اهلي اشتروا يخت حكايات اسما السيد الأخيره
الجزء الخامس والأخير: الرجل اللي أنقذني… والرجل اللي خان أمي
الأوضة كلها سكتت.
والتسجيل لسه شغال.
صوت أبويا كان ضعيف، لكنه واضح:
— عادل عزت مش زي ما إنتِ فاكرة.
رفعت عيني ناحية اللواء عادل.
ملامحه ما اتحركتش.
لكن إيده قربت ببطء من جيبه.
حسام انتبه.
رفع المسدس ناحيته فورًا.
وقال:
— إيدك مكانها.
داليا شهقت، وقربت من السرير.
أما أنا، ففضلت باصة لعادل.
الرجل اللي دفع باقي فلوس العملية.
الرجل اللي وقف جنبي لما أهلي سابوني.
الرجل اللي أنقذنا من العبوة.
الرجل اللي قادنا للميناء.
هل كان كل ده تمثيل؟
قلت بصوت مبحوح:
— شيل إيدك من جيبك.
عادل بص لي.
— ندى، اهدي.
— شيل إيدك.
بطء شديد، طلع إيده.
كان ماسك جهاز صغير.
حسام قال:
— حطه على الأرض.
عادل حطه.
اللواء اللي معانا من الأمن قرب من الجهاز.
لقاه زر تحكم عن بعد.
سأله:
— ده خاص بإيه؟
عادل رد بهدوء:
— جهاز إنذار شخصي.
حسام ضحك بمرارة.
— كداب.
عادل بص له.
— إنت آخر واحد يتهم حد بالكذب.
حسام شد المسدس.
— أنا استخبيت علشان أفضل عايش.
— وسبت سلوى تموت.
ملامح حسام اتغيرت.
قلت:
— كفاية.
الكل سكت.
بصيت لعادل.
— أبويا قال إنك ق*تلت أمي.
قال:
— وأبوكي كداب.
— بس هو كمان قال إنك موّلت اليخت.
سكت.
كانت أول مرة ما يردش بسرعة.
قلت:
— جاوب.
أخد نفس طويل.
— أنا ساعدت في شراء اليخت.
داليا بصت له بصدمة.
— إيه؟
عادل كمل:
— لكن مش علشان فؤاد.
— أمال علشان مين؟
— علشان أوصل للملف.
قلت بحدة:
— كنت عارف إن الملف موجود؟
— كنت عارف إن سلوى سابت دليل.
— من إمتى؟
— من ليلة موتها.
قلبي اتقبض.
— كنت معاها؟
هز راسه.
— قبل الحادث بساعتين.
قلت:
— قالت لك إيه؟
بص لي طويلًا.
— قالت إن فؤاد عرف إنها بلغت عنه. وإن حد من داخل المؤسسة العسكرية بيسرب له المعلومات.
حسام قال:
— إنت كنت الشخص ده.
عادل لف له.
— لا.
— إنت الوحيد اللي كان عارف مسارها.
— كنت قائدها.
— وكنت بتحبها.
الأوضة سكتت.
بصيت لعادل.
— كنت بتحب أمي؟
عادل نزل عينه للحظة.
— أيوه.
داليا بصت لي.
أما أنا، فحسيت الحقيقة بتفتح باب جديد.
قلت:
— وهي؟
— كانت متجوزة فؤاد وقتها.
— ده مش جواب.
سكت.
ثم قال:
— كانت بتثق فيا.
حسام ضحك.
— تثق؟ هي كانت عارفة إنك هتخونها.
عادل لف له بعصبية.
— اخرس.
حسام قال:
— قول الحقيقة. سلوى طلبت منك تحمي بنتها، وإنت بدل ما تعمل كده، سلمتها لفؤاد.
قلبي وقف.
بصيت لعادل.
— الكلام ده صح؟
رد بسرعة:
— لأ.
حسام قال:
— عندي تسجيل.
عادل وشه اتغير.
— تسجيل إيه؟
حسام طلع موبايله.
فتح ملف صوتي قديم.
جاء صوت سلوى.
واضح.
مرهق.
لكن ما فيهوش شك.
“عادل، لو حصل لي حاجة، ندى لازم تخرج من بيت فؤاد.”
بعدها صوت عادل، أصغر سنًا:
“هنخرجك إنتِ وهي.”
سلوى ردت:
“مافيش وقت. خدها الليلة.”
عادل قال:
“مش هقدر أتحرك من غير أمر.”
سلوى صرخت:
“دي بنتي، مش مهمة رسمية!”
الصوت اتوقف لحظة.
ثم عادل قال:
“لو أخدتها دلوقتي، فؤاد هيعرف إنك بلغتي. استني للصباح.”
التسجيل خلص.
الأوضة فضلت ساكتة.
قلت لعادل:
— ما أخدتنيش.
نزل عينه.
— لأ.
— والصبح كانت أمي ماتت.
— أيوه.
— يعني حسام عنده حق.
— لا. أنا تأخرت… لكن ما سلمتكيش له.
قلت ببرود:
— الفرق مش كبير.
وجهه اتوجع.
لكنني كملت:
— كانت بتطلب منك تنقذني، وإنت اخترت الإجراءات.
— كنت فاكر إن عندنا وقت.
— هي ما كانش عندها.
داليا قالت:
— وإزاي وصلتي لبيتنا بعد كده؟
عادل رد:
— فؤاد أخد ندى بعد موت سلوى. عمل أوراق جديدة. وسجلها بنت زوجته.
بصيت له.
— وإنت عرفت؟
— بعد شهور.
— وسكت؟
— كان عنده حماية.
— وإنت كنت لواء.
— وقتها كنت عقيد، وموقوف عن العمل بسبب التحقيق.
حسام قال:
— لأن فؤاد بلغ عنك.
عادل هز راسه.
— واتهمني إني سربت معلومات لسلوى.
قلت:
— بس رجعت بعدها.
— أيوه.
— وما حاولتش توصل لي؟
سكت.
— حاولت من بعيد.
ضحكت بمرارة.
— من بعيد؟
— كنت بتابعك.
— تتابعني إزاي؟
— المدرسة. الجامعة. دخولك الجيش.
الجملة نزلت عليّ ببرودة.
— كنت بتراقبني طول حياتي؟
— علشان أحميكي.
— والحماية عندك يعني تتفرج؟
— كنت بخاف لو قربت، فؤاد يؤذيكي.
قلت:
— هو أذاني فعلًا.
ما ردش.
داليا قالت:
— طب والفلوس؟ ليه دفعت العملية؟
عادل بص لي.
— دي أقل حاجة كان لازم أعملها من زمان.
حسام قال:
— ما تصدقهوش.
قلت:
— أنت عندك إيه ضده؟
حسام قرب.
— لأنه ما قالش أهم جزء.
عادل قال بحدة:
— حسام.
— لأ. خلاص.
حسام بص لي.
— حادث سلوى ما حصلش بالطريقة اللي فؤاد قالها.
— عارفة.
— وعادل كان موجود عند النيل.
لفيت لعادل بسرعة.
— إنت قلت إنك شفتها قبل الحادث بساعتين.
ما ردش.
حسام قال:
— كان هناك وقت سقوط العربية.
قلت:
— صحيح؟
عادل سكت.
قلت أعلى:
— صحيح؟
قال أخيرًا:
— أيوه.
رجلي وجعتني رغم إن الألم بعيد عن مكان الجرح.
كأن جسمي كله اتقبض.
— شفت العربية تقع؟
— أيوه.
— وعملت إيه؟
— حاولت أوصل لها.
— نزلت وراها؟
— المياه كانت عالية.
— دي إجابة جبانة.
قال بصوت مكسور:
— نطيت.
الكل سكت.
كمل:
— نزلت للمياه. العربية كانت بتغرق. وصلت للباب، لكنه كان مقفول.
حسام قال:
— كسرته؟
— حاولت.
— حاولت بس؟
عادل صرخ:
— كنت لوحدي!
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— شفتها جوه. كانت واعية. وكانت بتخبط على الزجاج.
صوتي طلع ضعيف:
— أمي كانت عايشة؟
عادل قفل عينه.
— أيوه.
— شفتها بتموت؟
دموعه نزلت.
— أيوه.
الأوضة كلها اتجمدت.
قلت:
— وطلعت؟
— الأكسجين خلص.
— سبتها؟
— ما قدرتش أفتح الباب.
— سبتها؟
صوتي علي.
عادل قرب خطوة.
— كنت هموت معاها.
قلت:
— يمكن كان ده أعدل.
الجملة جرحت الجميع.
لكنني ما ندمتش.
بص لي عادل وكأنه استقبل الحكم.
قال:
— يمكن.
حسام قال:
— ولسه ما قالش مين قفل الباب.
عادل بص له بغضب.
حسام كمل:
— الباب كان متقفل من بره بقفل إضافي.
قلت:
— مين ركبه؟
عادل سكت.
حسام قال:
— عربية سلوى دخلت صيانة قبل الحادث.
نفس الأسلوب.
نفس اللي حصل مع عربيتي.
قلت:
— شركة أبويا؟
— أيوه.
— وعادل كان عارف؟
حسام قال:
— وصل له بلاغ قبل الحادث إن العربية اتلمست.
بصيت لعادل.
— وصل لك تحذير؟
قال:
— بعد ما خرجت سلوى بالعربية بدقايق.
— ولحقتها.
— أيوه.
— وما حذرتهاش؟
— حاولت أتصل. ما ردتش.
— كان ممكن توقفها.
— كنت بعيد.
— كان ممكن تبلغ أقرب نقطة.
— عملت.
— بس متأخر.
— أيوه.
كل إجابة كانت كلمة واحدة.
وكل كلمة كانت تسحب منه صورة البطل اللي رسمتها.
قلت:
— أبويا قال إنك اللي ق*تلتها.
عادل رد:
— هو اللي جهز العربية. أنا فشلت أنقذها.
حسام قال:
— وفيه فرق بين الق*تل والفشل.
بصيت له.
كان بيدافع عنه رغم غضبه.
قال:
— عادل ما ق*تلهاش. لكنه أخفى الحقيقة.
— ليه؟
عادل رد:
— لأن القيادة وقتها قالت إن الق*ضية لو خرجت من غير دليل كامل، الشبكة هتختفي.
— فوافقتوا تدفنوا أمي مع الق*ضية؟
— كنت فاكر إني بحافظ على فرصتنا نوقعهم.
— وبعد تلاتة وعشرين سنة لسه بيشتغلوا.
ما ردش.
اللواء الأمني قال:
— لازم نركز. فؤاد اتخطف، والشبكة لسه متحركة.
قلت:
— وليه يخطفوه لو هو واحد منهم؟
حسام قال:
— لأنه بقى عبء.
عادل أضاف:
— ولأنه يعرف الرأس الحقيقي.
قلت:
— مين؟
سكتوا.
بصيت بينهم.
— أنتم الاتنين عارفين.
حسام قال:
— نعرف الاسم اللي سلوى كانت شاكّة فيه.
— قول.
قبل ما يتكلم، الأنوار قطعت.
أجهزة المستشفى فضلت شغالة على البطارية.
لكن الباب الإلكتروني اتقفل.
صوت رصاص اتسمع في الممر.
اللواء الأمني طلع سلاحه.
صرخ:
— الكل ورا السرير!
داليا نزلت على الأرض.
حسام اختبى عند الحائط.
عادل مسك الجهاز اللي كان رماه.
قال:
— ده مش إنذار شخصي.
بصيت له.
— أمال؟
ضغط الزر.
باب جانبي صغير في الحائط اتفتح.
كان مخرج خدمة.
قال:
— ممر صيانة قديم. نخرج منه.
حسام صرخ:
— إنت كنت عارف إنهم هييجوا؟
عادل رد:
— كنت متوقع.
قلت:
— ومخبي مخرج مننا؟
— علشان ما تتسربش المعلومة.
داليا قالت:
— ما بقيناش نعرف نثق في مين.
قلت:
— دلوقتي مش وقت الثقة. وقت الخروج.
حاولت أتحرك.
الألم ضرب رجلي.
حسام قرب وشالني من السرير.
قلت:
— رجلي!
قال:
— يا خسارة الجرح يا خسارة حياتك.
داليا مشت جنبنا.
دخلنا الممر الضيق.
عادل دخل آخر واحد.
قفل الباب.
صوت الرصاص فضل وراينا.
الممر كان مظلم.
مياه بتنقط من المواسير.
والهواء خانق.
قلت:
— ده يوصل لفين؟
عادل رد:
— موقف إسعاف قديم.
— والشبكة تعرفه؟
— المفروض لأ.
حسام قال:
— كلمة “المفروض” دي دمرت حياتنا كلنا.
ما حدش رد.
وصلنا لنهاية الممر.
عادل فتح باب حديد.
خرجنا لموقف تحت الأرض.
عربية إسعاف كانت واقفة.
لكن أول ما قربنا منها، نورها اشتغل.
باب السائق اتفتح.
نزل رجل في أواخر الستينات.
لابس بدلة رمادية.
ملامحه هادية.
وعينه باردة.
حسام وقف.
قال بصوت واطي:
— هو.
قلت:
— مين؟
عادل رد:
— الفريق كمال رشدي.
الاسم خلاني أفتكر صورة قديمة شفتها في ملف سلوى.
كان رئيس اللجنة اللي حققت في موتها.
الرجل اللي وقع إن الحادث “عرضي”.
كمال ابتسم.
— مساء الخير يا ندى.
قلت:
— إنت الرأس؟
ضحك.
— كلمة كبيرة.
عادل رفع سلاحه.
— ابعد عنها.
كمال قال:
— بعد كل السنين دي، لسه بتفشل في حمايتها.
عادل شد على سلاحه.
كمال كمل:
— زي أمها.
قلت:
— إنت اللي ق*تلت سلوى؟
قال:
— أمك كانت موهوبة… لكن عنيدة.
— جاوب.
— أنا ما لمستهاش.
قلت بمرارة:
— نفس كلام فؤاد.
— لأن القادة الحقيقيين ما بيعملوش حاجة بإيديهم.
حسام قال:
— اعترف.
كمال بص له.
— وإنت لسه عايش؟ دي مفاجأة قديمة.
عادل قال:
— فؤاد فين؟
كمال ابتسم.
— قريب.
صفّر.
ظهر رجلان من خلف العربيات.
بينهم أبويا.
إيديه مربوطة.
وشه عليه آثار ضرب.
أول ما شافني، قال:
— ندى، ما تصدقيهمش.
ضحكت.
— متأخر.
كمال قال:
— فؤاد قرر يتكلم.
— فخطفته.
— علشان نراجع ولاءه.
أبويا صرخ:
— هو اللي أمر بق*تل سلوى!
كمال بص له.
— إنت اللي قطعت الفرامل.
— بأمرك!
— ومازن نفذ حادث ندى من غير ما أطلب.
قال أبويا:
— كداب! إنت قلت إن الشحنة لازم تختفي.
كمال قال:
— وأنا ما قلتش اق*تل بنتك.
أبويا رد:
— هي مش بنتي.
الجملة ما وجعتنيش المرة دي.
بالعكس.
حررتني.
قلت:
— أخيرًا قلت حاجة صح.
بص لي.
في عينه كان فيه خوف.
مش ندم.
قال:
— ندى، ساعديني.
— أساعدك؟
— هو هيق*تلنا كلنا.
— وإنت كنت هتق*تلني.
— كنت مضغوط.
ضحكت.
— الضغط ما بيصنعش مجرم. بيكشفه.
كمال رفع إيده.
رجاله صوبوا السلاح.
قال:
— كفاية عاطفة عائلية. الكبسولة.
عادل قال:
— مش معانا.
كمال بص لي.
— جواها.
— عارف.
— وهتخرج دلوقتي.
حسام قال:
— الملف اتبعت.
كمال رد:
— النسخة الكاملة مش عندكم.
— عندنا تسجيل سلوى.
— تسجيل عاطفي. مش كفاية لإسقاط الشبكة.
قلت:
— أمال جوا الكبسولة إيه؟
كمال ابتسم.
— مفتاح بنك مشفر.
— فيه إيه؟
— حسابات. أسماء. تحويلات. أوامر.
— اسمك؟
— أكيد.
قلت:
— علشان كده خفت.
— ما بخافش.
— الراجل اللي ما بيخافش ما يخطفش ناس ويدخل مستشفى بالسلاح.
ملامحه قست.
أشار لرجل من رجاله.
قرب مني.
حسام حاول يتحرك.
طلقة ضربت الأرض قدامه.
قال كمال:
— أي حركة، داليا تموت أولًا.
رجل تاني مسك داليا.
حط المسدس عند ضهرها.
قلت:
— سيبها.
— الكبسولة.
عادل قال:
— محتاجة عملية دقيقة.
كمال رد:
— عندنا طبيب.
ظهر شخص ثالث من العربية.
كان الدكتور المسؤول عن الجراحة الأولى اللي المستشفى العسكري قال إنها “هتتأخر”.
عرفته.
الدكتور مدحت.
بص لي من غير ما يرمش.
قلت:
— إنت كمان؟
قال:
— أنا حاولت أخلي الأمور تمشي بأقل أذى.
— لما أخرت عمليتي؟
— كنت بنفذ تعليمات.
ضحكت بمرارة.
— كلكم بتحبوا الجملة دي.
كمال قال:
— افتحوا العربية.
باب الإسعاف اتفتح.
جواها ترابيزة عمليات صغيرة.
معدات.
مخدر.
كل شيء جاهز.
داليا صرخت:
— ما تلمسوهاش!
أبويا قال لكمال:
— هي ممكن تموت.
كمال رد:
— لو ماتت، ناخد الكبسولة.
بصيت لأبويا.
هو سكت.
حتى دلوقتي، ما حاولش يدافع.
قلت:
— شايف؟ ده اللي خدمته طول عمرك. أول ما بقيت عبء، رماك.
أبويا قال:
— أنا أقدر أساعدكم.
— اسكت.
— عارف مكان النسخة التانية.
كمال لف له.
— نسخة إيه؟
أبويا قال:
— سلوى ما كانتش بتثق في الكبسولة لوحدها.
عادل قال:
— فؤاد، ما تلعبش.
— أنا مش بلعب. فيه نسخة ورقية.
كمال قرب منه.
— فين؟
أبويا بص لي.
— عند ندى.
قلت:
— كداب.
قال:
— جوه قاعدة سريرك القديم.
اتجمدت.
داليا قالت:
— سريرها في بيتنا القديم؟
— أيوه.
عادل قال:
— البيت اتباع.
أبويا رد:
— لكن السرير اتنقل للمخزن.
كمال قال:
— إنت بتكسب وقت.
— لأ. سلوى هي اللي صنعته. وفيه تجويف.
قلت:
— أمي ماتت وأنا طفلة. إزاي صنعت سرير؟
قال:
— قبل ما تموت.
— وإنت عرفت؟
— من سنين.
— وما فتحتهوش؟
— ما قدرتش. القفل محتاج بصمتك.
كمال فكر.
ثم قال لرجاله:
— ناخدها للمخزن.
حسام قال:
— ده فخ.
لكن كمال ابتسم.
— كل شيء فخ. الفرق مين بيدخله مستعد.
نقلوني للعربية.
داليا دخلت معايا.
عادل وحسام وأبويا اتقيدوا في عربية تانية.
الطريق كان طويل.
الدكتور مدحت ركب قدامي.
بص للضمادات.
قال:
— النزيف وقف؟
قلت:
— إنت دكتور ولا جلاد؟
— أنا بحاول أحافظ عليكي.
— زي ما حافظت على تأخير العملية؟
نزل عينه.
قلت:
— ليه وافقت؟
— ديون.
— كل واحد عنده كلمة.
— إيه؟
— ضغط. أوامر. ديون. خوف. محدش بيقول جشع.
ما ردش.
داليا مسكت إيدي.
همست:
— في جهاز تتبع؟
قلت:
— اتكسر.
— حد عارف إحنا فين؟
— مش عارفة.
قالت:
— هنعمل إيه؟
بصيت للسرنجة في جيب الدكتور.
وبصيت لرباط إيدها.
قلت:
— لما أقول لك اوقعي، اقعي.
بصت لي باستغراب.
— إيه؟
— بس ثقي فيا.
بعد عشرين دقيقة، العربية دخلت مخزن كبير.
عرفته.
مخزن قديم تابع لشركة أبويا.
نزلونا.
في آخر المكان، كان فيه أثاث قديم.
دواليب.
كراسي.
وصندوق كبير.
قال أبويا:
— السرير هناك.
رجاله طلعوه.
سرير طفلة أبيض.
الدهان مقشر.
افتكرت صورة قديمة لي وأنا نايمة فيه.
كمال قال:
— فين التجويف؟
أبويا أشار للقاعدة.
كان فيه لوح معدني صغير.
ومكان على شكل كف طفلة.
قال:
— لازم بصمتها.
كمال دفع الكرسي ناحيته.
حطيت إيدي.
ولا حاجة حصلت.
أبويا قال:
— يمكن وهي طفلة.
كمال لف له بغضب.
— يعني إيه؟
— المستشعر قديم. محتاج رمز كمان.
قلت:
— رقمي العسكري.
قال أبويا:
— سلوى ما كانتش تعرفه.
كنت عارفة إنه بيكذب.
لكن كان بيكسب وقت.
قلت:
— تاريخ ميلادها.
جربوا.
ما فتحش.
كمال رفع سلاحه ناحية أبويا.
— آخر فرصة.
أبويا قال بسرعة:
— اسمها.
— سلوى؟
— بالحروف الإنجليزية.
دخلوا الاسم.
اللوح فتح.
جواه ظرف.
كمال خطفه.
فتحه.
كان فيه أوراق.
صور.
ومفتاح صغير.
فرح.
قال:
— أخيرًا.
لكن لما بدأ يقلب، وشه اتغير.
الأوراق كانت نسخ قديمة.
مش كاملة.
قلت:
— طعم.
بص لي.
— إيه؟
— سلوى كانت أذكى منك.
داليا بصت لي.
أنا ما كنتش عارفة الحقيقة.
لكن قلتها بثقة.
كمال قال:
— فين الأصل؟
قلت:
— عندي.
— جوا الكبسولة.
— لأ.
قرب مني.
— كفاية لعب.
قلت:
— الكبسولة مش مفتاح حسابات.
سكت.
— أمال؟
— جهاز بث.
حسام بص لي.
عادل فهم.
قال:
— ندى…
كملت:
— أي محاولة فتح غلط تبعت كل البيانات تلقائيًا.
كمال ضحك.
— كدب.
قلت:
— جرب.
مدحت قال بتوتر:
— ممكن يكون صحيح. التصميم القديم كان يسمح بآلية إرسال عند كسر الغلاف.
كمال بص له.
— ليه ما قلتش؟
— ما كنتش أعرف نوعها.
بدأ كمال يتوتر.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في عينه.
قال:
— نخرجها من غير فتح.
قلت:
— أول ما تخرج من جسمي، الإشارة تشتغل.
سكت.
أنا كنت بألف.
لكنهم ما يعرفوش.
قلت:
— سلوى عملتني صندوق حي.
أبويا قال:
— هي كدابة.
بصيت له.
— وإنت ما عرفتنيش أصلًا. هتعرف أمي؟
كمال رفع السلاح.
— هنختبر.
أشار للدكتور.
— جهز.
في اللحظة دي، بصيت لداليا.
قلت:
— دلوقتي.
وقعت على الأرض فجأة.
صرخت كأنها فقدت الوعي.
الرجل اللي ماسكها انحنى.
أنا خطفت السرنجة من جيب مدحت، وغرستها في رجل الحارس.
صرخ ووقع.
داليا زقته.
حسام اندفع ناحية الرجل التاني.
عادل ضرب كتف الحارس بكرسي.
المكان انفجر فوضى.
رصاصة خرجت.
ضربت اللمبة.
الظلام نزل.
سمعت كمال يصرخ:
— اقفلوا الأبواب!
داليا زحفت ناحيتي.
فكت رباط إيدي بالسكينة اللي وقعت.
قلت:
— روحي ناحية الباب.
— وإنتِ؟
— هاجي.
حاولت أحرك الكرسي.
الألم كان شديد.
في الضلمة، سمعت أبويا بيقول:
— من هنا!
كان بيهرب.
كمال صرخ:
— فؤاد!
طلقة.
صوت جسم وقع.
داليا شهقت.
النور الاحتياطي اشتغل.
شفت أبويا واقع على الأرض.
إيده على صدره.
كمال واقف فوقه.
قال:
— الخونة ما يعيشوش.
أبويا بص لي.
الدم خارج من بقه.
مد إيده.
— ندى…
ما تحركتش.
قال:
— أنا آسف.
فضلت باصة له.
كل حياتي كنت مستنية منه كلمة.
لكن لما قالها، ما عملتش حاجة.
قلت:
— متأخرة.
مات وهو باصص لي.
داليا بدأت تعيط.
رغم كل شيء، كان أبوها.
كمال وجه السلاح ناحيتي.
— دورك.
قبل ما يضرب، صوت سيارات جه من بره.
عربيات كتير.
ضوء أزرق وأحمر دخل من الشبابيك.
كمال اتجمد.
عادل ابتسم.
— الإشارة ما اتكسرتش.
بصيت له.
طلع قطعة صغيرة من حذائه.
— الجهاز الحقيقي كان هنا.
كمال صرخ بغضب.
رجاله حاولوا يهربوا.
الشرطة اقتحمت المخزن.
حصل تبادل نار قصير.
حسام سحبني خلف صندوق.
داليا اختبأت جنبي.
عادل كان بيغطي علينا.
الدكتور مدحت رفع إيده وسلم نفسه.
كمال جرى ناحية السلم الحديد.
طلع للدور العلوي.
أنا شفته.
كان معاه الظرف.
والأوراق.
صرخت:
— الملف معاه!
عادل جري وراه.
حسام قال:
— خليكي هنا.
قلت:
— روح.
طلع وراه.
فضلت أنا وداليا على الأرض.
بعد دقايق، سمعنا طلقة.
وبعدين صمت.
رجال الشرطة طلعوا.
أنا ما قدرتش أستنى.
حركت الكرسي ناحية السلم.
داليا قالت:
— إنتِ مش هتطلعي.
— لازم أعرف.
— رجلك!
— ادفعيني.
— إنتِ مجنونة.
— اتفقنا.
دفعتني للمصعد الصناعي القديم.
طلعنا فوق.
لقينا كمال واقف عند حافة السطح.
عادل مصوب عليه.
حسام واقع على الأرض، مصاب في كتفه.
الظرف كان في إيد كمال.
قال:
— محدش يقرب.
عادل قال:
— انتهى.
كمال ضحك.
— الشبكة أكبر مني.
— هتقول أسماءهم.
— مش هعيش للدرجة دي.
بدأ يقطع الأوراق.
قلت:
— مش الأصل.
لف لي.
— إيه؟
قلت:
— الأوراق اللي معاك نسخ.
— كدابة.
— الأصل كان في السرير، بس مش في التجويف.
الكل بص لي.
أنا أشرت للخشب.
— جوه الطبقة نفسها.
كانت مجرد فكرة.
لكن حسام بص لي.
وفهم.
قال:
— صح.
كمال اتوتر.
— كدابين.
حسام كمل:
— سلوى كانت مهندسة. ما كانتش هتحط كل شيء في ظرف سهل.
عادل قال:
— انزل.
كمال رفع السلاح ناحية نفسه.
— مش هتحاكموني.
قلت:
— أمي ماتت وهي بتحاول تكشفك. أقل حاجة تعملها إنك تعيش وتشوف اسمها بيرجع.
بص لي.
قلت:
— الموت هروب.
الجملة أصابته.
للحظة، إيده ارتخت.
عادل استغلها.
ضرب السلاح من إيده.
الشرطة هجموا عليه.
اتكبل.
كان بيصرخ:
— كلكم هتندموا!
قلت:
— إحنا ندمنا كفاية.
نزلنا.
فريق الأدلة بدأ يفك السرير طبقة طبقة.
داخل الخشب، لقوا شرائط رفيعة جدًا.
أقراص تخزين صغيرة.
ونسخ ورقية ملفوفة ضد المياه.
الملف الحقيقي.
كل شيء.
أسماء.
حسابات.
أوامر ق*تل.
أوامر تخريب العربية.
محاضر مزورة.
وتسجيل أخير من سلوى.
فيه صوت كمال وهو بيأمر فؤاد:
“خلي الحادث يبان شخصي. لو نجت، نستخدم البنت.”
البنت كانت أنا.
القض/ية انتهت فعليًا.
لكن حياتي ما انتهتش.
بدأت من جديد.
بعد شهور، اتفتح تحقيق واسع.
كمال رشدي اتحاكم.
الدكتور مدحت اعترف.
رجال كتير وقعوا.
شركات اتقفلت.
أموال اتحجزت.
اسم أمي اتبرأ رسميًا.
والق*ضية اللي اتدفنت تلاتة وعشرين سنة رجعت للنور.
حسام عاش.
خضع لعملية في كتفه.
واعترف إنه أخفى أدلة فترة طويلة، لكنه تعاون بالكامل.
عادل اتقدم للتحقيق بسبب إخفاء معلومات قديمة وتأخره في حماية سلوى.
ما حاولش يبرر.
قال:
— فشلت فيها. وما ينفعش النجاح المتأخر يمسح الفشل القديم.
الحكم عليه ما كانش زي المجرمين.
لكن خسر رتبته الشرفية.
وخرج من المؤسسة اللي عاش عمره فيها.
قبل ما يمشي، جه المستشفى.
كنت في جلسة علاج طبيعي.
بتحاول أقف بين قضيبين معدنيين.
دخل.
وقف بعيد.
قلت:
— جيت ليه؟
— أودعك.
— مسافر؟
— لأ. بس مش هفضل أظهر في حياتك من غير إذنك.
سكت.
قال:
— العملية كانت دين.
قلت:
— دفعت فلوسك.
— مش بتكلم عن الفلوس.
بصيت له.
— أنا مش عارفة أسامحك.
هز راسه.
— ما طلبتش.
— بس إنت أنقذتني.
— بعد ما فشلت أنقذ أمك.
— الاتنين صح.
ابتسم بحزن.
— إنت شبهها.
قلت:
— دي أجمل حاجة قلتها.
لف يمشي.
ناديته.
وقف.
قلت:
— ممكن تيجي تشوفني لما أمشي لوحدي.
بص لي.
عينه لمعت.
— حاضر.
خرج.
داليا كانت مستنياني بره.
من ساعة القض*ية، حياتها اتغيرت.
اليخت اتحجز.
الحسابات اتجمدت.
البيت الكبير اتباع لتسديد ديون وتعويضات.
لأول مرة، داليا اشتغلت.
اشتغلت في شركة صغيرة.
مش علشان شكل اجتماعي.
علشان تعيش.
كانت بتكره الشغل أول أسبوعين.
وبعدين اكتشفت إنها شاطرة في التسويق.
في يوم، قالت لي:
— تعرفي أغرب حاجة؟
— إيه؟
— أول مرتب أخدته كان أقل من تمن فستان كنت بلبسه مرة واحدة.
قلت:
— أهلًا بالواقع.
قالت:
— الواقع مستفز.
ضحكت.
— بس مش مزور.
بدأت علاقتنا تتصلح.
ببطء.
مش زي القصص اللي الناس تتصالح فيها بعد حضن واحد.
كانت تتعصب.
وأنا أشك.
هي تعتذر.
وأنا أفتكر القديم.
لكننا كملنا.
بعد ست شهور، قدرت أقف من غير مساعدة.
الدكتور شريف كان قدامي.
مها على يميني.
داليا على شمالي.
قال الدكتور:
— خطوة واحدة.
قلت:
— عملت أصعب.
— دي مختلفة.
رفعت رجلي.
حطيتها قدامي.
الألم كان موجود.
الخوف موجود.
لكن الخطوة حصلت.
مها صرخت.
داليا عيطت.
أنا ضحكت.
أخدت خطوة تانية.
وبعدين تالتة.
دخل عادل من الباب.
وقف.
ما قالش حاجة.
بس صفق.
بعد سنة، رجعت للخدمة.
مش لنفس المهمة.
اشتغلت في وحدة مراجعة العقود والتأمين الفني.
كنت عارفة إن رجلي مش هتتحمل الميدان زي الأول.
لكن دوري ما انتهيش.
في أول يوم، حطيت صورة سلوى على المكتب.
جنبها لوحة اسمي العسكري.
والكبسولة اللي اتشالت أخيرًا من جسمي بعد ما القض/ية انتهت.
اتفتحت في معمل متخصص.
جواها ماكانش بس مفتاح الحسابات.
كان فيه سطر واحد مسجل بصوت أمي:
“الحقيقة ممكن تتأخر… لكنها محتاجة حد يقدر يقف لما توصل.”
أنا وقفت.
مش لوحدي.
بمها.
بداليا.
بحسام.
وبعادل، رغم خطئه.
وبكل شخص اختار في النهاية إنه يقول الحقيقة بدل ما يختار الراحة.
أما أمي اللي ربتني، فاتحاكمت.
اعترفت إنها عرفت من البداية إني مش بنتها.
وإنها وافقت تربيني علشان فؤاد وعدها بحياة غنية.
قالت في المحكمة:
— كنت بكرهها لأنها كانت تذكرني بالست اللي عمره ما نسيها.
ما حسيتش بالغضب.
حسيت بالشفقة.
إنسانة ضيعت عمرها تنافس امرأة ميتة، وكسرت طفلة مالهاش ذنب.
بعد الحكم، طلبت تشوفني.
رفضت.
داليا راحت لها مرة.
رجعت ساكتة.
سألتها:
— قالت لك إيه؟
قالت:
— قالت لي إني خذلتها لما وقفت جنبك.
قلت:
— وإنتِ رديتي؟
— قلت لها لأول مرة في حياتي… أنا فخورة إني خذلتك.
ضحكت.
قالت:
— حسيت إني اتولدت يومها.
بعد مرور سنتين، وقفنا عند النيل.
في نفس المكان اللي ماتت فيه سلوى.
كان معايا داليا، ومها، وعادل.
حطيت وردة بيضا على المياه.
قلت:
— أنا مش عارفة إذا كنتِ شايفاني ولا لأ.
صوتي ارتعش.
— بس أنا مش عبء.
داليا مسكت إيدي.
كملت:
— ومش غلطة.
مها قالت:
— وطبعًا درامية شوية.
ضحكنا وسط الدموع.
قلت:
— دخلت نفس الطريق من غير ما أعرف. وكملته علشانك.
الوردة اتحركت مع المياه.
عادل قال بهدوء:
— كانت هتكون فخورة.
بصيت له.
— قالت كده فعلًا.
طلعت التسجيل الصغير.
شغلته.
صوت سلوى جه:
“ندى… أنا فخورة بيكي حتى لو ما شفتكيش تكبري.”
قفلت التسجيل.
وبصيت قدامي.
سنين طويلة، كنت فاكرة إن أهلي اشتروا لأختي يخت بثمانية مليون ورفضوا يقرضوني 250 ألف علشان ينقذوا رجلي.
لكن الحقيقة كانت أسوأ.
وأفضل.
أسوأ… لأن رفضهم ما كانش بخل.
كان خطة.
وأفضل… لأن اللحظة اللي سابوني فيها، كانت اللحظة اللي عرفت فيها مين أهلي فعلًا.
الأهل مش دايمًا اللي اسمك مكتوب جنب اسمهم في شهادة ميلاد.
الأهل هما اللي يجروا بيكي في ممر مستشفى.
اللي يبيعوا راحتهم علشان ما تبيعيش مستقبلك.
اللي يقولوا لك الحقيقة حتى لما تجرحهم.
واللي يقفوا جنبك وإنتِ بتتعلمي تمشي من جديد.
بصيت لداليا.
قلت:
— فاكرة اليخت؟
قالت:
— للأسف.
— كان لونه وحش.
ضحكت.
— كنتِ غيرانة.
— من يخت متهم في قض*ية تهريب؟
— برضه يخت.
مها قالت:
— أنتم الاتنين محتاجين علاج.
قلت:
— إحنا في العلاج من سنتين.
ضحكنا.
وبدأت أمشي بعيد عن النيل.
خطواتي ما كانتش سريعة.
ولا خالية من الألم.
لكنها كانت ثابتة.
خطوة.
وبعدها خطوة.
وبعدها خطوة.
وكل خطوة كانت بتقول نفس الحاجة:
أنا نجوت.
مش لأنهم أنقذوني.
لكن لأنهم حاولوا يكسروني…
واكتشفوا متأخر إن بنت سلوى حافظ ما اتعلمتش تمشي علشان تقف مكانها.
اتعلمت تمشي…
علشان توصل للحقيقة.
النهاية