علاج طبيعي حكـايـات أسمـا السـيد ×3

الفصل الثامن

مصنع النور

كانت الساعة قربت على اتناشر إلا عشر دقايق…

لما عربية أحمد وقفت بعيد عن المصنع القديم.

المكان كان مهجور من سنين.

بوابة حديد صدئة.

شبابيك مكسورة.

ولافتة باهتة مكتوب عليها:

“مصنع النور للأجهزة الطبية.”

كريم بص للمبنى.

وقال:

— أجهزة طبية؟

أحمد رد:

— يبقى المصنع كان غطا للشركة من زمان.

كريم طلع موبايله.

— الشرطة وراينا بخمس دقايق.

أحمد لف له بسرعة.

— قلتلك ما تبلغش حد.

— ما بلغتش رسمي. بعت الموقع لعادل. لو ما خرجناش خلال ربع ساعة، هيتحركوا.

أحمد فتح باب العربية.

— ليان جوه. مفيش وقت.

كريم مسكه من دراعه.

— اسمعني. محمود مش هيقت*لها قبل ما ياخد الدفتر. هو محتاجنا.

أحمد بص له بغضب.

— وإنت فاهمه قوي علشان اشتغلت عنده.

كريم نزل عينه.

— أيوه… وعلشان كده عارف إنه عمره ما بيحط خطة من غير مخرج.

أحمد طلع نسخة مصورة من صفحتين من الدفتر.

— الدفتر الأصلي مع الشرطة. هناخد النسخة دي.

كريم قال:

— أول ما يشوفها هيعرف إنها مش الأصل.

— مش لازم يفضل عايش وقت كفاية علشان يعرف.

كريم بص لأخوه.

— إنت ناوي تق*تله؟

أحمد ما ردش.

مشى ناحية البوابة.

كريم لحقه.

دخلوا من فتحة في السور.

الممر الداخلي كان مليان زجاج مكسور.

صوت خطواتهم بيرجع صداه.

لحد ما سمعوا صوت بنت صغيرة بتعيط.

أحمد وقف.

— ليان!

الصوت وقف فجأة.

ثم جاء صوت محمود من مكبرات قديمة:

— أهلاً يا أحمد.

أحمد رفع رأسه.

— فين بنتي؟

محمود رد:

— جوه… وآمنة لحد دلوقتي.

كريم همس:

— كاميرات.

بص حواليه.

لقى كاميرا صغيرة مثبتة فوق عمود.

محمود قال:

— كريم كمان؟ كنت عارف إنك هتخالف التعليمات.

كريم رد بصوت عالٍ:

— سيب البنت يا محمود.

محمود ضحك.

— إنت آخر واحد يتكلم عن الرحمة.

أحمد صرخ:

— عايز الدفتر؟ انزل خد الدفتر.

جاء صوت تصفيق بطيء.

ثم اشتغلت لمبات المصنع فجأة.

نور أبيض قاسي ملأ المكان.

ظهر محمود في الدور العلوي.

وبجانبه رجل طويل لابس بالطو طبي.

الدكتور رائد منصور.

وبينهم…

ليان.

إيديها مربوطة.

لكنها واقفة.

وشها مليان دموع.

صرخت:

— بابا!

أحمد اندفع لقدام.

لكن صوت طلقة ضرب الأرض قدام رجله.

رائد كان ماسك مس*دس.

قال:

— خطوة كمان… وهتكون آخر خطوة.

أحمد وقف.

رفع إيده.

— سيبها.

محمود قال:

— الدفتر الأول.

أحمد طلع الأوراق.

رفعها.

محمود بص لها.

— افتح أول صفحة.

أحمد قال:

— هتنزل تاخده بنفسك.

محمود ابتسم.

— لسه فاكر إنك بتحط شروط؟

رائد شد ليان من كتفها.

الطفلة صرخت.

أحمد قال بسرعة:

— خلاص! اهدى… هحطه على الأرض.

حط الأوراق.

ورجع خطوتين.

نزل واحد من رجال محمود.

أخدها.

طلع بيها فوق.

محمود قلبها.

ضحك.

— دي صور.

أحمد قال:

— الأصل في مكان آمن.

محمود رمى الأوراق.

وقال:

— كنت متوقع.

رائد قرب المس*دس من رأس ليان.

منى ظهر صوتها فجأة من آخر المصنع:

— ابعد عنها!

الكل لف.

أحمد اتصدم.

— منى؟!

كانت واقفة عند الباب.

معاها عادل والدكتور سامح.

ومعاهم سارة.

أحمد صرخ:

— إنتوا بتعملوا إيه هنا؟

منى ردت:

— بنتي جوه… مش هقعد مستنية.

محمود أول ما شاف سارة…

وشه اتغير.

رائد قرب من سور الدور العلوي.

وبص لها بصدمة.

قال:

— مين جاب البنت دي؟

سارة استخبت ورا منى.

منى رفعت صوتها:

— إنت تعرفها؟

رائد ما ردش.

لكن ملامحه كانت كفاية.

عادل رفع الدفتر الأصلي.

وقال:

— الدفتر هنا.

أحمد صرخ:

— عادل! إنت مجنون؟

عادل رد:

— دي الطريقة الوحيدة نخرج ليان.

محمود قال:

— اطلعه لفوق.

عادل قال:

— الأول سيب البنتين.

رائد ضحك.

— البنتين؟

عادل أشار لسارة.

— دي كمان واحدة من ضحاياكم.

محمود بص لرائد.

— قلتلي إنها ماتت.

رائد قال بعصبية:

— كان المفروض تموت.

سارة بدأت تعيط.

منى حضنتها.

وقالت:

— إنت عملت فيها إيه؟

رائد رد:

— دي مش بنتك.

منى قالت:

— بس طفلة… وده كفاية.

محمود ضرب سور الدور بإيده.

— كفاية كلام. الدفتر يطلع دلوقتي.

عادل قرب من السلم الحديدي.

بدأ يطلع.

كل خطوة كانت بطيئة.

سامح همس لأحمد:

— في باب جانبي يوصل للدور العلوي.

أحمد بص له.

— عرفت منين؟

— المصنع كان تابع لمستشفى رائد. جيت هنا زمان.

كريم سمعهم.

وقال:

— أنا هلف من الناحية التانية.

أحمد همس:

— خليك مع منى.

كريم رد:

— المرة دي… خليني أصلح جزء من اللي عملته.

تحرك بهدوء في الظلام.

عادل وصل نص السلم.

محمود قال:

— ارمِ الدفتر.

عادل رد:

— سيب ليان تنزل.

محمود هز رأسه لرائد.

رائد فك حبل إيد واحدة من ليان.

وقال:

— انزلي.

ليان بدأت تنزل السلم الصغير من الدور العلوي.

عينيها على أبوها.

أحمد قال:

— ببطء يا حبيبتي… أنا هنا.

كانت فاضل لها كام درجة.

لما رائد قال:

— استنى.

ليان وقفت.

رائد بص لسارة.

ثم قال:

— البنت دي تطلع مكانها.

منى صرخت:

— مستحيل.

رائد رد:

— يبقى ليان ترجع.

أحمد قال:

— إنت عايز سارة ليه؟

رائد قال:

— لأنها خطأ قديم لازم يتصلح.

عادل قال:

— تقصد شاهدة لازم تختفي.

محمود بص لرائد بغضب.

— إنت مخبي عني إيه؟

رائد رد:

— مش وقته.

محمود قال:

— لا… وقته. قلتلي الطفلة التانية ماتت ليلة الولادة.

منى اتجمدت.

بصت لسارة.

ثم لرائد.

— الطفلة التانية… أخت ليان؟

رائد ابتسم ابتسامة باردة.

— مش بالمعنى اللي في دماغك.

أحمد صرخ:

— وضح.

رائد قال:

— ليلة ولادة منى، كان عندنا طفلتين في غرفة العمليات. واحدة بنت منى… وواحدة مجهولة الأم.

منى قالت:

— مجهولة إزاي؟

— أمها ماتت أثناء الولادة… ومفيش أهل.

عادل قال:

— فبدلتوا الملفات.

رائد رد:

— كنا محتاجين طفلة يتسجل موتها. لكن حصل خطأ. الممرضة خرجت الطفلة الغلط.

منى حطت إيدها على بقها.

— يعني مين فيهم بنتي؟

رائد بص لليان.

ثم لسارة.

وقال:

— حتى أنا مش متأكد.

الصمت كان مرعب.

أحمد قال:

— كداب.

رائد هز كتفه.

— التحاليل القديمة اتلفت. والأساور اتبدلت. نجلاء اكتشفت اللي حصل، وعشان كده كتبت كل حاجة في الدفتر.

محمود لف له.

— إنت قلت لنجلاء إن الموضوع اتصلح.

رائد رد:

— نجلاء كانت هتفضحنا.

منى صرخت:

— إنت قت*لت أمي؟

محمود قال بسرعة:

— أنا ما قت*لتهاش.

رائد ابتسم.

— لكنك ساعدتني أخفي التقرير.

محمود اندفع عليه.

— إنت وعدتني إنها هتعيش.

رائد رفع المس*دس في وشه.

— ارجع مكانك.

وفي اللحظة دي…

كريم ظهر من ورا رائد.

ضرب إيده.

المس*دس وقع.

ليان صرخت ونزلت تجري على السلم.

أحمد جري ناحيتها.

رائد مسك كريم.

خبطه في السور.

محمود حاول ياخد الدفتر من عادل.

وسامح اندفع فوق السلم.

الدنيا اتقلبت في ثواني.

أحمد وصل لليان.

حضنها.

قال:

— أنا هنا… خلاص.

لكن طلقة اتضربت.

الكل سكت.

كريم وقف مكانه.

بص لصدره.

الدم بدأ ينتشر في قميصه.

منى صرخت:

— كريم!

كريم وقع على ركبته.

رائد كان ماسك مس*دس تاني صغير.

قال:

— محدش يتحرك.

أحمد سلّم ليان لمنى.

وصعد السلم ببطء.

رائد وجه الس*لاح ناحيته.

— ارجع.

أحمد ما وقفش.

— ضربت أخويا… خطفت بنتي… وقت*لت أهلنا. مش هرجع.

رائد قال:

— خطوة كمان وهضربك.

أحمد كمل.

رائد ضغط الزناد.

لكن المس-دس ما ضربش.

كان فاضي.

بص له بصدمة.

أحمد هجم عليه.

وقعوا الاتنين على الأرض.

بدأوا يتخانقوا.

محمود حاول يهرب بالدفتر.

لكن عادل مسكه.

سامح جرى ناحية كريم.

ضغط على الجرح.

قال:

— خليك معايا.

كريم قال بصعوبة:

— ليان… كويسة؟

سامح رد:

— كويسة.

كريم ابتسم.

— يبقى المرة دي… عملت حاجة صح.

منى صرخت:

— ما تتكلمش… الإسعاف جاية.

كريم بص لأحمد وهو بيضرب رائد.

ثم قال:

— قولي له… إني آسف.

فوق…

رائد حاول يزق أحمد من سور الدور.

أحمد مسك الحديد.

جسمه كان نصفه بره.

رائد ضغط على إيده برجله.

وقال:

— أبوك مات بنفس الطريقة تقريبًا… كان فاكر إنه بطل زيك.

أحمد بص له.

والغضب اداله قوة.

مسك رجل رائد.

شده.

وقع رائد على الأرض.

أحمد طلع.

مسكه من رقبته.

رفع إيده علشان يضربه.

لكن ليان صرخت من تحت:

— بابا… لأ!

أحمد وقف.

بص لبنته.

كانت بتعيط.

قالت:

— ما تبقاش زيه.

أحمد نزل إيده.

بعد رائد عنه.

وفي اللحظة دي…

دخلت الشرطة من كل الأبواب.

— ارفعوا إيديكم!

رائد حاول يجري.

لكن اتقبض عليه.

محمود وقف مكانه.

ما قاومش.

بص لبنته منى.

وقال:

— أنا عملت كل ده علشان أحميكي.

منى ردت:

— إنت طول عمرك كنت بتحمي نفسك.

محمود مد إيده كأنه عايز يقرب منها.

لكن الشرطة قيدته.

أما أحمد…

فنزل بسرعة ناحية كريم.

سامح كان بيحاول يوقف النزيف.

أحمد قعد على الأرض.

مسك إيد أخوه.

— كريم… بصلي.

كريم فتح عينه بصعوبة.

قال:

— فاكر لما كنا صغيرين… وإنت كنت بتاخد الضرب مكاني؟

أحمد دموعه نزلت.

— اسكت… وفر نفسك.

كريم ابتسم.

— المرة دي دوري.

أحمد ضغط على إيده.

— مش هتموت. سامعني؟ مش هسيبك.

صوت الإسعاف قرب.

لكن سامح بص لأحمد.

وكان في عينه قلق.

قال:

— لازم يدخل العمليات فورًا.

شالوا كريم على النقالة.

وأحمد جري معاهم.

لكن قبل ما يخرج…

منى نادته.

لف لها.

كانت حاضنة ليان بإيد…

وسارة ماسكة إيدها التانية.

قالت:

— التحليل.

أحمد بص للبنتين.

وقال:

— يتعمل.

ليان سألته وهي خايفة:

— تحليل إيه يا بابا؟

أحمد قرب منها.

نزل لمستواها.

مسك وشها بين إيديه.

— تحليل يثبت حاجة إحنا عارفينها أصلًا.

— إيه هي؟

— إنك بنتي… مهما كانت النتيجة.

ليان حضنته.

وسارة كانت واقفة تتفرج.

منى مدت إيدها لها.

فسارة قربت.

حضنت أحمد هي كمان.

وفي اللحظة دي…

حس إن القضية ما بقتش بس مين بنت مين.

بقت مين هينقذ الأطفال اللي ضاعوا…

ومين هيرجع لهم أسماءهم الحقيقية.

—

الفصل التاسع

نتيجة التحليل

مرّت تلات أيام…

كريم كان في العناية المركزة.

الرصاصة عدت جنب القلب بسنتيمترات.

والدكاترة قالوا إن الساعات الأولى هي الأصعب.

أحمد ما سابش المستشفى.

منى كانت بين البيت والمستشفى.

ليان وسارة بقوا مع جدة أحمد.

أما محمود ورائد…

فاتحبسوا على ذمة التحقيق.

الدفتر كشف أكتر من خمسين حالة تبديل واختفاء أطفال.

لكن أكبر سؤال…

كان متعلق بليان وسارة.

تم سحب عينات DNA من منى وأحمد والبنتين.

وفي صباح اليوم الرابع…

الدكتور طلب يقابل أحمد ومنى.

دخلوا مكتبه.

منى كانت ماسكة إيد أحمد بقوة.

الدكتور فتح الملف.

وقال:

— النتائج مؤكدة بنسبة عالية جدًا.

أحمد قال:

— قول.

الدكتور بص لهم.

— ليان… هي ابنة الأستاذ أحمد.

أحمد غمض عينه.

نفس طويل خرج منه.

منى دموعها نزلت.

قالت:

— وأنا؟

الدكتور سكت لحظة.

ثم قال:

— ليان ليست ابنتك البيولوجية.

منى سابت إيد أحمد.

بصت للدكتور كأنها ما فهمتش.

— مش بنتي؟

أحمد قال:

— مستحيل.

الدكتور أشار للورق.

— النتيجة اتكررت مرتين.

منى بدأت تهز رأسها.

— أنا حملت فيها… أنا ولدتها… أنا…

الدكتور قال بهدوء:

— وده معناه إن التلاعب ما حصلش بعد الولادة فقط.

أحمد وقف.

— تقصد إيه؟

الدكتور رد:

— تحليل ليان يثبت إنها بنتك، لكنه لا يثبت إنها بنت منى. ده ممكن يحصل فقط في حالة استخدام بويضة من امرأة أخرى أثناء إجراء طبي.

منى قالت:

— أنا ما عملتش حقن مجهري.

الدكتور قال:

— حسب سجلاتك، الحمل بدأ طبيعيًا. لكن الملفات اتعدلت أكتر من مرة.

أحمد حط إيده على المكتب.

— وسارة؟

الدكتور قلب الصفحة.

— سارة هي ابنة منى البيولوجية.

منى شهقت.

قالت:

— بنتي؟

الدكتور هز رأسه.

— أيوه.

أحمد سأل:

— وأبوها؟

الدكتور بص له.

ثم قال:

— مش حضرتك.

الصمت نزل كالحجر.

أحمد بص لمنى.

منى رجعت خطوة.

— والله ما خنتك.

أحمد ما اتكلمش.

الدكتور قال:

— النتائج بتشير إن الحملين حصلوا بتدخل طبي. غالبًا تم زرع جنينين مختلفين في رحم منى دون علمها.

منى قالت:

— جنينين؟

— ممكن تكوني حملتِ بتوأم. جنين من بويضتك وحيوان منوي من رجل آخر… وجنين من بويضة امرأة أخرى وحيوان منوي من أحمد.

أحمد حس بدوخة.

— ليه حد يعمل كده؟

الدكتور قال:

— ده سؤال للنيابة… وللدكتور رائد.

منى قعدت على الكرسي.

— يعني أنا كنت حامل في بنتين؟

— الاحتمال الأكبر أيوه.

— وولدتهم؟

— سجلات العملية الأصلية اختفت، لكن النتائج بتأكد إن الاتنين خرجوا من نفس الحمل.

أحمد قال:

— يعني ليان وسارة أختين من الأم الحاضنة… بس كل واحدة لها أب وأم بيولوجيين مختلفين؟

الدكتور قال:

— بالضبط.

منى بصت لأحمد.

— ليان بنتك… وسارة بنتي.

أحمد قعد جنبها.

مسك إيدها.

منى قالت وهي بتبكي:

— كنت فاكر إني خنتك؟

أحمد رد:

— للحظة… خفت.

منى سحبت إيدها.

— بعد كل اللي عشناه؟

أحمد قال:

— أنا آسف.

— كلمة آسف مش بتمسح النظرة اللي شفتها في عينك.

أحمد نزل رأسه.

الدكتور خرج بهدوء وسبهم لوحدهم.

منى وقفت.

— أنا محتاجة أفهم مين أبو سارة.

أحمد قال:

— هنفهم سوا.

منى ردت:

— مش عارفة إحنا لسه “سوا” ولا لأ.

خرجت.

وأحمد فضل مكانه.

موبايله رن.

كان اتصال من النيابة.

المحقق قال:

— الدكتور رائد وافق يعترف… لكن بشرط يقابل منى لوحدها.

أحمد قال:

— مستحيل.

— بيقول إن عنده دليل يثبت مين والد سارة… وليه اختار منى تحديدًا.

أحمد سأل:

— هو عايز منها إيه؟

المحقق رد:

— عايز يسمع منها إنها سامحته.

أحمد ضحك بمرارة.

— سامحته على إيه؟

المحقق قال:

— بيقول إنه والد سارة.

الموبايل كاد يقع من إيد أحمد.

— إيه؟

— الدكتور رائد قال إن سارة بنته.

أحمد خرج من المكتب بسرعة.

لقى منى واقفة في آخر الممر.

ناداها.

— منى!

وقفت.

قرب منها.

قال:

— النيابة اتصلت.

— في إيه؟

أحمد تردد.

لكن ما بقاش ينفع يخبي.

— رائد بيقول إنه أبو سارة.

منى وشها اتجمد.

وبعد لحظات…

قالت:

— كنت عارفة.

أحمد حس إن قلبه وقع.

— عارفة؟

منى دموعها نزلت.

— مش متأكدة… لكن كنت خايفة يكون هو.

أحمد قرب منها.

— اشرحي.

منى قالت:

— قبل الحمل بشهر… بابا أخدني مستشفى رائد علشان قال إن عندي مشكلة بسيطة وإنه لازم أعمل منظار.

أحمد قال:

— إنتِ قلتيلي إنها فحوصات عادية.

— ده اللي بابا قالهولي. خدّروني… ولما صحيت، رائد قال إن كل حاجة تمام.

أحمد فهم.

— استغلوا العملية.

منى انهارت.

— زرعوا أجنة جوايا من غير ما أعرف.

أحمد حضنها.

المرة دي ما كانش في شك.

كان في غضب.

غضب على كل اللي اتسرق منهم.

قال:

— إنتِ ما عملتيش حاجة غلط.

منى قالت:

— بس سارة بنته.

أحمد رد:

— سارة بنتنا… وهو عمره ما هيقرب منها.

منى رفعت عينيها.

— إنت هتقبلها؟

أحمد قال من غير تردد:

— هي عاشت سبع سنين من غير أب ولا أم. مش هسيبها بعد ما عرفتنا.

منى بكت أكتر.

لكن وسط بكائها…

ظهر ضابط شرطة عند نهاية الممر.

جرى ناحيتهم.

قال:

— الدكتور رائد حاول ينتحر في الحجز.

أحمد سأل:

— مات؟

— لأ… لكن قبل ما يفقد الوعي كتب كلمة واحدة على الحيطة بدمه.

منى سألت:

— إيه هي؟

الضابط قال:

— “نجلاء.”

منى اتجمدت.

أحمد قال:

— أم منى؟

الضابط هز رأسه.

— ويبدو إن السيدة نجلاء ما ماتتش في الوقت اللي أنتم فاكرينه.

منى قالت:

— يعني إيه؟

الضابط طلع صورة حديثة.

امرأة كبيرة في السن.

شعرها أبيض.

قاعدة على كرسي متحرك.

منى أخدت الصورة.

إيدها ارتعشت.

— دي أمي.

الضابط قال:

— الصورة اتاخدت من كاميرا مراقبة في دار رعاية خاصة من أسبوعين.

أحمد سأل:

— دار فين؟

الضابط رد:

— تابعة لسلسلة مستشفيات رائد منصور.

منى شهقت.

— أمي عايشة؟

الضابط قال:

— لحد أسبوعين… كانت عايشة.

منى جريت ناحية باب المستشفى.

أحمد لحقها.

لكن الضابط ناداهم:

— استنوا!

وقفوا.

قال:

— الدار اتقفلت النهارده الصبح… وكل المرضى اتنقلوا لمكان مجهول.

أحمد قال:

— مين نقلهم؟

الضابط رد:

— موظف استخدم تفويضًا رسميًا من محمود الشهاوي.

منى بصت لأحمد.

وقالت:

— بابا لسه بيتحكم في كل حاجة… حتى وهو محبوس.

وفي نفس اللحظة…

خرج الدكتور من العناية المركزة.

قال:

— أهل كريم؟

أحمد جري له.

— أنا أخوه.

الدكتور قال:

— فاق.

أحمد دخل الغرفة.

كريم كان ضعيف جدًا.

لكن واعي.

أحمد قرب منه.

قال:

— الحمد لله.

كريم بص له.

ابتسم.

— ليان رجعت؟

— رجعت.

— وسارة؟

أحمد اتفاجئ.

— إنت تعرف سارة؟

كريم سكت.

أحمد قال:

— كريم… إنت كنت تعرف إنها بنت رائد؟

كريم همس:

— كنت أعرف إن في طفلة تانية.

— من إمتى؟

— من سبع سنين.

أحمد رجع خطوة.

كريم كمل:

— محمود طلب مني أوصل طفلة لدار أيتام ليلة ولادة ليان.

أحمد قبض إيده.

— إنت اللي سبت سارة هناك؟

كريم دموعه نزلت.

— كنت فاكر أمها ماتت… قالولي إنها ملهاش حد.

أحمد قال:

— وأنت ما سألتش؟

كريم رد بصوت ضعيف:

— كنت صغير وطماع وخايف. أخدت الفلوس ومشيت.

أحمد لف علشان يخرج.

كريم ناداه:

— أحمد…

وقف.

كريم قال:

— في حاجة تانية.

أحمد ما بصش له.

— قول.

كريم همس:

— نجلاء ما كانتش في دار الرعاية بإرادتها.

أحمد لف له.

— تعرف مكانها؟

كريم قال:

— أعرف مكان كانوا بينقلوها له زمان.

— فين؟

كريم قال:

— بيت قديم في الفيوم… اسمه بيت الصفصاف.

ثم غمض عينه من التعب.

أحمد خرج من الغرفة.

منى كانت مستنياه.

سألته:

— قال إيه؟

أحمد رد:

— عرفنا مكان ممكن تكون أمك فيه.

منى قالت:

— نروح دلوقتي.

أحمد بص للساعة.

ثم للدكتور.

ثم لمنى.

قال:

— هنروح… بس المرة دي مش هنروح لوحدنا.

منى هزت رأسها.

— ولا هنسيب البنتين لوحدهم.

أحمد قال:

— البنتين هيبقوا في حماية الشرطة.

منى ردت:

— لا. لو الشبكة وصلها ناس جوه الشرطة، الحماية مش كفاية.

أحمد سأل:

— تقترحي إيه؟

منى قالت:

— ناخدهم معانا.

أحمد رفض فورًا.

— خطر.

منى قالت:

— تركهم هنا أخطر.

ومن خلفهم…

جاء صوت عادل:

— عندي مكان محدش يعرفه.

أحمد بص له.

عادل قال:

— بيت قديم كان ملك أبوك. قريب من بيت الصفصاف.

أحمد سأله:

— وليه أول مرة نسمع عنه؟

عادل رد:

— لأن أبوك كان بيستخدمه لتخزين الأدلة.

أحمد قال بمرارة:

— واضح إن أبويا كان عنده بيوت وأسرار أكتر من عمره.

عادل قال:

— وفي البيت ده… ممكن نلاقي آخر ملف سابه.

منى سألت:

— ملف إيه؟

عادل رد:

— ملف مكتوب عليه: “الابنة الثالثة.”

أحمد ومنى بصوا لبعض.

منى قالت:

— بنت ثالثة؟

عادل هز رأسه.

— نجلاء ما كتبتش تفاصيل. بس لو الملف حقيقي… يبقى ليلة ولادتك ما كانش فيها طفلتين بس.

سكت لحظة.

ثم قال:

— كان في طفلة ثالثة اختفت تمامًا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *