اسوره حكايات أسما السيد
اشتريت إسورة من سوق الجمعة… وبعد ما قلبتها لقيت اسم بنتي المختفية من 10 سنين محفور عليها. تاني يوم الصبح، صحيت على عربيات شرطة مالية الشارع، والضابط قال: “إحنا جايين بسبب الإسورة… لأنها ممكن تكون أول دليل يوصلنا لبنتك.”
الجزء الأول
اسمي منى…
عندي 54 سنة.
ومن عشر سنين…
بنتي ريم خرجت من البيت رايحة شغلها.
وما رجعتش.
اختفت…
كأن الأرض انشقت وبلعتها.
دورنا في كل مكان.
بلغنا الشرطة.
نشرنا صورها.
لفينا المستشفيات.
وأقسام الشرطة.
وملاجئ البنات.
لكن…
ولا أي أثر.
الناس كلها قالتلي:
“احتسبيها عند ربنا.”
“أكيد ماتت.”
لكن أنا…
عمري ما صدقت.
كان جوايا إحساس إنها لسه عايشة.
وإنها هترجع في يوم.
الجمعة اللي فاتت…
كنت في سوق الجمعة بالسيدة عائشة.
بلف بين البياعين.
وفجأة…
عيني وقعت على إسورة دهب.
قلبي وقف.
عرفتها من أول نظرة.
الإسورة دي…
جوزي كان عاملها مخصوص لبنتنا يوم تخرجها من الجامعة.
وكان مكتوب عليها من جوه:
“لريم… من ماما وبابا.”
كانت ريم ما بتخلعهاش أبدًا.
حتى يوم اختفائها.
قربت من الراجل اللي بيبيعها.
وقلت وأنا صوتي بيرتعش:
“الإسورة دي جبتها منين؟”
رد من غير ما يبصلي:
“واحدة باعتها الصبح.”
“لو عجباكي… بـ2000 جنيه.”
مسكتها بإيدي.
وقلبتها.
ولقيت الحفر اللي حافظاه.
“لريم… من ماما وبابا.”
الدنيا لفت بيا.
قلت بسرعة:
“البنت اللي باعتها شكلها كان عامل إزاي؟”
حك دقنه شوية وقال:
“طويلة…”
“رفيعة…”
“شعرها كيرلي.”
“وكانت مستعجلة.”
الوصف…
هو هو ريم.
دفعت الفلوس.
وأخدت الإسورة.
ورجعت البيت أجري.
أول ما جوزي شافها…
وشه اتغير.
واتعصب بشكل عمره ما عمله.
وقال وهو بيزعق:
“كفاية بقى يا منى!”
“ريم مش راجعة.”
“أكيد حد سرق الإسورة وباعها.”
“بطلي تعلقي نفسك بأمل كداب.”
ماقدرتش أرد.
دخلت أوضتي.
وقعدت أعيط.
وحاضنة الإسورة…
كأن بنتي نفسها رجعت لحضني.
تاني يوم الصبح…
صحيت على خبط جامد على الباب.
قمت مفزوعة.
فتحت…
لقيت ظابطين.
ووراهم أكتر من عربية شرطة.
والجيران كلهم واقفين بيتفرجوا.
واحد من الضباط قال:
“حضرتك مدام منى؟”
قلت:
“أيوه.”
قال بجدية:
“إحنا جايين بسبب الإسورة اللي اشتريتيها امبارح.”
قلبي وقع.
قلت:
“في إيه؟”
بصلي وقال:
“الإسورة دي ظهرت عندنا في قضية جديدة.”
“ولازم حضرتك تيجي معانا حالًا.”
وقبل ما أسأله أي سؤال…
لمحت بعيني عربية شرطة تانية واقفة آخر الشارع…
وكان نازل منها…
راجل مكبل بالكلابشات.
أول ما شاف الإسورة في إيدي…
وشه اصفر…
وصرخ بصوت هز الشارع كله:
“أنا ما قتلتهاش… والله البنت كانت لسه عايشة!”
في اللحظة دي…
عرفت إن بعد عشر سنين من الصمت…
الحقيقة أخيرًا بدأت تظهر.
يتبع… لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليـكم باللينـك – حكـايات أسمـا السيـد
الفصل الثاني
صرخة الرجل شقت الشارع كله.
“أنا ما قتلتهاش… والله البنت كانت لسه عايشة!”
حسيت رجلي مش شايلاني.
بصيت للضابط، لقيته هو كمان متفاجئ.
جرى اتنين من العساكر على الرجل، وحاولوا يركبوه العربية بسرعة، لكنه فضل يكرر وهو بيقاوم:
“أنا مجرد نقلتها… ما لمستهاش… والله العظيم!”
صرخت وأنا بجري ناحيته:
“ريم فين؟! بنتي فين؟!”
شدني الضابط برفق وقال:
“اهدَي يا مدام منى… كل حاجة هنعرفها.”
…
في مديرية الأمن، دخلوني أوضة هادية.
قدامي كانت الإسورة محطوطة في كيس أدلة شفاف.
الضابط فتح ملف قديم مكتوب عليه اسم ريم.
وقال:
“القضية اتقفلت ضد مجهول من سنين… لكن من أسبوع ظهر بلاغ جديد عن عصابة كانت بتستغل هويات مزورة، وأثناء التحقيقات لقينا خيط وصلنا للإسورة.”
بصيتله وأنا دموعي بتنزل.
“يعني بنتي عايشة؟”
سكت شوية.
وقال:
“لحد دلوقتي… ما نقدرش نأكد.”
…
دخلوا الرجل المقبوض عليه.
كان اسمه شوقي.
وشه شاحب، وإيده بتترعش.
أول ما شافني نزل راسه.
الضابط قال له:
“احكي.”
قال بصوت مبحوح:
“من عشر سنين… طلبوا مني أوصل بنت من القاهرة لمخزن قديم.”
حسيت قلبي هيقف.
“كانت مربوطة؟”
هز راسه بالنفي.
“لا… كانت مخدرة.”
صرخت:
“مين اللي طلب منك؟!”
قال:
“كنت شغال سواق… وما كنتش أعرف هما مين.”
الضابط خبط على الترابيزة.
“وبعدين؟”
قال:
“وصلتها… وخدت فلوسي… ومشيت.”
“بعد يومين سمعت إن المكان اتفض.”
“ومن ساعتها ما شفتهاش.”
…
طلعوا صور قديمة لمخزن مهجور.
كان اتهدم من خمس سنين.
لكن قبل الهدم، الشرطة كانت لقت فيه آثار إقامة ناس لفترة طويلة.
الضابط قال:
“واضح إن العصابة كانت بتنقل الضحايا من مكان لمكان.”
سألته بسرعة:
“يعني ممكن ريم خرجت من هناك؟”
قال:
“ممكن.”
الكلمة الصغيرة دي رجعتلي الأمل من جديد.
…
بعد ساعات، دخل خبير الأدلة.
كان ماسك تقريرًا.
قال:
“الإسورة عليها بصمات حديثة.”
رفعت راسي بسرعة.
“بصمات مين؟”
رد:
“لسه بنطابقها.”
لكن المفاجأة كانت في آخر التقرير.
كان فيه أثر بسيط من كريم طبي حديث على قفل الإسورة.
الخبير قال:
“الكريم ده بيتصرف غالبًا لمرضى عندهم حروق أو جراحات جلدية.”
افتكرت فورًا…
ريم كانت عندها حساسية عمرها ما استخدمت النوع ده.
يبقى…
مين اللي كان لابس الإسورة الأيام الأخيرة؟
…
بعد يومين.
الشرطة وصلت للبياع في سوق الجمعة.
اعترف إن الست اللي باعت الإسورة كانت لابسة نقاب.
لكن لما شافوا كاميرات محل قريب…
ظهر جزء من وشها وهي بتركب تاكسي.
الضابط وقف قدام الشاشة فجأة.
وكبر الصورة.
كل الموجودين سكتوا.
أنا كمان قربت.
وفي اللحظة دي…
حسيت أنفاسي اتقطعت.
ملامح الست…
كانت شبه ريم بشكل يخوف.
لكن كان فيه ندبة طويلة على خدها الشمال.
الضابط بصلي وقال بهدوء:
“احتمال كبير دي بنتك…”
ثم أكمل:
“لكن السؤال…
هي باعت الإسورة بنفسها…
ولا حد أجبرها؟”
وانتهى اليوم بأمر عاجل بتتبع التاكسي…
بينما كنت أنا واقفة قدام الشاشة…
بدعي لأول مرة من عشر سنين…
إن يكون الأمل اللي عشت عليه…
حقيقي.
الفصل الثالث
تاني يوم قبل شروق الشمس…
كنت قاعدة في مكتب الضابط أحمد، وإيدي ماسكة صورة ريم وهي عندها أربعة وعشرين سنة.
قدامي على الشاشة كانت صورة الست اللي باعت الإسورة.
نفس العينين…
نفس شكل الحاجبين…
لكن الندبة اللي على خدها الشمال كانت كأنها بتحكي عشر سنين من الوجع.
دخل عسكري بسرعة.
وقال:
“يا فندم… وصلنا لسواق التاكسي.”
وقف الضابط فورًا.
“فين؟”
“بره.”
دخل راجل في الخمسينات.
كان متوتر.
قال:
“أيوه… أنا اللي وصلتها.”
سأل الضابط:
“نزلتها فين؟”
رد:
“في قرية صغيرة على طريق الفيوم.”
“قدام مركز خيري اسمه دار الرحمة.”
قلبي دق بعنف.
الضابط ما ضيعش ثانية.
خلال ساعة…
كنا في الطريق.
…
وصلنا للمكان.
المبنى كان قديم…
وبابه الحديد متقشر.
استقبلتنا ست كبيرة في السن.
أول ما شافت صورة ريم…
اتغير لون وشها.
قالت بهدوء:
“الاسم اللي عندنا مش ريم.”
“اسمها هنا كان رنا.”
شهقت.
“هي فين؟”
نزلت الست رأسها.
وقالت:
“كانت عايشة معانا حوالي ست شهور.”
“جت وهي فاقدة جزء كبير من ذاكرتها.”
“ما كانتش فاكرة غير اسمها الأول.”
“وكان على وشها أثر حرق.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
سألتها بسرعة:
“وسابت الدار ليه؟”
ردت:
“في راجل جه وقال إنه قريبها.”
“جاب أوراق تثبت كده.”
“وخدها معاه.”
الضابط سألها:
“فاكرة اسمه؟”
قالت:
“كمال…”
“كمال نصار.”
…
أول ما الاسم اتقال…
وش الضابط اتغير.
فتح اللابتوب بسرعة.
وظهر ملف جنائي.
كمال نصار…
نصاب محترف.
مزور هويات.
ومتهم في قضايا اتجار بالبشر.
لكن من خمس سنين…
اختفى.
…
قبل ما نمشي…
الست الكبيرة جريت ورانا.
وقالت:
“استنوا.”
دخلت أوضتها.
ورجعت بصندوق خشب صغير.
فتحته.
وقالت:
“دي الحاجة الوحيدة اللي سابتها.”
كان فيه صورة قديمة.
ريم…
واقفة في جنينة الدار.
وبتبتسم.
لكن اللي خلاني أتجمد…
إنها كانت شايلة طفل صغير عمره حوالي سنة.
على ضهر الصورة…
مكتوب بخط إيدها:
“لو حد لقى الصورة دي… قولوا لماما إني بحاول أرجعلها… وسامحوني.”
وقعت الصورة من إيدي.
وصرخت لأول مرة من عشر سنين:
“ريم كانت عايشة…”
لكن الضابط أخد الصورة، ودقق فيها.
وقال بهدوء:
“استني…”
“في حاجة أهم.”
بصينا كلنا للصورة.
وفي زاوية بعيدة جدًا…
كان ظاهر جزء من لافتة محل.
كبرها خبير الأدلة على الكمبيوتر.
وظهرت كلمة واحدة فقط…
“النخيل”.
ابتسم الضابط لأول مرة.
وقال:
“عرفت المكان…”
“ولو الحسابات صح…”
“إحنا أقرب لريم النهارده من أي وقت فات.”
خرجت قوة الشرطة فورًا لتنفيذ المأمورية…
بينما كان قلبي يردد دعاءً واحدًا:
“يارب… تكون لسه عايشة.”
الفصل الرابع
انطلقت سيارات الشرطة قبل غروب الشمس.
وأنا قاعدة في العربية جنب الضابط أحمد، حاضنة الصورة اللي لقيتها في دار الرحمة.
كل دقيقة كانت بتعدي…
كانت بتحسسني إن عشر سنين من عمري بيرجعوا قدامي.
بعد ساعتين…
وصلنا لمنطقة صناعية قديمة.
اللافتة اللي في الصورة كانت فعلًا فوق ورشة نجارة اسمها “النخيل”.
لكن الورشة كانت مقفولة.
الضابط نزل ومعاه القوة.
بدأوا يسألوا أصحاب المحلات.
لحد ما راجل عجوز قال:
“الورشة دي اتباعت من سنتين.”
“لكن قبلها كان فيه راجل اسمه كمال بيأجر المخزن اللي وراها.”
اتبادل الضباط النظرات.
المخزن…
هو الهدف الحقيقي.
الباب الحديد كان عليه قفل جديد.
كسروه.
ودخلوا.
المكان فاضي…
إلا من تراب كتير وأثاث مكسور.
بدأت أحس إننا وصلنا متأخر.
لكن فجأة…
أحد أفراد الأدلة الجنائية نادى:
“يا فندم… تعالى.”
في ركن بعيد…
كان فيه سرير حديد صغير.
وعليه بطانية أطفال.
وجنبه شنطة جلد قديمة.
فتحوا الشنطة.
كان فيها شوية هدوم حريمي.
وصورة.
أول ما شفتها…
صرخت.
كانت ريم.
لكن الصورة حديثة.
شكلها أكبر.
أضعف.
وعلى خدها الشمال نفس الندبة.
وكانت واقفة وهي حاضنة نفس الطفل اللي شوفناه في صورة دار الرحمة.
ورا الصورة مكتوب بقلم أزرق:
“آدم… خمس سنين.”
بكيت وأنا بضم الصورة لصدري.
بنتي…
كانت أم.
وأثناء تفتيش المخزن…
لقوا حاجة أغرب.
دفتر حسابات.
كل صفحة فيها تواريخ وأسماء.
لكن جنب اسم واحد بس…
كان مكتوب بخط أحمر:
“ريم… نقلت إلى الفيلا.”
سأل الضابط:
“أنهي فيلا؟”
وقبل ما حد يرد…
دخل عسكري جري وهو ماسك موبايل.
“يا فندم… قبضنا على كمال نصار.”
وقف الجميع.
“فين؟”
“كان بيحاول يهرب.”
بعد ساعة…
كمال كان قاعد في غرفة التحقيق.
أول ما شاف صورة ريم…
ابتسم ابتسامة باردة.
وقال:
“دورتوا عليها عشر سنين…”
“ولسه فاكرين إنكم هتلاقوها؟”
خبط الضابط على الترابيزة.
“هي فين؟”
رد بمنتهى الهدوء:
“حتى لو قلتلكم…”
“يمكن تكونوا وصلتوا متأخر.”
صرخت فيه:
“بنتي عايشة؟!”
بصلي لأول مرة.
وسكت ثواني.
ثم قال:
“آخر مرة شفتها…”
“كانت عايشة.”
الكلمة دي رجعت الروح لجسمي.
لكن اللي قاله بعدها…
خلّى كل اللي في الأوضة يتجمد.
قال:
“بس اللي لازم تدوروا عليه دلوقتي…”
“مش ريم.”
“دوروا على ابنها…”
“لأن فيه ناس مستعدين يقتلوا أي حد يعرف الحقيقة.”
ساد الصمت.
الضابط أحمد بصل لزمايله وقال:
“من اللحظة دي…”
“القضية بقت إنقاذ شخصين… مش شخص واحد.”
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
ثم اتغير لون وشه.
بصلي وقال بصوت منخفض:
“لقينا مكان الفيلا…”
“لكن القوة اللي راحت هناك…”
“اتعرضت لإطلاق نار.”
يتبع…
الفصل الخامس
سكت الضابط أحمد للحظة…
وبعدين قال في جهاز اللاسلكي:
“محدش يقتحم المكان… استنوا الدعم.”
لكن الرد اللي جه من الطرف التاني كان مرعبًا:
“يا فندم… فيه ست خرجت من الفيلا ومعاها طفل… وفي عربية سودا خدتها وهربت.”
قلبي وقع.
صرخت:
“ريم!”
جرينا كلنا ناحية العربيات.
والسارينة شقت الطريق.
…
بعد عشرين دقيقة…
وصلنا الفيلا.
كانت في آخر طريق زراعي، محاطة بسور عالي وكاميرات مراقبة.
بابها مكسور.
وأثر الرصاص في كل مكان.
دخلت قوات الشرطة بحذر.
لقيوا اتنين من أفراد العصابة مصابين، والباقي هرب.
وفي أوضة صغيرة تحت السلم…
كان فيه سرير.
ولعبة أطفال.
ورسومات على الحيطة.
إحداها كانت لشمس كبيرة، وبيت، وست ماسكة إيد طفل.
وتحتها مكتوب بخط طفل:
“أنا وآدم وماما.”
دموعي نزلت.
الضابط أحمد قال:
“هما كانوا هنا لحد من كام ساعة بس.”
…
وأثناء التفتيش…
فتح أحد الضباط درجًا سريًا في مكتب قديم.
كان فيه هاتف محمول.
ولما خبير الأدلة شغله…
لقينا عشرات الصور.
آخر صورة كانت بتاريخ أمس.
ريم.
أنحف بكتير.
وعلى خدها الندبة.
لكن عينيها…
كانت نفس عيون بنتي.
وفي حضنها ولد صغير، عمره حوالي ست سنين.
وكانت الصورة متصورة خلسة، كأن حد بيراقبهم.
…
فجأة…
رن الهاتف.
الجميع اتجمد.
الضابط شغل مكبر الصوت.
صوت راجل قال بهدوء:
“واضح إنكم وصلتوا أسرع مما توقعت.”
قال الضابط:
“مين أنت؟”
ضحك.
“أنا الوحيد اللي يعرف ريم فين.”
صرخت:
“سيب بنتي!”
قال ببرود:
“مش هأذيها…”
“لو نفذتوا اللي هطلبه.”
أغلق الخط.
لكن خبير الاتصالات بدأ يتتبع المكالمة فورًا.
بعد دقائق قال:
“المكالمة طالعة من مخزن في الميناء القديم.”
…
تحركت قوة كبيرة.
لكن أول ما اقتربوا…
كان المكان فاضي.
إلا من كرسي مربوط فيه رجل عجوز.
فكوا قيوده بسرعة.
أول ما شافني…
بدأ يبكي.
وقال:
“أنا الدكتور سامح…”
“أنا اللي عالجت بنتك من عشر سنين بعد ما أنقذوها وهي مصابة.”
شهقت.
“يعني ريم كانت عايشة من أول يوم؟”
هز رأسه بأسى.
“أيوه…”
“لكن العصابة هددت بقتل الطفل لو حاولت تهرب أو تبلغ عنهم.”
ساد صمت ثقيل.
ثم أخرج الدكتور ظرفًا صغيرًا من جيبه.
وقال:
“قالتلي… لو حصل لي أي حاجة، أوصل ده لأمها.”
فتحت الظرف وإيديا بتترعش.
كان فيه خطاب بخط ريم.
أول سطر فيه خلاني أنهار من البكاء:
“ماما… لو الرسالة دي وصلتلك، اعرفي إني ما بطلتش أدور عليكي يوم واحد… وكل اللي عملته كان عشان أحمي ابني.”
وفي آخر الرسالة…
كتبت عنوانًا واحدًا…
وقالت:
“لو لسه في أمل… هتلاقوني هناك قبل شروق الشمس.”
نظر الضابط أحمد إلى ساعته…
ولم يبقَ على شروق الشمس…
إلا أقل من ثلاث ساعات.
الفصل السادس
الساعة كانت ٣:٤٥ فجرًا.
العنوان اللي كتبته ريم كان لمزرعة قديمة مهجورة على أطراف الصحراء.
أكتر من عشر عربيات شرطة اتحركت في صمت.
الضابط أحمد بصلي وقال:
“هتنزلي من العربية بس لما أقولك.”
هزيت راسي.
لكن قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامعاه.
…
وصلنا قبل الشروق بدقائق.
المزرعة كانت غارقة في الضباب.
فجأة…
ظهر ولد صغير من بين الأشجار.
كان ماسك دب أبيض قديم.
وقف يبص للعربيات بخوف.
وأول ما شاف صورتي اللي كانت في إيدي…
جري ناحيتي.
قبل ما أي حد يمنعه.
وقف قدامي وقال بصوت بريء:
“إنتِ… تيتة منى؟”
اتجمدت مكاني.
ركعت على الأرض.
“إنت اسمك إيه يا حبيبي؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“آدم.”
حضنته وأنا بعيط.
سألته وأنا برتجف:
“ماما فين يا آدم؟”
بص ناحية المخزن القديم.
وقال:
“ماما قالتلي أول ما أشوف الشرطة أستخبى… بس هي لسه جوه.”
…
في نفس اللحظة…
دوى صوت طلقة نار.
القوات اندفعت ناحية المخزن.
والضابط أحمد كان أول واحد دخل.
أنا حاولت أجري وراهم.
لكن العساكر وقفوني.
ثواني…
كانت أطول ثواني في حياتي.
وبعدين…
سمعت صوت ست بتصرخ:
“ماما!”
الصوت…
مستحيل أنساه.
رغم مرور عشر سنين.
كان صوت ريم.
دفعت العساكر بكل قوتي.
وجريت.
دخلت المخزن.
وشفتها.
واقفة…
هدومها ممزقة.
وشعرها أقصر.
وعلى خدها الشمال الندبة.
لكنها…
كانت بنتي.
بصتلي.
وكأنها مش مصدقة.
همست:
“ماما…”
جريت عليها.
حضنتها.
ولا واحدة فينا كانت قادرة تتكلم.
فضلنا نعيط…
سنين الفراق كلها كانت بتنزل مع الدموع.
…
الضابط أحمد قبض على آخر أفراد العصابة.
لكن كمال نصار…
كان حاول يهرب.
وأثناء هروبه وقع في حفرة قديمة داخل المزرعة.
وتم القبض عليه حيًا.
…
بعد ساعات…
في المستشفى.
الدكاترة أكدوا إن ريم محتاجة علاج وتأهيل نفسي بعد اللي مرت بيه.
لكنها كانت في أمان.
ولأول مرة من عشر سنين…
كنا قاعدين جنب بعض.
ريم مسكت إيدي وقالت:
“سامحيني يا ماما…”
قلت وأنا ببوس راسها:
“إنتِ ما غلطتيش في حاجة.”
ردت وهي بتبكي:
“كل يوم كنت بصحى وأقول يمكن النهارده أشوفكم.”
“ولما لقيت الإسورة… بعتها علشان أوصلك إشارة.”
بصيتلها بدهشة.
“يعني إنتِ كنتِ عارفة إنها هتوصلني؟”
ابتسمت وسط دموعها.
“كنت بدعي بس…”
“إن ربنا يخليها توصل لإيدك.”
…
بعد ستة أشهر…
خرجت ريم من برنامج العلاج.
وابتدت حياة جديدة مع ابنها آدم.
وفي أول عيد ميلاد جمعنا كلنا…
وقفت ريم ولبست نفس الإسورة من جديد.
وقالت وهي بتبصلي:
“المرة دي… مش هتتشال من إيدي أبدًا.”
حضنتها.
وحضنت آدم.
وحسيت إن عشر سنين من الوجع…
انتهوا أخيرًا.
تمت.