عزومة عائلية حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع
الباب اتقفل ورا ليلى.
وصوت خطوات الأطفال وهم خارجين من القصر كان كأنه بيدق على قلب مراد.
فضل باصص ناحية الباب، والرسمة الصغيرة لسه في إيده.
أمه قربت منه وقالت بصوت مكسور:
“قوم يا ابني… الحقهم.”
لكن رجليه ما اتحركتش.
كان حاسس إن السنين اللي ضاعت واقفة بينه وبينهم.
بعد دقيقة…
جري ناحية الباب.
فتح بسرعة.
لكن عربية الأجرة كانت ابتدت تتحرك.
صرخ بأعلى صوته:
“ليلى… استني!”
الأطفال لفوا يبصوا عليه من الشباك.
أما ليلى، فاكتفت إنها قالت للسواق:
“اتفضل.”
واختفت العربية في آخر الشارع.
—
مراد رجع القصر كأنه راجل مهزوم.
قعد في مكتبه، وفتح الدرج اللي مقربش منه من سنين.
طلع منه صندوق خشب صغير.
كان جواه صور فرحه هو وليلى.
أول شقة.
أول رحلة.
وأول سونار للحمل… اللي وقتها افتكره مجرد أمل وانتهى بالطلاق قبل ما يعرف الحقيقة كاملة.
فضل يبكي لأول مرة من غير ما يخبي دموعه.
دخلت أمه بهدوء.
قالت:
“سامحني يا ابني.”
رفع رأسه باستغراب.
“أنا اللي كنت بقولك إنها عقيم… وأنا اللي ضغطت عليك عشان تطلقها.”
سكتت لحظة، ثم أكملت:
“كنت فاكرة إني بحميك… لكن أنا خربت بيتك بإيديا.”
مراد مسح دموعه وقال:
“وأنا وافقت… الغلط غلطي قبل أي حد.”
—
في الناحية التانية…
الأطفال كانوا قاعدين حوالين ليلى.
البنت الصغيرة سألت:
“هو بابا هيجيلنا؟”
ليلى ابتسمت رغم الدموع.
“معرفش يا حبيبتي.”
الولد الكبير قال:
“أنا مش زعلان منه… بس كنت نفسي يعرف اسمي.”
حضنته ليلى بقوة.
وقالت:
“إنتوا مش ناقصكم حاجة… طول عمركم كنتم سند بعض.”
لكنها أول ما دخلت أوضتها وقفلت الباب…
انهارت.
كانت قوية قدامهم.
أما وهي لوحدها…
فكانت بتعيط على سنين ضاعت، وعلى أطفال كبروا من غير أب.
—
بعد أسبوع…
مراد وقف قدام باب بيت ليلى.
كان ماسك أربع حقائب مدرسية جديدة، وأربع هدايا، ومعاهم خطاب صغير.
خبط على الباب.
فتحت ليلى.
بصتله في هدوء.
قال:
“أنا مش جاي أرجع الماضي… عارف إنه مستحيل.”
مد الخطاب ليها.
“أنا جاي أطلب فرصة أبقى أب لأولادي… حتى لو رفضتِ ترجعيلي.”
ليلى ما ردتش.
فتحت الخطاب.
كان مكتوب فيه:
“أنا مش بطلب منك تسامحيني.
أنا بطلب منك تسمحيلي أصلح اللي أقدر أصلحه.
ولو احتجت سنين عشان أولادي يثقوا فيا… هفضل مستني.”
في اللحظة دي…
الولد الصغير خرج من ورا أمه.
بص لمراد.
وقال بخجل:
“إنت هتيجي تلعب معانا كورة؟”
نزل مراد على ركبته.
وعينه مليانة دموع.
ابتسم لأول مرة من قلبه وقال:
“لو إنت موافق… هاجي كل يوم.”
ابتسم الطفل ومد إيده.
مراد مسكها برفق…
وكان دي أول مرة يلمس إيد ابنه، بعد سنوات طويلة من الغياب.
لكن ليلى كانت لسه واقفة في مكانها.
تراقب المشهد بصمت…
وعارفة إن طريق استعادة الثقة أصعب بكتير من طريق الندم.
الفصل الخامس
من اليوم ده…
مراد ما اختفاش تاني.
كل يوم جمعة، كان ييجي في نفس المعاد.
في الأول، كان بيقف قدام البيت وهو متردد، كأنه خايف الباب يتقفل في وشه.
لكن الأطفال كانوا أول ما يشوفوا عربيته، يجروا ناحية الشباك.
“بابا جه!”
الكلمة دي كانت كل مرة تهز قلبه.
بدأ ياخدهم النادي.
يروح معاهم المكتبة.
يساعدهم في الواجب.
كان بيتعلم يكون أب… بعد ما ضيع سنين من عمرهم.
أما ليلى…
فكانت بتراقب كل حاجة من بعيد.
لا بتمنعه، ولا بتقرب منه.
الثقة اللي اتكسرت ما بترجعش بكلمتين.
—
بعد شهرين…
اتفاجأ مراد بمكالمة من محاميه.
“لازم تيجي الشركة حالًا.”
دخل الشركة، لقى أزمة كبيرة.
أحد المنافسين رفع ق*ضية قديمة، وفيها مستندات ناقصة كان ممكن تكلفه ملايين.
فضل مراد يدور على الملف.
لكن ملقهوش.
وفجأة افتكر.
الملف ده…
كان زمان مع ليلى.
لأنها كانت هي اللي بترتب كل أوراقه قبل الطلاق.
راح لها وهو محرج.
فتحِت الباب، ولما شافته قالت:
“خير؟”
قال بصوت هادي:
“محتاج مساعدتك.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
“أول مرة تقولها.”
دخل.
وبدأ يحكيلها.
أول ما خلص، قامت من مكانها وفتحت دولاب قديم.
طلعت صندوق ملفات.
وقعدت تدور.
وبعد دقائق، طلعت الملف المطلوب.
ناولتهوله.
“أنا عمري ما رميت حاجة تخص شغلك.”
مراد بصلها باستغراب.
“حتى بعد الطلاق؟”
ردت بهدوء:
“لأن أخلاقي مش بتتغير بتغير الناس.”
سكت مراد.
وحس إنه خسر إنسانة نادرة.
—
قبل ما يمشي…
البنت الصغيرة جريت عليه.
“بابا… عندنا حفلة في المدرسة الأسبوع الجاي.”
ابتسم.
“وأكيد هاجي.”
بصتله ليلى.
وقالت لأول مرة من سنين:
“متتأخرش.”
هز رأسه.
“أوعدك.”
لكن مراد ماكنش يعرف…
إن حفلة المدرسة دي هتكون بداية مفاجأة أكبر، هتقلب حياته وحياة ليلى من جديد، وهتخليه يواجه سرًا ظل مخفيًا لسنوات.
الفصل السادس
يوم حفلة المدرسة…
مراد وصل قبل الميعاد بنص ساعة.
كان أول مرة في حياته يروح حفلة مدرسية بصفته “أب”.
فضل واقف قدام البوابة، ماسك أربع باقات ورد صغيرة، واحدة لكل طفل.
أول ما الأطفال شافوه، جروا عليه.
“بابا!”
حضنهم واحدًا واحدًا.
أما ليلى، فكانت واقفة بعيد تراقب المشهد في صمت.
لأول مرة، شافت الفرحة الحقيقية في عيون أولادها.
بدأ الحفل.
كل طفل طلع يقدم فقرة.
وفي آخر الحفل، أعلنت المديرة:
“دلوقتي مع فقرة بعنوان… عيلتي.”
طلع الولد الكبير على المسرح.
وقف قدام الميكروفون، وإيده بترتعش.
وقال:
“زمان كنت فاكر إن كل الأطفال عندهم بابا إلا أنا.”
القاعة كلها سكتت.
مراد حس إن قلبه بيتقبض.
الولد كمل:
“كنت بسأل ماما كل عيد… هو بابا فين؟ وكانت تقول لي: لما تكبر هتفهم.”
مسح دمعة من عينه.
“بس النهارده… بابا موجود.”
وبص ناحية مراد.
“أنا مش زعلان منك… بس متسبناش تاني.”
مراد مقدرش يمسك نفسه.
قام من مكانه وسط تصفيق الحضور، ودموعه نازلة.
بعد انتهاء الحفل، حضن ابنه طويلًا.
وقال وهو بيبكي:
“أوعدك… عمري ما هسيبكم تاني.”
—
بعد الحفل بأيام…
مراد طلب يقابل ليلى.
قعدوا في كافيه هادئ.
قال لها:
“أنا عارف إن اللي بينا مستحيل يرجع بسهولة.”
هزت رأسها.
“صح.”
تنهد وقال:
“بس أنا مش جاي أتكلم عن الجواز.”
استغربت.
قال:
“أنا جاي أصلح حق أولادي.”
طلع من حقيبته ملفًا.
حطّه قدامها.
فتحت الملف.
كان فيه أربع حسابات استثمارية باسم الأطفال.
وشقة لكل واحد منهم تُنقل ملكيتها عند بلوغهم السن القانونية.
وقالت بدهشة:
“إيه ده كله؟”
ابتسم بحزن.
“جزء بسيط من حقهم… اللي اتأخر سنين.”
ليلى قفلت الملف.
وقالت:
“الفلوس عمرها ما كانت مشكلتي.”
رد بهدوء:
“عارف… علشان كده أنا متأكد إنك عمرك ما ربيتيهم عشان يطلبوا مني حاجة.”
وقفت تستعد للمغادرة.
وقبل ما تمشي، قالت جملة هزته:
“الأطفال بدأوا يثقوا فيك… حافظ على الثقة دي.”
ولأول مرة منذ سنوات…
ابتسمت له ابتسامة صغيرة.
لم تكن ابتسامة حب…
لكنها كانت بداية احترام جديد، بُني هذه المرة على الصدق، لا على الوعود.
يتبع