علاج طبيعي حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثالث
العقل المدبر
منى بصت لأحمد بصدمة.
وقالت:
— إنت عرفت منين إن كريم مش هو العقل المدبر؟
أحمد مد إيده ناحية التسجيل.
وقال:
— لأنه قال: “لو مرات أحمد خدت التعويض، هتفتح الملف كله.” الجملة دي معناها إن في ملف أكبر… وإن كريم كان بينفذ أوامر حد خايف من حاجة أقدم من الحادثة.
الأستاذ عادل هز راسه بإعجاب.
وقال:
— تحليلك صح.
أحمد رفع عينه له بسرعة.
— يعني إنت عارف مين؟
عادل سكت.
بص للدكتور سامح.
وبعدين بص لمنى.
وقال:
— عندي شكوك… لكن معنديش دليل كامل.
أحمد قرب منه.
— مين؟
عادل فتح الملف.
طلع منه كشف حساب بنكي.
وحطه قدام أحمد.
— المبلغ اللي دخل حساب أخوك كريم… اتحول له عن طريق شركة اسمها “النخبة للاستشارات الطبية”.
الدكتور سامح قال:
— شركة على الورق بس… ملهاش مقر حقيقي ولا موظفين.
أحمد قلب الورقة.
وقرأ اسم صاحب الشركة.
ملامحه اتجمدت.
بص لمنى.
وبعدين رجع بص للاسم.
— محمود الشهاوي؟
منى نزلت عينيها.
أما عادل فقال:
— أيوه.
أحمد رجع خطوة لورا.
محمود الشهاوي…
كان والد منى.
حماه.
الراجل اللي عمره ما شاف منه غير الاحترام.
اللي كان بيقعد معاه كل جمعة.
ويلعب مع ليان.
واللي ساعده في بداية جوازه.
أحمد ضحك ضحكة قصيرة مصدومة.
— إنتوا عايزين تفهموني إن أبو منى دفع لأخويا علشان يزور تقرير حادثة بنته؟
منى قالت بسرعة:
— أنا ما كنتش أعرف إن اسم بابا ظهر في التحويل غير من تلات أيام.
أحمد بص لها بغضب.
— ومع ذلك ما قولتيليش؟
— كنت مستنية أتأكد.
— تتأكدي من إيه؟ إن أبوكي ولا أخويا مين اللي باعنا الأول؟
منى قربت منه.
— أحمد… أنا عارفة إنك متعصب، بس الموضوع مش بالبساطة دي.
أحمد أشار للملف.
— إيه اللي مش بسيط؟ أبوكي حول فلوس لأخويا، وأخويا أخفى تقارير علاجك، والتعويض اتسرق! محتاجة إيه تاني؟
عادل قاطعهما:
— محتاجين نعرف ليه.
أحمد لف له.
— الفلوس.
عادل هز راسه بالنفي.
— التعويض ما كانش كبير بالشكل اللي يخلي محمود الشهاوي يخاطر بسمعته وشركاته وبنته. إحنا بنتكلم عن رجل أعمال يملك ملايين. ليه يزور تقرير علشان يمنع تعويض ما يساويش تمن عربية من عربياته؟
الغرفة سكتت.
أحمد حس إن الغضب اللي جواه بدأ يتحول لخوف.
سأل:
— تقصد إن الحادثة نفسها كانت مقصودة؟
منى شهقت.
الدكتور سامح رفع عينه ناحية عادل.
أما عادل…
فطلع ورقة تانية.
— العربية اللي خبطت منى كانت مسروقة. والسواق اختفى. والبلاغ اتقفل باعتبارها حادثة عادية. لكن قبل الحادث بأسبوع، منى استلمت إيميل من حساب مجهول.
منى قالت:
— إيميل إيه؟
عادل مد لها صورة مطبوعة.
منى قرأتها بصوت مرتجف:
— “ابعدي عن الملفات القديمة… وإلا هتدفعي التمن.”
أحمد خطف الورقة منها.
— إنتِ شوفتي الرسالة دي قبل كده؟
— لا، أقسم بالله.
عادل قال:
— الرسالة اتمسحت من بريدك، لكن قدرت أرجع نسخة محفوظة على السيرفر.
أحمد سأل:
— ملفات إيه؟
عادل قفل الشنطة.
وقال بجدية:
— دي النقطة اللي لازم نعرفها من محمود الشهاوي نفسه.
أحمد قال:
— هنروح له دلوقتي.
منى مسكت دراعه.
— لأ.
بصلها.
— ليه؟
قالت:
— لأن بابا لو فعلًا متورط، أول ما يحس إننا عرفنا… الأدلة كلها هتختفي.
أحمد جذب دراعه من إيدها.
— وأنا مش هفضل مستخبي ورا ستارة تاني.
الدكتور سامح وقف.
— المواجهة المباشرة خطر.
أحمد بص له.
— خطر على مين؟
سامح رد:
— على منى.
الكل سكت.
أحمد قرب منه.
— وضح كلامك.
الدكتور سامح أخد نفسًا طويلًا.
— إصابة منى مش مجرد ألم في الضهر.
منى بصت له في خوف.
وقالت:
— سامح… لأ.
أحمد لف لها.
— في إيه تاني مخبياه؟
منى بدأت دموعها تنزل.
الدكتور قال:
— صور الأشعة الأخيرة أظهرت وجود كسر قديم في فقرة من فقرات العمود الفقري… كسر مكانش موجود في الأشعة اللي اتعملت بعد الحادثة مباشرة.
أحمد اتجمد.
— يعني إيه؟
سامح قال:
— يعني منى اتعرضت لإصابة تانية بعد الحادث.
أحمد بص لمنى.
— مين ضربك؟
منى ما ردتش.
قرب منها.
— منى… مين اللي أذاكي؟
كانت بتترعش.
وبعد لحظات…
قالت بصوت ضعيف:
— أبويا.
أحمد حس إن الدنيا اختفت من حواليه.
— أبوكي ضربك؟
منى هزت راسها.
— يوم ما سألته عن الشركة الوهمية… اتعصب. حاول ياخد مني الملف. زقني… ووقعت على طرف المكتب.
أحمد صرخ:
— وإنتِ ساكتة؟!
— هددني بليان.
سكت أحمد فجأة.
منى كملت وهي بتبكي:
— قال لي لو فتحت بوقي، هيخليك تخسر شغلك… وهيطلع أوراق تثبت إنك غير مؤهل تربي بنتك. وقال إنه يقدر ياخد ليان مننا في أسبوع.
أحمد مسك الكرسي علشان ما يقعش.
كل حاجة كانت أكبر من خيانة مالية.
أكبر من تقرير مزور.
في حد دخل حياتهم…
وكان بيتحكم فيهم من جوه.
عادل قال:
— علشان كده لازم نتصرف بهدوء.
أحمد مسح وشه بإيده.
وسأل:
— الخطة إيه؟
عادل رد:
— نخلي محمود يفتكر إننا لسه مش عارفين حاجة.
منى قالت:
— وبعدين؟
— نرجع للملفات القديمة اللي الرسالة حذرتك منها.
أحمد بص لمنى.
— إنتِ كنتِ بتدوري على إيه قبل الحادث؟
منى حاولت تفتكر.
وفجأة…
ملامحها اتغيرت.
قالت:
— كنت بنضف مكتب ماما القديم بعد وفاتها.
عادل قرب منها.
— ولقيتي إيه؟
منى همست:
— دفتر صغير… مكتوب عليه اسم ليان.
أحمد اتصدم.
— بنتنا؟
منى هزت راسها.
— الدفتر اختفى يوم الحادثة.
الأستاذ عادل قال:
— يبقى الدفتر هو بداية كل شيء.
وفي اللحظة دي…
موبايل منى رن.
بصت للشاشة.
وشها اصفر.
كان والدها بيتصل.
ردت وهي بتحاول تثبت صوتها.
— ألو يا بابا.
جالها صوته هاديًا بشكل مرعب:
— خلصتي جلسة العلاج يا حبيبتي؟
منى بصت لأحمد.
وقالت:
— أيوه… لسه خارجة.
محمود ضحك.
— غريبة.
سكت لحظة.
ثم قال:
— أصل عربيتي واقفة قدام عيادة الدكتور سامح… ومش شايفك خارجة لوحدك.
الخط اتقفل.
الدكتور سامح جري ناحية الشباك.
بص من بين الستارة.
وقال:
— في عربية سودا تحت.
عادل جمع الأوراق بسرعة.
أحمد قال:
— نهرب من الباب الخلفي.
سامح هز راسه.
— مفيش باب خلفي.
وفجأة…
سمعوا صوت المصعد وقف في الدور.
ثم صوت خطوات بطيئة.
بتقرب من باب العيادة.
منى همست:
— ده بابا.
أحمد وقف قدامها.
وقبض إيده.
— المرة دي مش هتواجهيه لوحدك.
لكن عادل مسكه.
— لو واجهته دلوقتي، هنخسر كل حاجة.
خبط الباب ثلاث خبطات هادية.
ثم جاء صوت محمود الشهاوي من الخارج:
— افتح يا دكتور سامح… أنا عارف إنهم كلهم عندك.
—
الفصل الرابع
الزائر غير المرغوب فيه
الكل وقف مكانه.
حتى صوت أنفاسهم كان مسموع.
الدكتور سامح قرب من الباب.
لكن أحمد شده من كتفه.
— ما تفتحش.
الصوت جه من الخارج تاني:
— سامح… متخلينيش أكسر الباب وأعمل فضيحة قدام المرضى.
الدكتور بص لعادل.
عادل همس:
— افتح… وخليك طبيعي.
أحمد قال بانفعال:
— طبيعي إزاي وهو عارف إننا هنا؟
عادل رد:
— هو عارف إن في ناس… لكنه مش عارف إحنا نعرف قد إيه.
منى مسكت إيد أحمد.
كانت إيدها ساقعة.
قالت:
— خليه يدخل.
أحمد بص لها.
— إنتِ متأكدة؟
— طول ما إحنا بنهرب منه، هيفضل أقوى.
سامح فتح الباب.
محمود الشهاوي دخل.
كان لابس بدلة رمادية غالية.
وفي إيده عصاية أنيقة رغم إنه ما كانش محتاجها في المشي.
دخل بابتسامة هادية.
بص للدكتور.
ثم لعادل.
ثم لأحمد ومنى.
وقال:
— واضح إن جلسة العلاج النهارده عائلية.
أحمد ما ردش.
محمود قرب من بنته.
— ليه ما قولتيليش إن أحمد جاي؟
منى حاولت تتماسك.
— جه يفاجئني.
محمود ابتسم.
— وأستاذ عادل جه يفاجئك برضه؟
عادل قال:
— كنت براجع حسابات العيادة.
محمود لف له ببطء.
— إنت بطلت تشتغل محاسب من ست شهور.
عادل رد:
— لكن ما بطلتش أفهم في الحسابات.
الابتسامة اختفت من وش محمود.
رفع عينه لأحمد.
— وإنت يا ابني… مخلي مراتك تلف ورا ضهرك وتقابل رجالة غريبة؟
أحمد اندفع نحوه.
لكن منى وقفت بينهم.
— كفاية يا بابا.
محمود بص لها باستغراب مصطنع.
— كفاية إيه يا منى؟ أنا جاي أحمي بيتك.
منى ردت:
— من مين؟ من الناس… ولا منك؟
الغرفة سكتت.
عين محمود لمعت للحظة.
لكن رجع ابتسم.
— شكلك تعبانة من العلاج.
أحمد قال:
— إحنا عرفنا عن الشركة.
محمود بص له.
— شركة إيه؟
— النخبة للاستشارات الطبية.
محمود حط العصاية على الكرسي.
وقال بهدوء:
— شركة من ضمن عشرات الشركات اللي بساهم فيها.
عادل رد:
— الشركة اتحول منها مبلغ لكريم أخو أحمد قبل تزوير تقرير منى بيومين.
محمود بص لعادل.
— لو عندك اتهام رسمي، قدمه للنيابة.
عادل قال:
— هنقدمه.
محمود ضحك.
— قدمه.
بعدين فتح جاكيت بدلته.
وطلع ظرف.
رماه على الترابيزة.
— بس قبل ما تعملوا كده… شوفوا ده.
أحمد فتح الظرف.
لقى صور.
صور لمنى وهي داخلة العيادة.
صور لها وهي قاعدة مع عادل في كافيه.
وصورة للدكتور سامح وهو بيسندها وهي خارجة من العربية.
أحمد بص للصور.
محمود قال:
— محامي شاطر يقدر يحول الصور دي لقضية خيانة… ويخلي أي كلام عن تقارير طبية مجرد محاولة ابتزاز.
منى صرخت:
— إنت اللي مراقبني؟
محمود رد:
— كنت بحميكي.
— من إيه؟
— من غبائك.
أحمد قطع الصور نصين.
وقال:
— الصور دي ملهاش قيمة.
محمود قرب منه.
— في المحكمة، كل حاجة ليها قيمة.
أحمد قال:
— وإصابة بنتك؟ ليها قيمة برضه؟
ملامح محمود اتصلبت.
— إصابة إيه؟
الدكتور سامح فتح ملف الأشعة.
— كسر في الفقرة الرابعة. نتيجة سقوط عنيف من شهرين.
محمود بص لمنى.
نظرة واحدة…
خلتها تتراجع خطوة.
أحمد وقف قدامها.
وقال:
— ما تبصلهاش كده.
محمود رجع بص له.
— أنا أبوها.
أحمد قال:
— وأنا جوزها… ومن النهارده مش هتقرب منها ولا من بنتي.
محمود ضحك.
— بنتك؟
أحمد اتجمد.
منى شهقت.
عادل رفع رأسه بسرعة.
محمود أدرك إنه قال أكثر مما ينبغي.
لكن بدل ما يتراجع…
قعد على الكرسي.
وقال:
— واضح إنكم فتحتم باب… ومش هتعرفوا تقفلوه.
أحمد سأله:
— قصدك إيه بكلمة “بنتك”؟
محمود رد:
— ليان حفيدتي طبعًا.
— إنت قلتها كأنها مش بنتي.
منى بصت لأبوها.
— بابا… إنت بتتكلم عن إيه؟
محمود قام.
مسك عصايته.
وقال:
— مفيش حاجة.
عادل وقف قدام الباب.
— مش هتمشي قبل ما تجاوب.
محمود بص له باحتقار.
— ابعد من طريقي.
عادل ما اتحركش.
قال:
— اسم ليان كان مكتوب في دفتر نجلاء قبل ولادتها بثلاث سنين. ليه؟
اسم نجلاء…
والدة منى المتوفية…
وقع في الغرفة زي القنبلة.
محمود فقد هدوءه لأول مرة.
ضرب الأرض بالعصاية.
وقال:
— الدفتر ده فين؟
عادل ابتسم.
— يبقى إنت فعلًا تعرفه.
محمود اندفع نحوه.
لكن أحمد وقف بينهم.
وقال:
— ابعد عن الراجل.
محمود بص لأحمد.
وقال بصوت منخفض:
— اسمعني يا أحمد… خد مراتك وبنتك وامشوا من البلد أسبوعين. ولما ترجعوا، كل واحد فينا ينسى اللي حصل.
أحمد قال:
— وليه نهرب؟
محمود رد:
— علشان في ناس أخطر مني.
منى قالت:
— مين؟
محمود بص لبنته.
ولأول مرة…
ظهر الخوف الحقيقي في عينه.
قال:
— الناس اللي قت*لت أمك.
منى شهقت.
أحمد اتجمد.
سنين طويلة…
كانوا فاكرين إن نجلاء ماتت بأزمة قلبية.
منى قالت بصوت مكسور:
— ماما ماتت طبيعي.
محمود هز راسه.
— لأ.
— إنت بتكدب.
— أمك اتق*تلت لأنها عرفت حاجة ما كانش لازم تعرفها.
عادل سأله:
— وإنت أخفيت الحقيقة؟
محمود قال:
— كنت بحمي بنتي.
منى صرخت:
— بتحميني لما ضربتني؟ لما هددتني ببنتي؟ لما خليت الحادثة تتزور؟
محمود قال:
— الحادثة كانت رسالة. وأنا دفعت لكريم علشان يقفل الملف ويحميكي من تحقيق أكبر.
أحمد هجم عليه.
مسكه من ياقة بدلته.
— أخويا كان شغال معاك؟
محمود رد وهو ثابت:
— أخوك كان بيطلب الفلوس… وأنا كنت بدفع.
— علشان يعمل إيه؟
— يراقبك.
أحمد سابه بصدمة.
— يراقبني أنا؟
محمود عدل ياقة بدلته.
— من يوم ما اتجوزت منى.
منى قربت من أبوها.
— ليه؟
محمود رد:
— لأن اختيارك لأحمد ما كانش صدفة.
أحمد قال:
— يعني إيه؟
لكن محمود مشي ناحية الباب.
وقبل ما يخرج…
قال:
— اسأل أمك عن ليلة المستشفى… اللي اتولدت فيها ليان.
أحمد بص له بذهول.
محمود فتح الباب.
ثم التفت لمنى.
— عندكم لحد بكرة بالليل. بعدها مش هقدر أحميكم.
ومشي.
أحمد فضل واقف مكانه.
جملة واحدة بتلف في دماغه:
“اسأل أمك عن ليلة المستشفى.”
منى قربت منه.
— أحمد…
لكنه ابتعد عنها.
طلع موبايله.
واتصل بأمه.
ردت عليه بصوتها المعتاد:
— أيوه يا حبيبي.
قال من غير مقدمات:
— يا أمي… إيه اللي حصل ليلة ما ليان اتولدت؟
الصمت في الطرف التاني طال.
أحمد قال:
— يا أمي؟
جاله صوتها مرتجفًا:
— مين قالك تسأل السؤال ده؟
أحمد غمض عينه.
وعرف إن السر حقيقي.
قال:
— جاوبيني.
أمه بدأت تبكي.
وقالت:
— ما تسألنيش في التليفون… تعالى لوحدك.
الخط اتقفل.
منى قالت:
— هاجي معاك.
أحمد رد:
— لأ.
— ليه؟
بصلها بعين مليانة شك جديد.
— لأن كل مرة بقول مفيش أسرار تانية… بكتشف إن حياتي كلها مبنية على كذبة.
ثم خرج من العيادة…
وساب منى واقفة مكانها.
لكن قبل ما يوصل للمصعد…
سمع عادل بيناديه:
— أحمد!
وقف.
عادل جري عليه.
ومد له فلاشة صغيرة.
— خد دي.
أحمد سأل:
— فيها إيه؟
عادل قال:
— نسخة من كل الأدلة. لو حصلي حاجة، ما تثقش في حد.
أحمد حط الفلاشة في جيبه.
— تقصد مين؟
عادل بص ناحية العيادة.
وقال:
— حتى الدكتور سامح.
أحمد رفع عينه بصدمة.
لكن باب المصعد اتفتح.
ولما بص جوه…
لقى أخوه كريم واقف مستنيه.
كريم ابتسم.
وقال:
— رايح فين يا أحمد؟ إحنا لسه ما اتكلمناش.
—
الفصل الخامس
الأخ الذي باع كل شيء
أحمد ما دخلش المصعد.
فضل واقف قدامه.
وكريم جوه…
حاطط إيده في جيبه.
وبيبتسم كأنه جاي يقابله في مناسبة عائلية.
قال كريم:
— هتفضل واقف كده كتير؟
أحمد رد:
— إنت عرفت إني هنا إزاي؟
كريم ضغط زر فتح الباب.
— اركب وأنا أقولك.
أحمد قال:
— اتفضل إنت اطلع.
كريم ضحك.
— لسه عنيد زي زمان.
خرج من المصعد.
وقف قدام أخوه.
كان أصغر من أحمد بخمس سنين.
لكن طول عمره بيعرف يلبس وش البراءة.
قال كريم:
— محمود بيه قال لي إنك بدأت تنبش في حاجات قديمة.
أحمد قبض إيده.
— يعني فعلًا شغال عنده؟
كريم رفع كتفه.
— شغل كلمة كبيرة. أنا كنت بساعده.
— بتراقبني؟
— بحميك.
أحمد ضربه في وشه.
الضربة خلت كريم يتراجع لحد الحيطة.
منى والدكتور وعادل خرجوا من العيادة على الصوت.
منى صرخت:
— أحمد!
لكن أحمد مسك كريم من قميصه.
— كنت بتراقب بيتي؟ مراتي؟ بنتي؟
كريم مسح الدم من شفته.
وبص لأحمد بابتسامة باردة.
— هي قالتلك إن ليان بنتك؟
أحمد رفع إيده علشان يضربه تاني.
لكن الجملة وقفته.
منى صرخت:
— ما تسمعش له!
أحمد لف لها.
— يبقى في حاجة أسمعها؟
كريم عدل قميصه.
وقال:
— اسأل مراتك ليه يوم ولادة ليان ما كانش اسمك مكتوب في الملف الأول.
منى قربت.
— إنت كداب.
كريم قال:
— وأنا عندي نسخة.
أحمد بص له.
— نسخة من إيه؟
كريم طلع موبايله.
فتح صورة.
ومدها لأحمد.
كانت صورة لاستمارة دخول مستشفى.
اسم المريضة: منى محمود الشهاوي.
اسم الزوج…
الخانة كانت فاضية.
وفي خانة المسؤول عن المريضة…
مكتوب اسم رجل اسمه:
“الدكتور رائد منصور.”
أحمد رفع عينه.
— مين رائد منصور؟
منى كانت شاحبة.
قالت:
— طبيب النساء اللي كان متابع حملي.
كريم قال:
— وكان أكتر من طبيب.
أحمد اندفع عليه.
لكن عادل مسكه.
— ما تخليش غضبك يعميك.
كريم قال:
— سيبه. طول عمره بيصدق أي حد غير أخوه.
أحمد صرخ:
— إنت قبضت فلوس علشان تدمر بيتنا!
كريم رد:
— أنا قبضت علشان أعرف الحقيقة.
— حقيقة إيه؟
كريم قرب من أحمد.
وقال بصوت منخفض:
— إن جوازك من منى كان جزء من خطة أبوها.
منى قالت:
— كفاية كذب.
كريم تجاهلها.
— فاكر أول شغلانة كبيرة جات لك بعد الجواز؟ فاكر القرض اللي اتوافق عليه رغم إن أوراقك كانت ناقصة؟ فاكر الشقة اللي اتباعت لك بنص تمنها؟
أحمد افتكر.
كل حاجة فعلًا كانت بتحصل بسهولة غريبة.
كان بيفسرها بالحظ.
وبدعاء أمه.
لكن دلوقتي…
كل التفاصيل بقت مريبة.
سأل:
— محمود عمل كل ده ليه؟
كريم رد:
— علشان كان محتاج اسمك.
— اسمي؟
— اسم عيلتنا.
أحمد ضحك بسخرية.
— إحنا عيلة عادية.
كريم قال:
— أبوك ما كانش عادي.
أحمد اتجمد.
والدهم مات من عشر سنين.
كان موظفًا بسيطًا في بنك.
على الأقل…
ده اللي كانوا يعرفوه.
كريم كمل:
— بابا كان ماسك حسابات ناس كبار. وقبل ما يموت، أخفى مستندات تقدر توقع نص رجال الأعمال في البلد.
عادل قرب.
— إنت عرفت الكلام ده منين؟
كريم قال:
— من محمود بيه.
منى قالت:
— وأنت صدقته؟
كريم بص لها.
— أبوكي هو اللي قال لي إن بابا ما ماتش في حادث عربية… اتق*تل.
أحمد مسك رأسه.
كل وفاة في العيلة…
بقت ج/ريمة.
كل ذكرى…
بقت شك.
قال:
— وليه محمود اختارني أتجوز منى؟
كريم رد:
— لأنه كان فاكر إن أبوك ساب المستندات معاك.
— وأنا ما عنديش حاجة.
— عارف. علشان كده فضل يراقبك سنين.
أحمد سأل:
— وليان؟
كريم سكت.
أحمد قرب منه.
— ليان إيه علاقتها؟
كريم بص لمنى.
وقال:
— منى تقولك.
منى قالت وهي بتبكي:
— مفيش حاجة أقولها. ليان بنتك.
كريم قال:
— طيب اعملي تحليل.
منى اتجمدت.
أحمد لاحظ خوفها.
قال:
— ليه اتخضيتي؟
منى ردت بسرعة:
— ما اتخضتش. بس مش هسمح له يهينني.
كريم ضحك.
— الإهانة أهون من الحقيقة.
أحمد رفع صوته:
— اطلع بره.
كريم مد له كارت.
— ده عنوان مخزن قديم كان بابا مأجره باسم مستعار. محمود فاكر إنه فاضي… لكنه مش فاضي.
أحمد ما خدش الكارت.
كريم حطه في جيب قميصه.
وقال:
— عندك اختيارين. تصدق مراتك وحماك، وتفضل أعمى… أو تيجي معايا الليلة ونفتح المخزن.
عادل قال:
— فخ.
كريم بص له.
— وإنت بالذات ما تتكلمش يا أستاذ عادل.
عادل سأله:
— ليه؟
كريم قرب منه.
— لأنك كنت آخر شخص قابل أبويا قبل ما يموت.
أحمد لف لعادل بصدمة.
— الكلام ده صح؟
عادل ما ردش فورًا.
وده كان كفاية.
أحمد سأله تاني:
— قابلت أبويا؟
عادل قال:
— أيوه.
— وليه مخبي؟
— لأن أبوك طلب مني.
— طلب منك إيه؟
عادل تنهد.
— أحميك من الحقيقة لحد ما تكون مستعد.
أحمد ضحك بمرارة.
— كلكم قررتوا إني مش مستعد! مراتي… أخويا… حمايا… إنت… حتى أمي!
الدكتور سامح قال:
— أحمد، لازم تهدى.
أحمد لف له.
— وإنت دورك إيه؟
الدكتور اتفاجئ.
أحمد افتكر كلام عادل عن عدم الثقة فيه.
قال:
— ليه اتصلت بيا بعد سنة كاملة؟ ليه النهارده بالتحديد؟
سامح رد:
— لأن إصابة منى بقت خطيرة.
— ولا لأن حد أمرك تجمعنا هنا؟
سامح قال:
— أنا حاولت أساعد.
أحمد قرب منه.
— مين اللي دفع مصاريف علاج منى طول السنة؟
الدكتور سكت.
منى بصت له.
— سامح؟
الدكتور قال:
— شركة تأمين خاصة.
عادل سأله:
— اسمها؟
سامح تردد.
ثم قال:
— النخبة للاستشارات الطبية.
الصمت سيطر على المكان.
منى رجعت خطوة.
— يعني أبويا كان بيدفع لك؟
سامح قال بسرعة:
— أنا ما كنتش أعرف إنه والدك. التحويلات كانت بتيجي من الشركة.
أحمد قال:
— كداب.
الدكتور صرخ:
— أنا اللي اتصلت بيك وكشفت كل حاجة!
عادل رد:
— أو جمعتهم في مكان واحد علشان محمود يعرف مين وصل لإيه.
الدكتور سامح بص حواليه.
وعرف إن الكل بدأ يشك فيه.
قال:
— أنا مش هكمل المهزلة دي.
دخل العيادة.
وقفل الباب.
بعد لحظات…
سمعوا صوت حاجة وقعت جوه.
ثم صوت زجاج بيتكسر.
عادل خبط على الباب.
— سامح!
مفيش رد.
فتحوا الباب بالقوة.
دخلوا.
لقوا الشباك مفتوح.
والدكتور اختفى.
منى قالت:
— إحنا في الدور السادس!
أحمد جري للشباك.
بص تحت.
مفيش ج*ثة.
لكن كان في سلم صيانة معدني مثبت بجانب المبنى.
كريم وقف عند الباب.
وقال:
— لسه فاكر إن أنا أسوأ واحد في القصة؟
أحمد بص له.
ثم طلع الكارت من جيبه.
قرأ العنوان.
وقال:
— هنروح المخزن.
منى قالت:
— أنا جاية.
أحمد رد ببرود:
— لأ.
— أحمد، أرجوك.
— روحي هاتي ليان من عند أمي… وخليكم في البيت.
منى قالت:
— البيت مش آمن.
عادل تدخل:
— معاها حق.
أحمد فكر لحظة.
ثم قال:
— خدها إنت وليان على مكان محدش يعرفه.
عادل رد:
— عندي شقة قديمة في المعادي.
كريم ضحك.
— واثق فيه بعد ما عرفت إنه قابل أبوك قبل موته؟
أحمد بص لعادل.
— مش واثق في حد. لكن دلوقتي كل واحد فينا هيمسك على التاني حاجة.
عادل فهم قصده.
أحمد أعطاه الفلاشة.
وقال:
— لو حصل لمنى أو ليان حاجة، ابعت كل اللي فيها للنيابة والصحافة.
عادل أخدها.
لكن منى اعترضت:
— وإنت؟
أحمد قال:
— هعرف أبويا كان مخبي إيه.
منى قربت منه.
— قبل ما تمشي… لازم تعرف حاجة عن ليان.
أحمد وقف.
بص لها.
منى فتحت بوقها علشان تتكلم.
لكن موبايل كريم رن.
رد.
جاله صوت مشوش.
وبعدين وشه اتغير.
قال:
— إمتى؟
قفل المكالمة.
أحمد سأله:
— في إيه؟
كريم رد:
— أمك اختفت.
أحمد مسكه.
— يعني إيه اختفت؟
— الجيران شافوا عربية سودا وقفت قدام البيت… وراجلين أخدوها.
أحمد صرخ:
— مين؟
كريم قال:
— محمود سبقنا.
وفي نفس اللحظة…
وصلت رسالة لأحمد من رقم أمه.
فتحها.
كانت صورة لأمه قاعدة على كرسي…
ووراها باب حديدي.
وتحت الصورة جملة:
“هاتوا دفتر نجلاء… وخدوا أمكم.”
أحمد رفع عينه.
وقال:
— الدفتر في المخزن.
كريم هز راسه.
— يبقى لازم نوصل قبله.
—
الفصل السادس
المخزن رقم سبعة عشر
خرج أحمد وكريم من المبنى بسرعة.
ركبوا عربية كريم.
وطول الطريق…
الصمت كان تقيل.
أحمد كان باصص من الشباك.
كل شوية يفتح صورة أمه.
يكبرها.
يحاول يعرف المكان.
لكن مفيش أي علامة واضحة.
كريم قال:
— لازم نتفق قبل ما نوصل.
أحمد رد من غير ما يبص له:
— مفيش اتفاق بيني وبينك.
— محمود عنده رجالة.
— وأمي عنده.
— لو دخلت مندفع، هتموت قبل ما تعرف مكانها.
أحمد لف له.
— وإنت خايف عليا؟
كريم ابتسم بمرارة.
— رغم كل حاجة… إنت أخويا.
أحمد قال:
— الأخ ما يبعش أخوه.
كريم سكت لحظة.
ثم قال:
— أنا ما بعتكش في الأول.
— يعني إيه؟
— أول مرة محمود طلب مني أراقبك، رفضت. بعدها وراني مستندات بتقول إن بابا كان متهم باختلاس ملايين من البنك.
أحمد قال:
— بابا عمره ما يسرق.
— أنا عارف دلوقتي. لكن وقتها صدقت. محمود قال لي لو ما ساعدتوش، هيسلم الملفات للشرطة ويشوه اسمنا.
— فاخترت تراقبني.
— اخترت أحمي اسم أبويا.
أحمد رد:
— وبعدين عجبتك الفلوس.
كريم ما أنكرش.
قال:
— أيوه. في الأول كنت خايف… بعدين بقيت طماع. وكل مرة كنت بقول دي آخر مرة.
أحمد سأله:
— حادثة منى؟
كريم شد إيده على الدركسيون.
— ما كنتش أعرف إنها هتتعرض للحادث. محمود طلب مني أمسح نسخة من تقريرها وأبدله بتقرير بسيط. قال إن في خطأ تأميني ممكن يعمل مشكلة.
— وخدت الفلوس.
— أيوه.
أحمد بص قدامه.
وقال:
— لو أمي رجعت سليمة، هسلمك بنفسي.
كريم رد:
— عارف.
وصلوا لمنطقة مخازن قديمة خارج المدينة.
المكان كان مظلم.
صفوف من أبواب الحديد الصدئة.
رقم سبعة عشر كان في آخر الممر.
كريم نزل.
طلع مفتاحًا قديمًا.
أحمد سأله:
— المفتاح معاك منين؟
— لقيته في صندوق بابا بعد موته. ما كنتش عارف بيفتح إيه لحد ما محمود قال لي عن المخزن.
فتحوا الباب.
رائحة تراب ورطوبة خرجت.
شغلوا كشافات الموبايل.
المخزن كان مليان كراتين قديمة.
ومكتب خشبي.
وخزانة حديد.
أحمد قال:
— ندور على الدفتر.
بدأوا يفتحوا الصناديق.
صور قديمة.
ملفات بنكية.
شرائط تسجيل.
جرائد من سنين.
كريم وقف قدام صورة.
مسح التراب عنها.
كانت صورة لوالدهم…
واقف بجانب محمود الشهاوي…
ونجلاء والدة منى…
ورجل رابع.
أحمد أخد الصورة.
— مين ده؟
كريم قال:
— معرفش.
على ظهر الصورة مكتوب:
“لجنة الأمانة — 2004.”
أحمد حط الصورة في جيبه.
فتح درج المكتب.
لقى مسجلًا صغيرًا.
وجواره شريط عليه اسمه.
“إلى أحمد.”
إيده اترعشت.
حط الشريط في المسجل.
ضغط تشغيل.
خرج صوت مشوش.
ثم صوت والده.
— أحمد… لو إنت بتسمع التسجيل ده، يبقى أنا فشلت أحميكم.
أحمد قعد على الكرسي.
كريم وقف مكانه.
صوت الأب كمل:
— أنا ومحمود الشهاوي ونجلاء وعادل كنا أعضاء في لجنة داخل البنك للتحقيق في تحويلات غير قانونية. اكتشفنا شبكة بتغسل أموال من خلال شركات طبية وهمية.
أحمد بص لكريم.
الشركة الطبية…
النخبة.
الصوت كمل:
— لما قربنا نوصل لرأس الشبكة، واحد فينا خان الباقيين.
كريم همس:
— مين؟
التسجيل قال:
— الخائن هو محمود الشهاوي.
أحمد غمض عينه.
— محمود سلمهم نسخة من التحقيق. حاولت أنا ونجلاء نخبي النسخة الأصلية. عادل ساعدنا. لكنهم عرفوا.
صوت الأب سعل.
ثم كمل:
— لو حصلي حاجة، المفتاح مش في الملفات. المفتاح في الطفلة.
أحمد فتح عينه.
“الطفلة.”
الصوت قال:
— منى كانت حامل وقتها، ونجلاء قررت تستخدم اسم حفيدتها المنتظرة ككلمة تشفير. كل رقم في الملف مربوط بحروف اسم ليان.
أحمد تنفس.
يبقى ليان ابنته…
لكن اسمها كان مفتاحًا للملفات قبل ولادتها.
التسجيل كمل:
— اخترنا الاسم قبل ما منى تعرف إنها حامل ببنت. نجلاء كانت مصرة عليه لأنها كانت كلمة السر بيننا.
كريم قال:
— يبقى محمود كان بيشككك علشان يبعدك عن الحقيقة.
فجأة…
التسجيل توقف.
ثم بدأ صوت جديد.
صوت خبط.
وصوت والدهم بيقول:
— إنت جيت إزاي؟
جاء صوت رجل:
— كنت عارف إنك هتسجل اعتراف.
أحمد عرف الصوت.
محمود.
ثم صوت شجار.
وضربة قوية.
وصوت والدهم يئن.
وبعدها محمود قال:
— فين الدفتر يا حسن؟
الأب رد بصعوبة:
— عمرك ما هتلاقيه.
صوت طلقة مكتومة.
ثم سكون.
أحمد وقف ببطء.
عينيه مليانة دموع وغضب.
— هو قت/*ل بابا.
كريم كان شاحبًا.
قال:
— وأنا اشتغلت عند قاتله.
أحمد ضرب المسجل على المكتب.
ثم اتجه للخزانة.
— لازم نلاقي الدفتر.
فتحوا الخزانة بالمفتاح.
لقوا بداخلها صندوقًا صغيرًا.
لكن الصندوق كان فاضي.
وعلى قاعه ورقة جديدة نسبيًا.
مكتوب فيها:
“وصلتوا متأخر.”
كريم قال:
— محمود سبقنا.
أحمد قلب الورقة.
على ظهرها عنوان.
وميعاد:
“منتصف الليل — مصنع النور القديم.”
وتحتها:
“هاتوا المفتاح الحقيقي.”
أحمد قال:
— هو فاكر إن الدفتر معانا.
كريم سأل:
— والمفتاح الحقيقي إيه؟
أحمد افتكر كلام أبوه:
“المفتاح في الطفلة.”
قال:
— ليان.
كريم قال بسرعة:
— مستحيل ناخدها.
أحمد رد:
— مش هناخدها. لكن لازم نفهم اسمها بيفتح إيه.
بدأوا يراجعوا الملفات.
أرقام وحسابات مشفرة.
كل صفحة عليها سبعة أعمدة.
أحمد كتب حروف اسم ليان:
ل — ي — ا — ن.
لكن الكود ما اشتغلش.
كريم قال:
— يمكن الاسم كامل.
— ليان أحمد حسن؟
جربوا.
مفيش نتيجة.
فجأة…
سمعوا صوت حركة خارج المخزن.
أحمد طفى الكشاف.
الإتنين سكتوا.
صوت أقدام قرب.
ثم الباب الحديد اتقفل من الخارج.
كريم جري عليه.
حاول يفتحه.
كان مقفول.
بعد ثانية…
شموا رائحة بنزين.
أحمد قال:
— ابعد عن الباب!
شعلة نار دخلت من تحت الباب.
والنار بدأت تمسك في الكراتين.
كريم صرخ:
— حرقونا!
الدخان انتشر بسرعة.
أحمد لف حواليه.
شاف شباك صغير عالي.
جروا المكتب تحته.
كريم طلع.
حاول يكسر الزجاج بكرسي.
بعد ضربات…
اتكسر.
لكن الفتحة ضيقة.
قال كريم:
— اطلع إنت الأول.
أحمد رد:
— لأ، إنت اطلع واسحبني.
كريم طلع نصف جسمه.
وفجأة اتضرب من الخارج.
وقع جوه المخزن.
أحمد رفع عينه.
شاف رجل ملثم عند الشباك.
دخل إيده بمس*دس.
أحمد رمى الكرسي ناحيته.
المس*دس وقع خارجًا.
الرجل اختفى.
النار قربت من المكتب.
كريم كان بينزف من رأسه.
أحمد سحبه.
قال:
— فوق يا كريم!
كريم فتح عينه بصعوبة.
— سيبني… خد التسجيل واخرج.
أحمد صرخ:
— مش هسيبك.
رفع كريم على كتفه.
طلع فوق المكتب.
حاول يدفعه من الشباك.
كريم خرج بصعوبة.
ثم مد إيده لأحمد.
الدخان كان خانقًا.
أحمد مسك إيده.
وفي اللحظة اللي كان بيطلع فيها…
انفجر صندوق خلفه.
الموجة دفعته ناحية الشباك.
كريم شده بكل قوته.
وقعوا الاتنين بره.
وبعد ثواني…
المخزن كله اشتعل.
أحمد قعد على الأرض يسعل.
كريم بجانبه.
قال أحمد:
— التسجيل؟
كريم لمس جيبه.
وشه اتغير.
— وقع جوه.
أحمد قام علشان يرجع.
كريم مسكه.
— هتموت!
— ده الدليل على ق*تل بابا!
وقبل ما أحمد يندفع للنار…
سمعوا صوت امرأة تقول:
— عندي نسخة تانية.
لفوا.
كانت أمهم واقفة خلفهم.
حرة.
وبجانبها منى.
أحمد جري ناحيتها.
حضن أمه.
— إنتِ كويسة؟
أمه كانت بتبكي.
— لحقوني قبل ما يوصلوا بيا للمصنع.
أحمد بص لمنى.
— إزاي عرفتي مكانها؟
منى ردت:
— من الدكتور سامح.
كريم قال:
— سامح هرب.
منى قالت:
— هرب علشان يتتبع العربية اللي خطفتها. هو كان شاكك إن العيادة مراقبة، ولما خرج من الشباك نزل وراهم.
أحمد سأل:
— فين هو؟
منى نزلت عينيها.
— اتصاب.
أحمد قال:
— إصابة إيه؟
أمه ردت:
— ضربوه بالنار… وهو اللي فتح باب العربية وخرجني قبل ما يقع.
أحمد حس بالذنب.
كان شك فيه.
منى قالت:
— الإسعاف خدته. حالته خطيرة.
كريم بص لأمه.
— قلتي إن عندك نسخة تانية من التسجيل؟
الأم هزت راسها.
— أبوكم اداني شريط قبل ما يموت. وخبيته طول السنين.
أحمد قال:
— فين؟
الأم ردت:
— في بيتنا.
منى قالت:
— لازم نروح ناخده قبل محمود.
الأم بصت لهم بخوف.
— محمود مش بيدور على التسجيل بس.
أحمد سأل:
— بيدور على إيه؟
قالت:
— الدفتر.
— تعرفي مكانه؟
الأم هزت راسها.
— نجلاء ادتهولي ليلة ولادة ليان.
أحمد قال بسرعة:
— فين هو؟
الأم بصت لمنى.
ثم قالت:
— خيطته جوه بطانية الطفلة.
منى اتجمدت.
— البطانية الوردية؟
الأم قالت:
— أيوه.
منى حطت إيدها على بقها.
أحمد سأل:
— فين البطانية؟
منى ردت بصوت مرتجف:
— اديتها لدار أيتام من شهرين… ضمن تبرعات هدوم ليان القديمة.
—
الفصل السابع
البطانية الوردية
الوقت كان بيجري.
منتصف الليل قرب.
والبطانية اللي فيها الدفتر…
ممكن تكون في إيد أي حد.
ركبوا العربيات.
منى وأحمد وأمه في عربية.
وكريم وراهم بعربيته.
طول الطريق لدار الأيتام…
أحمد كان ساكت.
منى حاولت تتكلم.
— أحمد…
قال من غير ما يبصلها:
— ليان بنتي؟
منى ردت فورًا:
— بنتك.
— ليه خوفتِ من التحليل؟
— لأن كريم كان بيهينني… ولأنك للحظة صدقته.
أحمد قال:
— أنا ما صدقتوش.
— شفت الشك في عينك.
أحمد سكت.
منى مسحت دموعها.
— أنا عرفت إني حامل بعد أسبوعين من جوازنا. والدكتور رائد كان طبيبي لأنه صاحب بابا. ليلة الولادة حصل نزيف مفاجئ، وإنت كنت مسافر ترجع والدتك من البلد. رائد هو اللي دخلني المستشفى، علشان كده اسمه اتكتب مسؤول عن الحالة قبل ما توصل.
أحمد افتكر.
كان فعلًا في الطريق وقتها.
وصل بعد دخولها العمليات.
قال:
— ليه اسمي ما اتكتبش بعدين؟
— اتكتب في الملف النهائي. كريم ورّاك أول ورقة بس.
الأم تدخلت:
— ليان بنتك يا أحمد. أنا كنت معاها يوم الولادة.
أحمد أخد نفسًا عميقًا.
مد إيده لمنى.
مسك إيدها.
وقال:
— أنا آسف.
منى سكتت لحظة.
ثم ضغطت على إيده.
— خلينا ننقذ بنتنا الأول… وبعدها نحاسب بعض على الأسرار.
وصلوا دار الأيتام.
الباب كان مقفول.
أحمد خبط بعنف.
بعد دقائق…
فتحت لهم راهبة مسنة مسؤولة عن الدار.
منى شرحت بسرعة.
المرأة قالت:
— التبرعات القديمة اتفرزت. بعض الهدوم اتوزعت على الأطفال، والباقي اتباع في بازار خيري.
أحمد سأل:
— البطانية الوردية راحت فين؟
المرأة حاولت تفتكر.
— كان عليها اسم مطرز؟
منى قالت:
— اسم ليان… بخيط أبيض.
المرأة هزت راسها.
— فاكرة البطانية. طفلة صغيرة اسمها سارة اختارتها.
منى قالت:
— نقدر نشوفها؟
المرأة أدخلتهم.
مشوا في ممر هادي.
وصلوا لغرفة فيها أسرّة أطفال.
سارة كانت نايمة…
والبطانية الوردية فوقها.
منى قربت منها بهدوء.
لمست البطانية.
عينيها دمعت.
كانت أول بطانية لفت فيها بنتها بعد الولادة.
الأم قالت:
— الخياطة كانت في الحافة من تحت.
أحمد رفع البطانية بحذر.
لكن قبل ما يفتح الحافة…
ظهرت مديرة الدار.
وقالت:
— آسفة، ما ينفعش تاخدوا حاجة اتبرعتوا بيها.
منى قالت:
— جوه البطانية أوراق خطيرة.
المديرة ردت:
— هاتوا إذن رسمي.
أحمد قال:
— مفيش وقت.
المديرة وقفت قدامهم.
— دي مؤسسة، مش بيتكم.
فجأة…
نور المبنى قطع.
الأطفال بدأوا يعيطوا.
أحمد لف ناحية الباب.
سمع صوت كسر زجاج.
صرخ:
— اقفلوا الأبواب!
رجالة دخلوا من المدخل الخلفي.
كريم ظهر في الممر.
وقال:
— محمود وصل!
أحمد شال الطفلة سارة من السرير.
وناولها لمنى.
— خديها وادخلي أي أوضة واقفلي.
منى أخدت الطفلة.
والأم والمديرة دخلوا معها غرفة جانبية.
أحمد وكريم وقفوا في الممر.
ثلاثة رجال ظهروا.
أحدهم قال:
— البطانية وبنمشي.
أحمد رد:
— تعال خدها.
الرجل هجم.
أحمد تفادى الضربة.
ضربه في بطنه.
كريم اشتبك مع الرجل الثاني.
أما الثالث…
فطلع سكينًا.
جرى ناحية الغرفة.
كريم صرخ:
— أحمد!
أحمد مسك كرسيًا صغيرًا.
رماه في طريق الرجل.
وقع.
لكن قام بسرعة.
قبل ما يوصل للباب…
طلقة اتضربت في السقف.
الكل اتجمد.
الدكتور سامح كان واقف عند نهاية الممر.
كتفه ملفوف بضمادة.
وفي إيده مس*دس رجل الأمن.
قال:
— أي حد يتحرك… هضرب رجله.
أحد الرجال حاول يهرب.
سامح وجه الس*لاح ناحيته.
— على الأرض!
بعد دقائق…
صوت الشرطة قرب.
الرجالة حاولوا يهربوا من الشبابيك.
اتقبض على اتنين.
والثالث هرب.
أحمد جري ناحية سامح.
مسكه قبل ما يقع.
قال:
— إنت المفروض في المستشفى.
سامح ابتسم بتعب.
— كرهت المستشفيات.
منى خرجت وهي شايلة سارة.
الطفلة كانت بتهدى.
أحمد أخد البطانية.
الأم فتحت الحافة بحذر.
طلعت كيسًا بلاستيكيًا رفيعًا.
جواه دفتر صغير.
على غلافه مكتوب:
“ليان.”
أحمد فتحه.
الصفحات كانت مليانة أرقام وأسماء وتواريخ.
وفي آخر صفحة…
صورة مثبتة.
صورة محمود الشهاوي مع رجل مجهول.
منى بصت للصورة.
وقالت:
— أنا شفت الراجل ده قبل كده.
أحمد سأل:
— مين؟
منى ردت:
— الدكتور رائد منصور.
طبيب ولادتها.
سامح قال:
— رائد مش مجرد طبيب. هو رئيس مجلس إدارة أكبر سلسلة مستشفيات خاصة.
كريم قال:
— وشركة النخبة بتتبع مستشفياته.
عادل وصل في اللحظة دي.
كان مع ضباط الشرطة.
أول ما شاف الدفتر…
قال:
— أخيرًا.
أحمد بص له.
— تعرف تفك الشفرة؟
عادل أخد الدفتر.
قلب الصفحات.
ثم قال:
— محتاج اسم ليان وتاريخ ميلادها.
منى قالت التاريخ.
عادل بدأ يجمع الأرقام.
وبعد دقائق…
وشه تغير.
أحمد سأله:
— لقيت إيه؟
عادل رد:
— قائمة بأطفال اتولدوا في مستشفيات رائد منصور… واتسجلوا بأسماء عائلات غير عائلاتهم.
منى شهقت.
— تبديل أطفال؟
عادل قال:
— أكتر من كده. في أطفال اتسجلوا إنهم ماتوا… لكن تم بيعهم لعائلات غنية.
المديرة حطت إيدها على بقها.
أحمد سأل:
— وليان علاقتها إيه؟
عادل قلب لصفحة عليها تاريخ ميلاد ليان.
وقف.
بص لأحمد ومنى.
وقال:
— في طفلين اتولدوا في نفس الليلة بنفس رقم الملف.
منى ضمت سارة لصدرها.
— تقصد إيه؟
عادل قال:
— معنى كده إن في طفلة تانية اتولدت باسم ليان.
أحمد رد:
— وبنتنا؟
عادل أشار للسطر.
— الملف بيقول إن واحدة خرجت مع منى… والتانية اتسجلت وفاة.
منى بدأت تتنفس بصعوبة.
— مستحيل.
سامح قال:
— لازم نعمل تحليل DNA.
أحمد بص له.
الجملة اللي كان يرفضها قبل ساعات…
بقت دلوقتي ضرورة.
منى قالت:
— حتى لو ليان مش بنتنا بالدم… هي بنتنا.
أحمد مسك إيدها.
— عمرها ما هتكون غير بنتنا.
عادل قال:
— لكن لازم نعرف الطفلة التانية راحت فين.
المديرة اللي كانت ساكتة…
بصت للطفلة سارة في حضن منى.
وقالت:
— سارة وصلت الدار من ست سنين… من غير شهادة ميلاد أصلية.
منى بصت لها.
— عندها كام سنة؟
المديرة ردت:
— سبع سنين.
نفس عمر ليان.
أحمد بص للطفلة.
ثم للصورة القديمة في الدفتر.
المديرة كملت:
— والراجل اللي سلّمها للدار… كان دكتور.
سامح سأل:
— اسمه إيه؟
قالت:
— رائد منصور.
الصمت نزل على المكان.
منى بصت لسارة.
ملامحها كانت مألوفة بشكل غريب.
نفس شكل عيني ليان.
نفس الغمازة الصغيرة في خدها.
الأم قربت من الطفلة.
وهمست:
— يا نهار أبيض…
أحمد قال:
— لازم نعمل التحليل للبنتين.
لكن قبل ما يكمل…
تليفونه رن.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت محمود الشهاوي:
— مبروك… لقيتوا الدفتر.
أحمد قال:
— اللعبة انتهت.
محمود ضحك.
— بالعكس… اللعبة بدأت.
— أمي معايا، والدفتر مع الشرطة.
محمود رد:
— واللي يهمك أكتر من أمك والدفتر… معايا.
أحمد قلبه وقع.
لف حواليه.
منى كانت قدامه.
أمه موجودة.
سارة موجودة.
قال:
— تقصد مين؟
محمود قال:
— ليان.
أحمد جري ناحية الخارج.
— ليان فين؟
محمود رد:
— حفيدتي كانت في البيت مع الجارة… لكن مش دلوقتي.
منى سمعت.
صرخت:
— بنتي!
محمود قال:
— منتصف الليل في مصنع النور. هات الدفتر… وتعالى لوحدك.
الخط اتقفل.
منى انهارت.
أحمد مسكها.
قالت:
— لازم نروح.
عادل قال:
— الشرطة هتتحرك.
أحمد هز راسه.
— لو شاف الشرطة، هيق*تلها.
سامح قال:
— ولو رحت لوحدك، هيقت*لك إنت وهي.
كريم قرب.
— مش هيروح لوحده.
أحمد بص له.
كريم قال:
— هو طلب أحمد لوحده… مش قال إننا لازم نطيعه.
أحمد بص للساعة.
كان فاضل أربعين دقيقة على منتصف الليل.
ضم منى.
وقال:
— هرجعها.
منى مسكت قميصه.
— أوعى توعدني وعد مش هتقدر تنفذه.
أحمد بص في عينيها.
— مش وعد… دي بنتي. ولو اضطر أهد المصنع فوق راسهم، هرجعها.
خرج أحمد وكريم.
وعادل بدأ ينسخ صفحات الدفتر للشرطة.
لكن أثناء انشغال الجميع…
الطفلة سارة مدت إيدها ناحية الدفتر.
فتحت الصفحة الأخيرة.
وبصت لصورة رائد منصور.
ثم قالت بصوت صغير:
— ده الراجل اللي بيجي ياخد الأطفال بالليل.
المديرة اتجمدت.
سألتها:
— أطفال مين يا سارة؟
سارة ردت:
— الأطفال اللي بيوصلوا جديد… بياخدهم، ومبيرجعوش.
منى وعادل تبادلوا نظرة مرعبة.
القضية ما كانتش ج*ريمة قديمة.
الشبكة لسه شغالة.
ولسه بتخطف أطفال لحد النهارده.
يتبع