ادم حكـايـات أسمـا ×3
الجزء العاشر
الضابط أخد الفلاشة.
وبص لآدم باستغراب.
وقال:
— إيه اللي عليها؟
رد آدم بهدوء:
— اعتراف كامل بج*ريمة اتدفنت عشرين سنة.
الضابط سكت لحظة.
وقال:
— والبلاغ؟
ابتسم آدم.
— البلاغ معمول علشان يمنع الفلاشة دي توصل للنيابة.
الضابط طلب يشوف بطاقة آدم.
أول ما عرف إنه محقق جنائي…
ملامحه اتغيرت.
وقال:
— اتفضلوا تركبوا معايا… هنروح النيابة سوا.
ركبنا.
وطول الطريق…
كنت حاسة إن قلبي هيقف.
كل الذكريات بترجع.
كل مرة شفت فيها آدم وهو طفل.
كل مرة كنت أقول لنفسي…
يمكن فعلًا هو اللي سرق.
وكل مرة كنت بكسف أبص في وشه.
وصلنا النيابة.
وفي أقل من ساعة…
الفيديو اتفرغ.
والاعتراف اتسجل.
والدفتر القديم اتضم للأوراق.
وفجأة…
دخل موظف يجري.
وقال:
— يا فندم…
المتهم محمود الرفاعي مش موجود في بيته.
اختفى.
الجزء الحادي عشر
بعدها بثلاث ساعات…
التليفونات كلها كانت بترن.
الأخبار بدأت تنتشر.
ورجال المباحث خرجوا يدوروا على محمود.
لكن…
كان سبقهم.
اختفى تمامًا.
آدم خرج من مكتب وكيل النيابة.
وقال:
— كان متوقع.
قلت:
— يعني هيفلت؟
هز رأسه.
— لأ.
كل منافذ السفر اتقفلت.
وحسابه في البنك اتجمد.
والشرطة بتدور عليه في كل مكان.
وأنا كنت لسه مش قادرة أصدق…
إن الحقيقة أخيرًا ظهرت.
لكن الصدمة الأكبر…
كانت مستنيانا في البيت.
الجزء الثاني عشر
رجعنا البيت بعد المغرب.
أول ما دخلت…
لقيت الصالة متبهدلة.
الدولاب مفتوح.
الأوراق مرمية على الأرض.
والصندوق الأسود…
اختفى.
صرخت.
— الصندوق!
آدم جرى على الأوضة.
كل حاجة كانت متقلبة.
لكن الغريب…
إن اللاب توب.
والفلوس.
والدهب الجديد.
كلهم مكانهم.
اللي اتسرق…
كان الصندوق بس.
وقف آدم يفكر.
وبعدين ابتسم.
قلت بعصبية:
— بتضحك؟!
قال:
— لأنه وقع في الفخ.
استغربت.
— فخ؟
طلع الفلاشة من جيبه.
وقال:
— الصندوق كان فاضي.
كل الأدلة المهمة…
كنت شايلها معايا من قبل ما نخرج.
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
لكن…
ابتسامتي اختفت.
لما التليفزيون قطع الإرسال العادي.
وظهر خبر عاجل.
“العثور على سيارة محترقة على الطريق الصحراوي… ويُشتبه أنها تخص رجل الأعمال محمود الرفاعي.”
بصيت لآدم.
وقلت:
— معقول مات؟
رد وهو بيطفي التلفزيون:
— معرفش…
لكن لو كان فعلًا مات…
يبقى في حد تاني…
لسه مستخبي في الضلمة.
وساعتها بس…
الحكاية الحقيقية هتبدأ.
الجزء الثالث عشر
الخبر انتشر في كل القنوات.
لكن…
آدم ما اقتنعش.
قال وهو بيبص للشاشة:
— العربية ممكن تتحرق…
لكن ده مش معناه إن صاحبها كان جواها.
بعد ساعتين…
رن موبايله.
كان زميله في المباحث.
سمع كلامه…
وفجأة وقف.
وقال:
— متأكد؟
رد الطرف التاني.
قفل آدم المكالمة.
وبصلي.
وقال:
— الج*ثة مش لمحمود.
شهقت.
— أمال لمين؟
قال:
— لراجل مجهول.
أما محمود…
فاختفى.
الجزء الرابع عشر
بعد يومين…
وأنا قاعدة في الجنينة.
لقيت طفل صغير واقف عند الباب.
كان عنده حوالي عشر سنين.
واقف بنفس الطريقة…
اللي كان بيقف بيها آدم زمان.
قال بخجل:
— هو حضرتك طنط أمل؟
ابتسمت.
وقلت:
— أيوه يا حبيبي.
مدلي ظرف.
وقال:
— واحد اداني خمسين جنيه وقال لي أوصلهولك.
جريت بسرعة.
لكن العربية اللي جابته…
كانت اختفت.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
مكتوب عليها:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة كلها… اسألي عن القبو.”
بس.
من غير اسم.
ولا توقيع.
الجزء الخامس عشر
لما آدم شاف الورقة…
ملامحه اتغيرت.
قلت:
— تعرف حاجة عن القبو؟
قال:
— أيوه…
بس كنت فاكر إنه اتردم من سنين.
ركبنا العربية.
ورحنا للبيت القديم…
اللي كانوا ساكنين فيه جيرانا.
البيت كان مهجور.
الشبابيك مكسورة.
والتراب في كل مكان.
دخلنا بحذر.
وفضل آدم يدور في المطبخ.
وفجأة…
وقف عند بلاطة قديمة.
وخبط عليها برجله.
طلع صوت مختلف.
قال:
— هنا.
جاب عتلة من العربية.
وبدأنا نشيل البلاط.
بعد ساعة…
ظهر باب حديد صغير.
عليه قفل قديم.
كسرناه.
ونزلنا السلم.
الهوا كان تقيل.
وريحة الرطوبة خانقة.
ولما وصلنا آخر درجة…
سلط آدم الكشاف.
واتجمد مكانه.
القبو…
كان مليان صناديق.
مش صندوق.
ولا اتنين.
عشرات الصناديق.
كل واحد…
عليه اسم عيلة مختلفة.
وبعضها…
كان عليه تاريخ يرجع لأكتر من خمسة وعشرين سنة.
وفي آخر القبو…
كان فيه مكتب خشب.
وفوقه دفتر كبير.
فتحناه.
وأول صفحة كانت مكتوب فيها:
“سجل الممتلكات المستولى عليها.”
قلبي وقف.
لأن أول اسم في السجل…
كان اسمي.
“أمل…”
وتحته قائمة بكل قطعة دهب اتسرقت من بيتي.
لكن…
وأنا بقلب الصفحات…
لقيت اسم هزني من جوايا.
“آدم…”
وتحت اسمه…
كان مكتوب:
“الهدف القادم.”
وساعتها…
سمعنا صوت باب القبو…
بيتقفل من فوق.
وغرق المكان كله…
في ظلام دامس.
الجزء الأخير
في لحظة…
اتقفل باب القبو.
وسمعنا صوت سلسلة حديد بتتشد من فوق.
الضلمة كانت خانقة.
وأنا بدأت أتنفس بصعوبة.
لكن آدم…
فضل هادي.
طلع كشاف صغير من جيبه.
وقال:
— أي حد قفل علينا الباب… لسه بره.
سمعنا صوت خطوات.
وبعدين…
صوت محمود.
— كنت عارف إنكم هتوصلوا للمكان.
صرخت:
— ليه عملت كل ده؟!
ضحك.
وقال:
— لأن الغلطة الوحيدة اللي عملناها من عشرين سنة… إننا سبنا الولد يعيش.
آدم رفع صوته:
— انتهى كل شيء يا محمود.
رد باستهزاء:
— لا… لأن كل الأدلة تحت الأرض… وبعد شوية المكان كله هيتحرق.
في اللحظة دي…
آدم ابتسم.
وأنا استغربت.
قال لمحمود:
— يعني إنت متأكد إن الأدلة كلها هنا؟
سكت محمود.
ثم قال بعصبية:
— قصدك إيه؟
رد آدم:
— قبل ما أنزل… فريق كامل من المباحث كان مستنيني بره.
وإحداثيات المكان اتبعت لهم تلقائي أول ما دخلنا.
وفجأة…
سمعنا أصوات عربيات.
ثم…
صوت مكبرات الشرطة.
— المكان محاصر… سلّم نفسك.
اتحول صوت محمود من الثقة…
للارتباك.
جرى.
لكن بعد ثوانٍ…
سمعنا صراخ.
وأصوات رجالة.
وتكتيف.
وبعدين…
حد فتح باب القبو.
ونزل ضابط.
وقال:
— الحمد لله إنكم بخير.
طلعنا للنور.
ولقيت محمود مكبل بالكلابشات.
كان باصص لآدم بكره شديد.
وقال:
— لو ما كنتش الست دي أكلتك زمان…
مكنتش بقيت الراجل اللي دمرني النهارده.
بصله آدم بهدوء.
وقال:
— بالعكس…
هي أول إنسانة علمتني إن الخير عمره ما بيروح.
بعد أسابيع…
اتفتحت كل الصناديق.
واتضح إنها كانت تحتوي على مقتنيات عشرات الأسر التي تعرضت للسرقة على مدار سنوات.
الشرطة قدرت ترجع جزءًا كبيرًا من المجوهرات والمستندات لأصحابها أو لورثتهم.
أما أنا…
فرجعلي خاتم جوازي.
وسلسلة أمي.
وحلق جدتي.
مسكتهم بإيدي…
لكن لأول مرة…
ما حسيتش إنهم أغلى حاجة رجعتلي.
بعد شهور…
آدم خبط باب بيتي مرة تانية.
لكن المرة دي…
ماكانش شايل صندوق أسود.
كان شايل كرتونة بيتزا كبيرة.
ضحك وقال:
— افتكرت أول يوم دخلت فيه بيتك.
ضحكت.
وقلت:
— ولسه بتحب البيتزا؟
قال:
— طول عمري.
قعدنا ناكل.
ونضحك.
ونفتكر الأيام القديمة.
وبعد شوية…
طلع من جيبه ورقة.
ناولها لي.
فتحتها.
لقيتها طلب رسمي.
قلت باستغراب:
— ده إيه؟
ابتسم وقال:
— أنا مليش أم من زمان…
ولو توافقِي…
يشرفني تبقي أمي قدام القانون.
ماقدرتش أتكلم.
دموعي نزلت.
وقمت حضنته.
وقلت:
— أنا من أول يوم عملتلك فيه سندوتش… وإنت ابني.
وبعد عدة أشهر…
تمت إجراءات الكفالة القانونية.
وأصبح آدم يزورني كل أسبوع.
زي ما كان بيعمل وهو طفل.
لكن الفرق…
إنه بقى ييجي ومعاه أولاده.
وأول ما يدخلوا البيت…
يسألوا:
— يا تيتة أمل… عملتي البيتزا؟
أضحك…
وأدخل المطبخ.
وأفتكر جملة آدم وهو عنده تسع سنين:
“ممكن… ولو فيه بسكويت كمان؟”
وأدركت أن قطعة خبز، وشيئًا من الحنان، قد يغيران مصير إنسان… وأن الخير الذي يُزرع بإخلاص قد يعود بعد سنوات طويلة، لكنّه لا يضيع أبدًا.
تمت النهاية.