وقت الفراق حكايات اسما×3
الجزء الخامس
القاعة كلها كانت ساكتة.
وكريم…
أول مرة أشوفه مش لاقي كلام يقوله.
كان دايمًا بيعرف يرد.
ويقنع.
ويلف ويدور.
لكن المرة دي…
الأدلة كانت بتتكلم بدل أي حد.
رئيس مجلس الإدارة قفل الملف.
وقال بهدوء:
— قبل ما ناخد أي قرار…
فيه سؤال لازم يتجاوب.
بص ناحية كريم.
وقال:
— هل عندك أي مستند يثبت إنك اشتريت أسهم مدام نور؟
كريم بلع ريقه.
وسكت.
الرجل كرر السؤال.
— عندك؟
رد بصوت واطي:
— لا.
قال:
— هل معاك أي عقد تنازل موقع منها؟
سكت تاني.
الأستاذ حسام فتح درج صغير.
وطلع ملفًا بنيًا.
وقال:
— الحقيقة…
الأستاذ كريم حاول أكتر من مرة.
وحضرتك يا مدام نور كنتِ بترفضي.
استغرب واحد من الأعضاء.
وقال:
— طب ليه؟
ابتسمت بحزن.
وقلت:
— لأني كنت بثق فيه.
كنت فاكرة إنه بيخلص إجراءات روتينية.
ولما كنت أقرأ الورق…
أكتشف إنه تنازل عن حصصي.
فكنت أرفض.
وهو كان كل مرة يعتذر…
ويقول إن المحامي غلط.
كريم صرخ:
— لأنك كنتِ شكاكة!
بصيت له.
وقلت:
— لا…
لأن أبويا علمني…
ما أمضيش على ورقة قبل ما أقراها.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة…
الأستاذ حسام قال:
— لسه فيه حاجة.
مد إيده.
وطلع فلاشة صغيرة.
وقال:
— المرحوم الحاج محمود سلمها لي قبل وفاته بثلاثة شهور.
وقال لي بالحرف:
“لو بنتي دخلت يوم المحكمة…
شغل التسجيل.”
كريم اتوتر.
وقال بسرعة:
— أي تسجيل ده؟
وصلوا الفلاشة بالشاشة الكبيرة.
اشتغل الفيديو.
ظهر أبويا.
قاعد في أوضة المستشفى.
وشه كان تعبان.
لكن عينيه…
كانت ثابتة.
ابتسم للكاميرا.
وقال:
— لو الفيديو ده اتعرض…
يبقى أنا خلاص عند ربنا.
يا نور…
لو إنتِ بتشوفيني…
اعرفي إني فخور بيكي.
دموعي نزلت.
وأنا ببص لوشه.
كمل كلامه.
— ويمكن تستغربي…
إني كنت عارف إن كريم هيبيعك.
من أول سنة جواز.
كريم انتفض.
وقال:
— كدب.
لكن الفيديو كمل.
— أول ما الشركة نجحت…
سمعته بنفسي…
وهو بيقول لواحد صاحبه:
“أول ما أكبر…
هنقل كل حاجة باسمي…
وأطلق نور.”
وأخرجت من جيبي منديلًا.
لأول مرة…
ما قدرتش أمنع دموعي.
أبويا أكمل:
— من يومها…
بدأت أوثق كل حاجة.
مش علشان أهد بيت بنتي.
لكن علشان لو في يوم…
حد حاول يسرق تعبها…
تلاقي حقها كامل.
ثم سكت لحظة.
وقال:
— يا كريم…
لو إنت بتتفرج على الفيديو…
فأنا عندي سؤال واحد.
لما كنت بتاخد فلوسي…
كنت راجل.
ولما نجحت…
نسيت الراجل اللي باع لقمة عيشه علشانك؟
كريم نزل رأسه.
لأول مرة…
ما قدرش يبص للشاشة.
أبويا ختم كلامه بجملة…
خلت كل الموجودين يصفقوا من غير ما يحسوا.
قال:
— الغني الحقيقي…
مش اللي يملك شركات.
الغني…
هو اللي ينام مرتاح…
وعمره ما أكل حق حد.
انتهى الفيديو.
وساد الصمت.
رئيس مجلس الإدارة وقف.
وقال:
— بعد مراجعة المستندات…
وبناءً على عقد التأسيس…
يُقرر المجلس بالإجماع…
عودة جميع صلاحيات الإدارة…
إلى المالكة الرئيسية…
السيدة نور محمود.
التصفيق ملأ القاعة.
أما كريم…
فكان واقف مكانه.
حاسس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه.
وقبل ما يخرج…
لف ناحيتي.
وقال بصوت مكسور:
— نور…
ممكن نتكلم؟
بصيت له بهدوء.
وقلت:
— أول مرة تطلب تتكلم…
بعد ما خسرت كل حاجة.
لكن فات الأوان.
خرج من القاعة…
ورأسه في الأرض.
ولم يكن يعلم…
أن المصيبة الأكبر…
لم تكن خسارة الشركة.
بل أن النيابة كانت في انتظاره بالخارج…
وبيدها ملف جديد…
لا علاقة له بالطلاق أو الشركة…
بل بتهمة تزوير واختلاس…
عقوبتها قد تصل إلى سنوات طويلة من السجن.
الجزء السادس
أول ما كريم خرج من قاعة الاجتماعات…
اتفاجأ بأربعة رجال واقفين قدامه.
واحد منهم طلع كارنيه.
وقال بهدوء:
— أستاذ كريم؟
رد وهو متوتر:
— أيوه.
— حضرتك مطلوب للتحقيق في بلاغات تخص التزوير والاستيلاء على أموال الشركة.
كريم حاول يبتسم.
وقال:
— أكيد فيه سوء تفاهم.
لكن الضابط فتح الملف.
وقال:
— سوء التفاهم ده فيه توقيعك على أكتر من عشرين مستند.
وفيه تحويلات مالية لحسابات شخصية.
وياريت تتفضل معانا.
في اللحظة دي…
كل الصحفيين خرجوا من القاعة.
الكاميرات اتوجهت ناحيته.
واحد منهم صرخ:
— أستاذ كريم… حقيقة القبض عليك إيه؟
والتاني:
— صحيح الشركة مش بتاعتك؟
وثالث:
— مراتك السابقة هي المالكة؟
كريم حاول يغطي وشه.
لكن الكاميرات كانت أسرع.
أما أنا…
فكنت واقفة من بعيد.
مش فرحانة.
ومش شماتانة.
كنت بس…
حاسّة إن حق أبويا بدأ يرجع.
—
بعد ساعات…
رجعت بيت أبويا.
البيت اللي اتربيت فيه.
كل حاجة كانت زي ما هي.
الساعة القديمة.
راديو كان بيشتغل قرآن كل فجر.
والكرسي اللي كان أبويا يقعد عليه بعد شغل التاكسي.
دخلت أوضته.
ولأول مرة…
فتحت الدولاب.
لقيت علبة خشب صغيرة.
عليها ورقة مكتوب فيها:
“لنور… بعد ما تبتسمي من قلبك.”
حضنت العلبة.
وقعدت على السرير.
فتحتها بهدوء.
كان فيها سلسلة دهب بسيطة.
هي نفسها…
اللي أبويا جابهالي وأنا في أولى جامعة.
وبعتها بعد الجواز…
علشان نساعد كريم.
تحت السلسلة…
كان فيه ظرف صغير.
فتحته.
ولقيت جواب.
“يا بنتي…
عارف إنك هتستغربي إزاي السلسلة رجعت.
الحقيقة… أنا اشتريتها من نفس الصائغ بعد سنين.
فضلت أحوش كل شهر كام جنيه.
وقلت لنفسي… يمكن ييجي يوم بنتي تحتاج تحس إن في حد فاكر تعبها.”
دموعي نزلت.
وكملت القراءة.
“إوعي تفتكري إن قيمتها في الدهب.
قيمتها إنها كانت أول حاجة ضحيتي بيها علشان بيتك.
ولو البيت وقع…
يبقى حقك يرجعلك.”
قفلت الجواب.
وحضنت السلسلة.
وأول مرة…
حسيت إن أبويا لسه معايا.
—
في اليوم التالي…
النيابة بدأت التحقيق.
وكريم كان بيكرر جملة واحدة.
— أنا ما سرقتش.
كل ده سوء فهم.
لكن المحقق حط قدامه كشف حساب.
وقال:
— الحساب ده باسم شركة وهمية.
وصاحب التوقيع…
حضرتك.
كريم ارتبك.
وقال:
— المحاسب هو اللي كان مسؤول.
رد المحقق:
— المحاسب اعترف.
وقال إن كل حاجة كانت بأوامر منك.
في نفس اللحظة…
دخل المحامي.
وهمس في ودن كريم.
وشه اتغير فجأة.
قال:
— إيه؟!
المحامي رد بصوت منخفض:
— ياسمين قدمت شهادة ضدك.
كريم شهق.
— مستحيل.
— قالت إنك كنت بتتباهى قدامها إن محدش هيعرف يثبت حاجة عليك.
سند رأسه على الكرسي.
وحط إيده على وشه.
ولأول مرة…
افتكر يوم وقف قدام نعش الحاج محمود.
وقال بكل غرور:
“امضي على الطلاق…”
اكتشف متأخر…
إن اللحظة اللي ظن فيها إنه انتصر…
كانت في الحقيقة…
أول خطوة في طريق سقوطه.
أما أنا…
فوقفت قدام صورة أبويا في الصالون.
علقتها في مكانها.
وقلت بابتسامة ودموعي في عيني:
— وعد يا بابا…
ولا جنيه من تعبك هيروح لحد ظلمنا.
وفي نفس اللحظة…
رن هاتف الأستاذ حسام.
رد…
ثم ابتسم.
وبصلي.
وقال:
— في خبر…
هيفرحك أكتر.
استغربت.
قلت:
— خير؟
قال:
— فيه مستثمر أجنبي رفض يتعامل مع كريم…
لكن قال إنه مستعد يستثمر مليارات…
بشرط واحد.
قلت:
— إيه هو؟
ابتسم وقال:
— قال بالحرف…
“أنا عايز أقابل الست اللي بنت الشركة من غير ما حد يعرف اسمها.”
وساعتها…
عرفت…
إن النهاية الحقيقية…
مش إن كريم يخسر.
النهاية الحقيقية…
إني أبدأ من جديد…
باسمي أنا.
:: يتبع