكتب والصور.
استقبلنا بابتسامة هادئة.
ثم طلب أن يرى الطفل.
كشف برفق عن اللاصقة.
نظر إلى الوحمة طويلًا.
ثم ابتسم بحنان.
وقال:
“زي ما توقعت.”
سألته زوجة ابني بقلق:
“هي فيها مرض؟”
ابتسم.
“لا.”
“دي مجرد وحمة.”
تنفسنا جميعًا براحة.
لكنه أكمل:
“لكن للأسف…”
“في ناس حولتها إلى أسطورة.”
نظرنا إليه باستغراب.
قال:
“من سنين طويلة، كان فيه ناس بيعتقدوا إن الأطفال اللي عندهم العلامة دي مميزين بطريقة غريبة.”
“وده كلام ملوش أي أساس علمي.”
“لكن بعض الناس صدقوه.”
وأضاف:
“وده اللي خلّى عائلات تعيش في خوف بلا سبب.”
قال ابني:
“يعني الرسائل دي؟”
هز الطبيب رأسه.
“غالبًا حد يعرف القصة القديمة، وحاول يخوفكم.”
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج ملفًا قديمًا.
كان بداخله صور وتقارير طبية.
وأشار إلى صورة طفل صغير.
“ده الطفل اللي حكيت لكم عنه.”
نظرنا إلى الصورة.
كانت الوحمة فعلًا تشبه وحمة حفيدي.
لكن الطبيب أكمل:
“الطفل ده…”
“ما اتخطفش.”
نظرنا إليه بدهشة.
ابتسم وقال:
“أهله سافروا للخارج بعد فترة قصيرة.”
“والإشاعات هي اللي كبرت الحكاية.”
ساد الصمت.
ثم قالت زوجة ابني وهي تبكي من شدة الارتياح:
“يعني… ابني بخير؟”
ابتسم الطبيب.
“ابنكم طفل سليم.”
“ومش محتاج يخبي أي حاجة.”
نظر إليها وأضاف:
“ولو حبيتوا تغطوا الوحمة حفاظًا على خصوصيته، ده قراركم.”
“لكن من الناحية الطبية…”
“مفيش أي داعي للخوف.”
…
خرجنا من عند الطبيب ونحن نشعر وكأن جبلًا أزيح عن صدورنا.
وفي طريق العودة…
نزعت زوجة ابني اللاصقة برفق.
ونظرت إلى الوحمة.
ثم قبّلت ظهر طفلها.
وقالت بابتسامة وسط دموعها:
“مش هخبيك من الدنيا تاني.”
ومنذ ذلك اليوم…
كبر حفيدي وهو يعرف أن تلك الوحمة ليست سرًا مخيفًا…
ولا لعنة…
ولا علامة غامضة.
بل مجرد جزء صغير منه…
تمامًا مثل لون عينيه أو ابتسامته.
أما نحن…
فتعلمنا درسًا لن ننساه أبدًا:
الخوف يكبر عندما نتركه بلا تفسير… أما الحقيقة، فحتى لو كانت بسيطة، فهي دائمًا أكثر راحة من ألف وهم.
تمت.