بعد وفاة جوزي حكايات اسما السيد ×3
الفصل السادس: الاسم الذي غيّر كل شيء
حاولت أتماسك.
قلت للضابط سامح بصوت مرتجف:
“من فضلك… قول لي مين الراجل.”
سكت لحظات.
كأنه بيجمع شجاعته.
وبعدين قال:
“قبل ما أقولك… لازم تعرفي إن محمود ما كانش مذنب.”
“كان ضحية خداع… زي ناس كتير.”
قلت بعصبية:
“أنا مش فاهمة حاجة.”
قام ناحية المكتبة.
طلع ملف صغير مغبر.
وكان مكتوب عليه:
“أُغلق لعدم كفاية الأدلة.”
فتح الملف قدامي.
وقال:
“بعد الحادث بشهرين… جاتنا معلومة إن فيه شبكة بتستغل الأطفال اللي بيتوهوا في الحوادث والكوارث.”
اتجمدت مكاني.
“إيه؟”
قال:
“للأسف… في الوقت ده كانت وسائل التعرف على الهويات ضعيفة.”
“وكان ممكن طفل يختفي للأبد.”
فتح صورة قديمة.
وأول ما شفتها…
حسيت إن قلبي وقف.
كان نفس الراجل اللي ظهر في الصورة القديمة.
لكن الصورة دي أوضح.
وكان واقف جنب عربية إسعاف.
ولابس جاكيت عليه شعار متطوع.
قال الضابط:
“اسمه الحقيقي…”
“فريد عزام.”
“وماكانش متطوع.”
“كان مزور بطاقات الإسعاف.”
شهقت.
قال:
“كان يدخل مواقع الحوادث قبل الشرطة.”
“ويستغل الفوضى.”
“وفي حادث الأتوبيس…”
“إحنا بنعتقد إنه أخد الطفل عمر.”
قلت وأنا مش مستوعبة:
“ومحمود عرف ده إمتى؟”
أجاب:
“من خمس سنين.”
“بعد ما شاف تقرير قديم اتفتح تاني.”
“ولما شاف صورة فريد…”
“افتكر إنه شافه يوم الحادث.”
“لكنه وقتها افتكره مسعف حقيقي.”
حطيت إيدي على وشي.
يعني…
جوزي فضل طول عمره فاكر إنه أضاع طفل.
والحقيقة…
إن حد استغل الفوضى وخطفه.
لكن ليه فضل ساكت؟
سألت الضابط.
قال:
“لأنه حس إن ضميره كان لازم يشوف الراجل.”
“كان يقول: لو كنت ركزت في وشه أكتر…”
“كان زمانه اتقبض عليه.”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“لكن فيه مفاجأة.”
رفعت عيني بسرعة.
قال:
“فريد مات من حوالي عشر سنين.”
حسيت بخيبة أمل.
“يعني انتهى كل شيء.”
هز رأسه.
“لا.”
“لأن قبل ما يموت…”
“اتقبض عليه في قضية تانية.”
“وساب دفتر مذكرات.”
استغربت.
“مذكرات؟”
“أيوه.”
“وفيها كتب تفاصيل عن أطفال كتير.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
“ومنهم عمر؟”
قال:
“للأسف… الصفحات الخاصة بحادث الأتوبيس كانت ناقصة.”
“لكن…”
سكت مرة تانية.
قلت بانفعال:
“لكن إيه؟”
ابتسم لأول مرة.
وقال:
“في آخر صفحة…”
“كتب جملة واحدة.”
ناولني صورة من الدفتر.
كانت بخط مرتعش.
“الولد الصغير ذو الندبة فوق الحاجب… لم يمت، ولم أبعه.”
حسيت بجسمي كله بيترعش.
كملت القراءة.
“تركته عند شخص… لأنه ذكرني بابني.”
رفعت رأسي بذهول.
قلت:
“يعني عمر عاش؟”
الضابط قال بهدوء:
“احتمال كبير.”
“وده السبب الحقيقي.”
“محمود قبل ما يموت بأيام…”
“طلب إعادة فتح البحث.”
“وكان مقتنع إن الطفل، لو لسه عايش…”
“بقى راجل في الأربعين تقريبًا.”
سكت قليلًا، ثم مد يده إلى درج مكتبه وأخرج ظرفًا أبيض.
وقال:
“وده آخر شيء سابه محمود عندي.”
أخذته ببطء.
كان مكتوبًا عليه بخطه:
“إذا وصلت زوجتي إلى هنا… فقد حان الوقت لتعرف لماذا كنت أخاف من العثور على عمر أكثر من خوفي من فقدانه.”
وأدركت أن السر الأكبر… لم يكن اختفاء الطفل.
بل ما كان يخشاه زوجي لو ظهر الطفل من جديد.
الفصل السابع: الخوف الذي أخفاه حتى النهاية
جلست في السيارة دقائق طويلة.
الظرف بين إيدي…
لكن لأول مرة من بداية الرحلة، كنت خايفة أفتحه.
كل رسالة قبل كده كانت بتكشف جزءًا من الحقيقة.
أما الرسالة دي…
فكان واضح إنها هتكشف السبب الحقيقي لكل السنين اللي عاشها محمود في صمت.
أخذت نفسًا عميقًا.
وفتحتها.
كانت ورقة واحدة.
لكنها كانت أطول رسالة كتبها لي طوال حياتنا.
“زوجتي الحبيبة…
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى عرفتي إن عمر غالبًا عاش.
وأكيد هتسألي نفسك سؤال واحد…
إذا كنت متأكد إنه عايش، ليه ما دورتش عليه بكل قوتي؟”
بدأت دموعي تنزل.
وكملت.
“الحقيقة إني دورت.
سنين طويلة.
بس كل مرة كنت أقرب فيها… كنت أتراجع.”
“مش لأني فقدت الأمل.
لكن لأني كنت خايف.”
وقفت لحظة.
الخوف من إيه؟
رجعت أقرأ.
“خايف ألاقيه… فيكرهني.”
حطيت إيدي على قلبي.
“لو عرف إن آخر ذكرى ليه مع أمه كانت وأنا شايله…
وإن أخوه اختفى بعد دقائق…
هيشوفني أنا السبب.”
“أنا عارف إني بريء.
لكن الضمير عمره ما بيعترف بالأحكام.”
دموعي كانت بتنزل على الورقة.
“في مرة…
وصلت لعنوان بيت كان ممكن يكون فيه.
وقفت قدام الباب ساعة كاملة.
وفي الآخر… مشيت.”
“وفي مرة تانية…
شخص قال لي إنه شاف راجل في الأربعين عنده نفس الندبة اللي كانت فوق حاجب عمر.
روحت.
لكن لما شفته من بعيد…
رجعت.”
همست لنفسي:
“ليه يا محمود؟”
كأن الرسالة كانت بترد عليّ.
“لأن لو كنت غلطان… هكسر قلب راجل ملوش ذنب.
ولو كنت صح… يمكن أفتح جرح عمره أربعين سنة.”
سكتُّ طويلًا.
ثم قرأت آخر الفقرة.
“أنا تعبت.
والمرض سبقني.
لكن إنتِ… يمكن تقدري تعملي اللي أنا مقدرتش أعمله.”
كان مع الرسالة ظرف صغير آخر.
فتحتُه.
وجدت صورة حديثة.
ورجل يقف أمام مزرعة كبيرة.
وعلى ظهر الصورة مكتوب:
“آخر خيط وصلنا له قبل ستة أشهر.”
أسفلها اسم قرية.
ورقم منزل.
لكن المفاجأة لم تكن العنوان.
المفاجأة كانت أن الرجل في الصورة…
كان يشبه محمود بشكل غريب جدًا.
نفس العينين.
ونفس طريقة الوقوف.
حتى الابتسامة الخفيفة.
لدرجة أنني ظننته محمود وهو أصغر بعشرين سنة.
همست:
“مستحيل…”
في تلك اللحظة رن هاتفي.
كان الضابط سامح.
رددت بسرعة.
قال:
“نسيت أقولك حاجة مهمة.”
“الصورة اللي معاكي…”
“ما اتصورتش من بعيد.”
“اللي صورها…”
“كان يوسف.”
اتسعت عيناي.
“يوسف؟”
“أيوه.”
“أخوه عمر كان بيدور عليه هو كمان.”
تجمدت في مكاني.
يعني…
من غير ما يعرفوا الحقيقة…
كل واحد من الأخوين كان يبحث عن الآخر.
وكل واحد كان يقترب من الحقيقة في الوقت الذي كان الآخر يبتعد عنها.
أغلقت الهاتف ببطء.
ونظرت إلى العنوان مرة أخرى.
ثم أدرت مفتاح السيارة.
وأدركت أن الخطوة القادمة…
لن تكون بحثًا عن سر.
بل لقاءً قد يغيّر حياة ثلاثة أشخاص إلى الأبد.
الفصل الثامن: الرجل الذي يحمل نصف الحكاية
الطريق للقرية كان طويلًا.
كنت كل ما أقرب…
قلبي يدق أسرع.
العنوان كان لمزرعة بسيطة على أطراف القرية.
سور أبيض قديم.
وشجرة جميز ضخمة قدام البوابة.
ركنت العربية.
ونزلت.
قبل ما أخبط…
سمعت صوت طفل بيضحك.
بعدين خرج ولد صغير، يمكن عنده سبع سنين، بيجري ورا كلب.
وقف أول ما شافني.
وقال بابتسامة:
“حضرتك جاية لمين؟”
قلت وأنا بحاول أبتسم:
“هو… الأستاذ عمر موجود؟”
الولد جرى لجوه وهو بيزعق:
“بابا… فيه واحدة عايزاك.”
بعد ثواني…
خرج راجل طويل.
شعره بدأ يشيب من الجانبين.
ولما رفع عينيه عليّ…
حسيت الزمن وقف.
ملامحه…
كانت شبه محمود بشكل يخض.
نفس النظرة الهادية.
ونفس الابتسامة الخجولة.
فضل يبصلي باستغراب.
وقال:
“اتفضلي.”
قلت:
“حضرتك اسمك عمر؟”
رد:
“لا.”
“اسمي عادل.”
قلبي وقع.
يعني العنوان غلط؟
لكن قبل ما أتكلم…
قال:
“بس ناس كتير كانت بتناديني عمر وأنا صغير.”
اتجمدت مكاني.
قال وهو مستغرب شكلي:
“حضرتك تعرفيني؟”
طلعت الصورة من شنطتي.
ناولتهاله.
أول ما شافها…
وشه اصفر.
ومسك الصورة بإيدين بتترعش.
همس:
“دي…”
“دي الصورة الوحيدة اللي كانت معايا وأنا طفل.”
شهقت.
“إيه؟”
قال:
“أمي اللي ربتني كانت محتفظة بيها.”
“وقالت إنهم لقوني تايه بعد حادث كبير.”
دموعي نزلت.
قلت:
“حضرتك فاكر اسمك الحقيقي؟”
هز رأسه.
“لأ.”
“كل اللي فاكره…”
“إني كنت دايمًا بحلم بولد شبهّي.”
“وكان بيناديني…”
وتوقف.
قلت بسرعة:
“إيه؟”
قال:
“يوسف.”
حطيت إيدي على بقي.
يا رب…
يعني الذكريات كانت لسه جواه.
دخلني البيت.
وجابت مراته الشاي.
وكان واضح إنها مش فاهمة اللي بيحصل.
بعد شوية قال:
“حضرتك جاية من طرف مين؟”
سكت شوية.
وبعدين قلت:
“من طرف محمود.”
أول ما نطق اسمه…
قام واقف.
وقال بسرعة:
“محمود؟”
“الاسم ده أنا سمعته قبل كده.”
“في مذكرات أمي.”
استغربت.
“أمك؟”
قال:
“قبل ما تموت بشهر…”
“سابتلي صندوق.”
“وقالت: أوعى تفتحه إلا لما ييجي اليوم اللي تسمع فيه اسم محمود.”
اتجمدت.
يعني الست كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
قام بسرعة.
طلع الصندوق.
كان قديم جدًا.
مقفول بمفتاح صغير.
بصيت للمفتاح اللي لقيته في درج محمود.
طلع… نفس المقاس.
ناولني الصندوق.
وقال:
“حضرتك افتحيه.”
دخل المفتاح بسهولة.
وسمعنا صوت القفل وهو بيتفتح.
كان جواه…
بطانية أطفال صغيرة.
وسيارة لعبة قديمة.
ونصف سلسلة فضة مكسورة.
وتحتهم…
رسالة.
بدأت أقرأ بصوت مرتعش:
“إلى من سيصل إليه هذا الصندوق…
أنا اسمي زينب.
أنا الست اللي ربت الطفل ده.
ولازم أعترف قبل ما أموت…
أنا ما لقيتوش تايه.
أنا استلمته من راجل…”
سكتُّ فجأة.
لأن السطر التالي…
نسف كل ما عرفناه.
“الراجل اللي سلمني الطفل…
ماكانش فريد.”
رفع عادل رأسه نحوي.
وقال بصوت مرتعش:
“يعني فيه شخص تاني؟”
هزيت رأسي وأنا أكمل القراءة.
“الراجل كان بيقول إنه بينقذ الطفل…
وكان بيردد طول الطريق جملة واحدة:
(لو رجع لأهله… هيموت.)”
ساد الصمت في الغرفة.
لأول مرة…
أدركت أن اختفاء عمر ربما لم يكن مجرد جريمة خطف.
وربما كان هناك شخص آخر…
عرف سرًا خطيرًا في يوم الحادث، وجازف بكل شيء ليُبعد الطفل عن مكان لم يكن آمنًا له.
يتبع…