بعد وفاة جوزي حكـايـات أسمـا السـيد ×1
قبل ما جوزي يموت، طلب مني أوصل جواب مقفول لست عمري ما شفتها… وأول ما قرت أول سطر فيه، بصت لي وقالت: “هو قالك الحقيقة كلها؟”
أنا وجوزي كنا متجوزين بقالنا أربع وتلاتين سنة.
ماكانش مجرد جوزي…
كان أقرب إنسان لقلبي، وصاحبي قبل أي حاجة.
بنينا حياتنا سوا، وفرحنا بكل نجاح، وعدّينا كل أزمة بإيدينا الاتنين.
وبعد العمر ده كله…
كنت متأكدة إن مفيش سر واحد باقي بينا.
لكن من كام شهر…
كل حاجة اتغيرت.
الأطباء اكتشفوا إنه مصاب بمرض خطير وسريع الانتشار.
ومن اليوم ده…
المستشفى بقت بيته التاني.
الدكاترة عملوا كل اللي يقدروا عليه.
وأنا كنت كل يوم قاعدة جنب سريره، متمسكة بأمل إنه هيخف ويرجع معايا البيت.
كنت عارفة إن حالته صعبة…
بس كنت برفض أصدق إن النهاية قربت.
دلوقتي، بعد ما رجعت أفتكر كل حاجة…
أدركت إنه كان عارف أكتر مني.
قبل وفاته بيومين…
كنا لوحدنا في أوضة المستشفى.
مد إيده ناحية درج الكومودينو، وطلع ظرف مقفول مكتوب عليه اسم ست أول مرة أشوفه.
حطه في إيدي، وقال بهدوء:
“لو حصلي حاجة… أوعديني إنك توصلي الجواب ده بنفسك.”
“ومهما حصل… ما تفتحيهوش.”
كان نفسي أسأله…
مين الست دي؟
وليه الجواب ده مهم بالشكل ده؟
لكن ما قدرتش أرفض آخر طلب طلبه مني.
وسط ترتيبات الجنازة…
والناس اللي كانت بتيجي تعزّي…
نسيت الظرف تمامًا.
لحد بعد الجنازة بيومين…
لقيته في درج الكومودينو جنب سريري.
تاني يوم الصبح…
ركبت عربيتي، وسافرت ساعات طويلة لحد العنوان المكتوب على ضهر الظرف.
ولما الست فتحت الباب…
وقلت لها اسم جوزي…
لون وشها اتغير فجأة.
خدت الظرف بإيدين بيرتعشوا.
وفتحته في نفس اللحظة.
ما قرتش غير أول سطر.
وفجأة رفعت عينيها ناحيتي، والخوف مالي ملامحها.
وهمست بصوت مرتعش:
“هو قالك الحقيقة كلها؟”لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الأول: الباب الذي فتح الماضي
فضلت واقفة قدامها مش قادرة أرد.
الكلمات علقت في زوري.
قلت بعد لحظات:
“حقيقة إيه؟”
الست فضلت باصة للجواب، وإيديها بترتعش بطريقة خوفتني.
بعدين بصت حواليها بسرعة، كأنها خايفة حد يكون سامعنا.
وقالت:
“اتفضلي… ادخلي.”
دخلت البيت.
كان بيت صغير، قديم، لكنه نضيف جدًا.
في كل ركن فيه نباتات وصور قديمة على الحيطان.
الغريب إن ولا صورة فيهم كانت لراجل.
قعدت قدامي وهي لسه ماسكة الجواب.
سكتت دقيقة كاملة.
بعدها سألتني:
“هو مات؟”
نزلت دموعي من غير ما أحس.
هزيت راسي.
“من أربع أيام.”
قفلت عينيها.
وحطت إيديها على وشها.
وبدأت تعيط.
مش عياط هستيري…
كان عياط حد استنى خبر معين سنين طويلة، ولما وصله اكتشف إنه كان بيتمنى ما يسمعوش.
أنا استغربت.
إيه علاقة الست دي بجوزي؟
وليه حزينة بالشكل ده؟
استنيت لما هديت شوية.
وقلت:
“أنا آسفة… بس محتاجة أفهم.”
رفعت رأسها.
وقالت بهدوء:
“أنا اسمي نادية.”
“وأنا كنت أعرف جوزك… من زمان قوي.”
سألتها فورًا:
“يعني كنتوا زمايل؟”
ابتسمت ابتسامة كلها وجع.
“يا ريت كانت الحكاية بالبساطة دي.”
قلبي بدأ يدق أسرع.
كل الأفكار الوحشة هاجمتني مرة واحدة.
هل كان متجوز قبل كده؟
هل كان بيحبها؟
هل كانت عشيقته؟
هل عاش معايا أربع وتلاتين سنة وهو مخبي حياة تانية؟
لاحظت نظراتي.
فقالت بسرعة:
“لا… متخافيش.”
“ولا مرة خانك.”
“وأقدر أقسم بده.”
سكتت.
وبعدين بصت للجواب تاني.
وقالت:
“واضح إنه اختار يكتب كل حاجة بإيده.”
قلت بحدة:
“كل حاجة إيه؟”
مدت لي الظرف.
وقالت:
“أنا مقدرش أفتح سر مش بتاعي.”
“هو كتب الجواب ليا.”
“لكن الحقيقة تخصك إنتِ كمان.”
استغربت.
“إزاي؟”
قالت:
“اقري أول صفحة.”
بصيت لها بدهشة.
“بس هو وصاني ما افتحوش.”
ابتسمت بحزن.
“بعد ما وصلني… الوصية انتهت.”
“دلوقتي بقى حقك تعرفي.”
فضلت أبص للظرف.
ضميري كان بيأنبني.
آخر كلمة قالهالي كانت:
“ما تفتحيهوش.”
لكن دلوقتي…
الجواب وصل لصاحبته.
يعني الوعد اللي وعدتهوله انتهى.
بإيدي مرتعشة…
فتحت الظرف.
كان فيه أكتر من عشر ورقات.
كلها مكتوبة بخط جوزي.
وفي أول صفحة مكتوب:
“إلى نادية…
لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا خلاص مشيت.
ولو زوجتي هي اللي جابتها بإيديها…
يبقى معناها إنها لسه الإنسانة الأنضف اللي قابلته في حياتي.”
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت.
حتى في آخر لحظاته…
كان بيمدحني.
كملت.
“أعرف إنك أول ما تشوفيها هتسألي السؤال اللي فضلتِ تكرريه طول عمرك…
هل قلت لها الحقيقة؟
والإجابة…
لأ.”
اتجمدت مكاني.
بصيت لنادية.
لقيتها مطأطية رأسها.
رجعت للجواب.
“أنا ما قدرتش.”
“كل مرة كنت باخد القرار إني أحكيلها…
كنت ببص في وشها.
وأقول لنفسي…
ليه أوجع قلبها بحاجة انتهت من أكتر من خمسة وتلاتين سنة؟”
حسيت إن نفسي بيتقطع.
خمسة وتلاتين سنة؟
يعني قبل جوازنا؟
كملت وأنا بإيدي رعشة.
“يمكن بعد موتي… تبقى الحقيقة أقل قسوة.”
“أنا ونادية عمرنا ما كنا حبايب.”
“ولا حصل بينا أي علاقة.”
تنفست لأول مرة من ساعة ما بدأت أقرا.
لكن السطر اللي بعده…
خلاني أحس إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
“لكن فيه طفل…
كنت السبب في إنه يعيش طول عمره من غير ما يعرف أنا مين.”
رفعت عيني عن الورقة.
وبصيت لنادية.
كانت بتعيط في صمت.
همست وأنا مش مستوعبة:
“طفل؟”
هزت رأسها ببطء.
وقالت:
“اقري للآخر…”
“القصة لسه ما بدأتش.”
الفصل الثاني: الطفل الذي اختفى من حياته… وبقي في ضميره
فضلت ماسكة الورقة بإيدي، لكن الكلمات بقت بتتشوش قدام عيني من كتر الدموع.
بصيت لنادية مرة تانية.
قلت بصوت مبحوح:
“إنتِ عندك ابن من جوزي؟”
هزت رأسها بسرعة.
“لا.”
“وده أول سوء فهم لازم يتصلح.”
تنفست بصعوبة.
“أمال يقصد إيه؟”
قالت وهي بتمسح دموعها:
“كملي… هو حكى كل حاجة.”
رجعت للرسالة.
“من خمسة وتلاتين سنة…
قبل ما أتجوزك بسنة تقريبًا…
كنت شغال مهندس موقع في محافظة بعيدة.
وفي يوم… حصل حادث قلب حياتي.”
كملت أقرأ.
“كان فيه أتوبيس اتقلب على الطريق الصحراوي.
أنا وعدد من العمال جرينا ننقذ الناس.
وسط الزحمة والدخان…
سمعت صوت طفل صغير بيعيط.”
اتنهدت.
الحكاية مش ماشية في الاتجاه اللي كنت متخيلاه.
“كان عنده حوالي أربع سنين.
واقف لوحده… هدومه كلها تراب ودم.
وأمه كانت محبوسة تحت العربية.”
حسيت بقلبي بيتقبض.
“قدرنا نطلعها…
لكن كانت إصابتها خطيرة جدًا.”
“قبل الإسعاف ما يوصل…
مسكت إيدي وقالت:
(ابني… متسيبهوش).”
نادية بدأت تبكي من جديد.
وأنا كملت.
“بعد ساعات…
الأم توفيت في المستشفى.
والشرطة حاولت توصل لأهلها.”
“لكن مفيش أي أوراق تثبت هويتها.”
“ولا حد جه يسأل عنها.”
وقفت عن القراءة.
قلت:
“يعني الطفل كان مجهول؟”
نادية هزت رأسها.
“أيوه.”
رجعت أكمل.
“الطفل دخل دار رعاية مؤقتة.
لكن أنا مقدرتش أنساه.”
“كل أسبوع كنت أروح أشوفه.”
“كان أول ما يشوفني يجري يحضني.”
دموعي نزلت من غير ما أحس.
“في يوم…
سألني سؤال عمره ما خرج من دماغي.”
قال:
(إنت بابا؟)”
حطيت إيدي على بقي.
يا الله…
“ماعرفتش أرد.”
“قلت له: لأ… بس أنا صاحبك.”
سكت لحظة.
وكملت.
“بعد شهرين…
أسرة محترمة قدمت على تبنيه.
وكان واضح إنهم هيقدروا يوفروا له حياة أحسن.”
ابتسمت نادية وهي بتقول:
“أيوه…”
“وهنا بدأ الوجع.”
رجعت للورقة.
“القاضي سألني…
هل عندك أي اعتراض؟
كنت أقدر أقول أيوه.”
“كنت أقدر أحاول أتبناه.”
“لكن وقتها كنت شاب في أول حياتي…
مرتبي بالكاد مكفيني.”
“وافقت.”
“وشفته وهو ماشي ماسك إيد أب وأم جديدين.”
حسيت إن الدموع خنقتني.
“الولد فضل يبصلي لآخر لحظة.”
“وكان فاكر إني هاجي آخده.”
نادية همست:
“لما حكى لي اليوم ده…”
“كان بيعيط زي الأطفال.”
رجعت أكمل.
“من يومها…
وأنا كل سنة في نفس التاريخ…
بروح أحط لعبة صغيرة قدام دار الرعاية القديمة.”
“يمكن يكون رجع يدور عليّ.”
“يمكن حد يقوله إن فيه راجل عمره ما نسيه.”
وقفت.
بصيت لنادية.
قلت:
“هو كان بيزورك ليه؟”
ابتسمت بحزن.
وقالت:
“لأن بعد سنين…”
“أنا بقيت مديرة نفس دار الرعاية.”
اتسعت عيني.
“إيه؟”
قالت:
“بعد وفاة المدير القديم… اشتغلت هناك.”
“وهو كان ييجي كل سنة.”
“يسألني نفس السؤال.”
“هل الولد رجع؟”
“هل حد عرف اسمه الحقيقي؟”
“هل فيه أي خبر عنه؟”
حسيت إن جوزي اللي عشت معاه أربع وتلاتين سنة كان شايل حملًا عمره كله.
لكن لسه سؤال واحد كان بيدور في دماغي.
ليه ما حكاليش؟
وليه قال في الرسالة:
“كنت السبب إنه يعيش طول عمره من غير ما يعرف أنا مين.”
كان أكيد فيه جزء من الحكاية… لسه مخفي.
ولما قلبت الصفحة التالية…
لقيت ظرفًا صغيرًا مثبتًا بدبوس.
ومكتوب عليه بخط جوزي:
“افتحيه فقط… إذا كنتِ مستعدة تعرفي أكبر خطأ ارتكبته في حياتي.”
يتبع