المقعد الاخير حكـايـات أسمـا السـيد ×2
الفصل السابع: المصنع الصامت
لم أنم تلك الليلة.
كلما أغمضت عيني، رأيت وجه أبي وهو يكتب الرسالة بيده، وكأنه كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي.
وفي الصباح…
رن هاتف الضابط.
قال:
— الآنسة ندى… لازم تيجي المصنع حالًا.
سألته بقلق:
— حصل إيه؟
— لقينا حاجة لازم تشوفيها بنفسك.
—
وصلت أنا وسارة والمحامي محمود.
المصنع كان هادئًا على غير العادة.
العمال واقفين في مجموعات صغيرة، وكل واحد يبص للتاني بخوف.
أول ما دخلنا مكتب أبي…
لقيت الضابط واقف قدام الخزنة الحديدية.
قال:
— الخزنة دي كانت مفتوحة لما وصلنا.
بصيت جوه.
كل الملفات موجودة…
إلا ملف واحد.
سألت:
— إيه الملف الناقص؟
رد المحامي:
— ملف المناقصات الحكومية.
عقد الضابط حاجبيه.
— الغريب إن اللص ما أخدش فلوس، ولا شيكات، ولا مستندات ملكية.
أخد الملف ده بس.
يعني كان عارف هو بيدور على إيه.
—
وأثناء تفتيش المكتب…
لفت نظري كوب القهوة الخاص ببابا.
كان لسه موجود على المكتب.
قلت للضابط:
— هو ده الكوب اللي كان بيشرب فيه آخر يوم؟
رد:
— أيوه… ليه؟
قلت:
— ابعتوه للمعمل.
يمكن يكون عليه بصمات… أو آثار مادة غريبة.
ابتسم الضابط لأول مرة.
— واضح إن شغلك في العناية خلاكي تلاحظي تفاصيل محدش بياخد باله منها.
—
بعد ساعتين…
اتصل المعمل.
النتيجة كانت صادمة.
الكوب يحتوي على آثار مادة مهدئة…
لكن المفاجأة الأكبر…
أن البصمات الموجودة عليه ليست بصمات أبي وحده.
كانت هناك بصمة واضحة لشخص آخر.
أدخل الضابط البصمة في قاعدة البيانات.
انتظرنا دقائق بدت كأنها ساعات.
ثم ظهر الاسم على الشاشة.
ليس سامر…
ولا شريف…
بل شخص لم يخطر على بال أحد.
الدكتور كمال عزت.
نفس طبيب القلب…
الذي أجرى العملية لأبي.
ساد الصمت في الغرفة.
سارة قالت وهي ترتجف:
— مستحيل…
هو اللي أنقذ بابا.
لكن الضابط قال بهدوء:
— أو ربما…
أنقذه بعد أن فشلت محاولته الأولى.
في تلك اللحظة…
فتح باب المكتب.
ودخل أحد الممرضين من المستشفى وهو يلهث.
قال:
— الآنسة ندى…
والد حضرتك فاق من الغيبوبة…
وبيكرر اسم واحد بس…
“كمال…”
نظرت إلى الضابط.
ونظر إليّ.
وأدركنا جميعًا…
أن الحقيقة لم تبدأ بعد.
الفصل الثامن: المواجهة
وصلنا المستشفى بأقصى سرعة.
قلبي كان بيدق بعنف.
كل خطوة كنت باخدها في الممر كانت بتقربني من الحقيقة… أو من صدمة أكبر.
دخلنا غرفة العناية.
كان بابا مستيقظًا لأول مرة منذ دخوله المستشفى.
ملامحه مرهقة، لكنه كان واعيًا.
أمسكت يده.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
— الحمد لله… إنكم بخير.
احتضنته سارة وهي تبكي.
أما الضابط، فاقترب بهدوء.
— يا دكتور حسن… حضرتك قلت اسم “كمال”. هل تقصد الدكتور كمال عزت؟
هز أبي رأسه بالنفي.
وقال بصوت ضعيف:
— لأ…
تنفسنا جميعًا.
لكن أبي أكمل:
— كمال… الممرض.
نظرنا لبعض في دهشة.
سألت:
— ممرض؟!
قال:
— اسمه… كمال عبدالسلام… كان بيشتغل في المصنع زمان… وبعدها اشتغل مساعد تمريض في العيادة الخاصة.
عقد الضابط حاجبيه.
— هل تعرف مكانه؟
قال أبي:
— اختفى… من أسبوع.
وفجأة تذكرت شيئًا.
صرخت:
— استنى!
التفت الجميع إليّ.
قلت:
— لما بابا تعب في البيت… أول واحد وصله قبل الإسعاف كان ممرض اسمه كمال.
هو اللي قال إنه هيديله حقنة تهدي الضغط.
أخرج الضابط دفتره بسرعة.
— يبقى الدكتور كمال بريء… وإحنا كنا بندور على الشخص الغلط.
في اللحظة نفسها دخل الدكتور كمال عزت الغرفة.
كان واضحًا أنه سمع آخر جملة.
ابتسم وقال:
— الحمد لله إن الحقيقة بدأت تظهر.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
— ده وصلني من كام يوم… وكنت مستنيه لما الدكتور حسن يفوق.
ناول الظرف لأبي.
فتح أبي الظرف ببطء.
كان بداخله صورة قديمة.
صورة عمرها أكثر من عشرين سنة.
تجمع ثلاثة رجال شباب أمام المصنع.
الأول…
أبي.
الثاني…
رجل عرفناه من قبل…
والد شريف.
أما الثالث…
فكان رجلاً لا نعرفه.
لكن أبي أول ما شاف الصورة…
أغمض عينيه وقال:
— سامح…
رجع؟
سألته:
— مين سامح؟
تنهد طويلًا وقال:
— سامح… هو والد سامر.
وشريكنا الثالث في تأسيس المصنع.
قبل عشرين سنة…
اختلس الأموال…
وهرب.
كنا فاكرين إنه مات.
لكن واضح…
إنه رجع ينتقم.
وفي اللحظة نفسها…
دخل أحد أفراد الشرطة مسرعًا.
قال للضابط:
— لقينا سامر.
سأل الضابط بسرعة:
— فين؟
رد الشرطي وهو يلهث:
— في بيت قديم خارج المدينة…
لكن…
لقيناه مقتول.
وعلى الحائط…
كان مكتوب باللون الأحمر:
“لسه الحساب ما خلصش.”
ساد الصمت.
وأدرك الجميع…
أن الشخص الذي يحرك كل الخيوط…
ليس سامر.
بل شخص آخر…
لم يظهر بعد.
الفصل التاسع: الاعتراف المؤجل
وقف الجميع في صمت بعد خبر مقتل سامر.
أول واحد كسر الصمت كان والدي.
قال بصوت متعب:
— سامر… مات قبل ما يقول الحقيقة.
سأل الضابط:
— حضرتك تعرف مين ممكن يكون وراء قتله؟
أغلق أبي عينيه للحظة، ثم قال:
— أعرف… لكن لازم أحكي لكم حاجة حصلت من عشرين سنة.
جلسنا حول سريره.
بدأ يتحدث بصوت هادئ:
— لما أسسنا المصنع، كنا ثلاثة شركاء… أنا، وأخو شريف، وسامح.
كان سامح ذكيًا جدًا، لكنه كان طماعًا.
بعد خمس سنوات اكتشفنا أنه بيزور الفواتير ويحّول فلوس الشركة لحسابات باسمه.
واجهناه.
اعترف.
لكن بدل ما نبلغ الشرطة…
وافقنا يبيع نصيبه ويمشي، حفاظًا على أولاده.
تنهد أبي وقال:
— أكبر غلطة عملتها في حياتي… إني رحمته.
قال الضابط:
— وابنه سامر رجع ينتقم؟
هز أبي رأسه.
— لأ… سامر كان بيدور على الفلوس اللي أبوه خبّاها.
سألت باستغراب:
— يعني سامر ماكانش بينتقم؟
قال أبي:
— كان بيفكر إن في خزنة فيها ملايين اختفت يوم خروج أبوه من الشركة.
وهنا تدخل المحامي محمود.
— فعلًا… في دفاتر قديمة فيها تحويلات غامضة، لكن الفلوس دي عمرها ما ظهرت.
فجأة تذكرت شيئًا.
قلت:
— لحظة… شريف كان دايمًا يقول: “المفتاح في المكان اللي محدش يبص فيه.”
نظر إليّ أبي بسرعة.
— قال كده؟
— أكثر من مرة.
ابتسم أبي ابتسامة خفيفة لأول مرة.
وقال:
— يبقى هو عرف نصف السر.
سألته:
— وإيه النصف الثاني؟
أشار إلى صورة قديمة معلقة على حائط الغرفة.
كانت صورة افتتاح المصنع.
وفي الخلفية…
ساعة حائط كبيرة.
قال:
— السر مش في الخزنة…
السر…
ورا الساعة.
—
في نفس اللحظة…
كان رجال الشرطة يفتشون المصنع مرة أخرى.
أنزلوا الساعة القديمة من مكانها.
ولما رفعوها…
وجدوا فتحة صغيرة داخل الحائط.
أخرجوا منها صندوقًا معدنيًا صدئًا.
فتحوه بحذر.
لم يكن بداخله مال.
ولا ذهب.
بل دفتر حسابات صغير…
وشريط تسجيل قديم.
أسرع الضابط بتشغيل التسجيل.
خرج صوت سامح بوضوح:
«”لو حد بيسمع التسجيل ده… يبقى أنا غالبًا مش عايش. الفلوس ما سرقتهاش لنفسي… في واحد أكبر مني أجبرني. ولو حاولت أتكلم… هيقتل ابني.”»
توقف التسجيل لثوانٍ…
ثم قال سامح اسمًا واحدًا فقط.
اسم جعل الضابط والمحامي ينظران إلى بعضهما في ذهول.
أما أنا…
فلم أصدق أذني.
الاسم كان…
“رئيس مجلس الإدارة.”
لكن المصنع…
لم يكن له رئيس مجلس إدارة…
إلا شخص واحد.
شخص كان الجميع يعتبره صديقًا للعائلة…
ويزور أبي في المستشفى كل يوم.
الفصل العاشر: القناع يسقط
ساد الصمت في غرفة المستشفى.
كل واحد فينا كان بيحاول يستوعب آخر جملة في التسجيل.
“رئيس مجلس الإدارة…”
بصيت لأبويا.
قلت:
— هو… مين؟
تنهد وقال:
— بعد ما كبرت الشركة، عينّا رئيس مجلس إدارة تنفيذي علشان يدير الفروع الجديدة.
سأل الضابط:
— اسمه؟
قال أبي:
— فؤاد الجندي.
شهقت سارة.
— عم فؤاد؟!
كان فؤاد من أقرب الناس لوالدي.
يدخل بيتنا من غير استئذان.
ويزور أبي في كل مناسبة.
بل وكان أول واحد وصل المستشفى بعد إصابته.
قال المحامي محمود:
— والغريب… إنه أول واحد سألني عن محتويات الخزنة.
نظر الضابط إلى أحد أفراد الشرطة.
— هاتوا الأستاذ فؤاد فورًا.
لكن بعد دقائق عاد الشرطي وهو متوتر.
— يا فندم… مكتبه فاضي.
— يعني إيه؟
— اختفى… وساب تليفونه وكل أوراقه.
—
في مساء اليوم نفسه…
كانت الشرطة تفتش مكتب فؤاد داخل المصنع.
وخلف لوحة كبيرة معلقة على الحائط…
وجدوا خزنة إلكترونية.
استغرقت ساعة كاملة حتى تمكن خبراء الأدلة الجنائية من فتحها.
داخل الخزنة…
وجدوا جواز سفر باسم فؤاد.
ومعه جواز آخر…
لكن باسم مختلف تمامًا.
نظر الضابط إلى الاسم، ثم قال بدهشة:
— مستحيل…
سألته:
— في إيه؟
ناولني الجواز.
كان الاسم المكتوب:
فؤاد سامح عزت.
رفعت رأسي ببطء.
— سامح؟
ابتسم المحامي بمرارة.
— يبقى فؤاد…
هو ابن سامح الحقيقي.
يعني سامر…
أخوه.
ساد الصمت.
كل شيء بدأ يترتب أمامنا.
فؤاد لم يدخل حياة أبي صدفة.
بل دخلها منذ سنوات…
لينتظر اللحظة المناسبة.
قال الضابط:
— إذن الخطة كانت طويلة.
سامر يسرق الحسابات.
شريف يُستغل في تزوير العقود.
كمال الممرض يبدل الأدوية.
وفؤاد يدير كل شيء من الخلف.
—
في تلك اللحظة…
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
ثم تغيرت ملامحه.
قال:
— لقيناه.
سألته:
— فين؟
— في المطار.
شهقت.
— هرب؟
هز رأسه.
— كان على وشك يركب أول طائرة خارج البلاد.
ابتسم أبي لأول مرة منذ أيام.
وقال:
— الحمد لله…
انتهى الكابوس.
لكن الضابط لم يبتسم.
قال بهدوء:
— للأسف…
لسه ما انتهيش.
لأن فؤاد طلب قبل القبض عليه…
يقابل ندى لوحدها.
وقال إنه…
هيقول لها سرًا واحدًا…
هيغير حياتها للأبد.
الفصل الحادي عشر: السر الذي أخفاه الجميع
دخلت غرفة التحقيق.
كان فؤاد الجندي جالسًا بهدوء، مكبل اليدين.
رغم كل اللي حصل…
كان بيبتسم.
قعدت قدامه.
قلت ببرود:
— عندك خمس دقايق. قول اللي عندك.
بصلي طويلًا.
وقال:
— إنتِ شبه أمك جدًا.
اتجمدت.
— ما تجيبش سيرة أمي.
ابتسم ابتسامة حزينة.
— لو كانت عايشة… ما كانش حصل كل ده.
ضربت بإيدي على الترابيزة.
— اتكلم في اللي يخص القض\ية.
أخرج الضابط صورة قديمة من ملف التحقيق ووضعها أمامي.
كانت صورة لأبي…
وأمي…
وفؤاد…
وسامح.
كلهم واقفين جنب المصنع يوم افتتاحه.
قلت باستغراب:
— يعني كنتم أصحاب؟
رد فؤاد:
— أكتر من أصحاب… كنا عيلة واحدة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
— أبوك كان أشرف واحد فينا… لكنه غلط غلطة واحدة.
سألته:
— إيه هي؟
نظر إليّ مباشرة وقال:
— وثق في الشخص الغلط.
قلت بغضب:
— تقصد نفسك؟
هز رأسه بالنفي.
— لأ…
وسكت.
ثم قال:
— سامح… أبو سامر… ما كانش خاين من البداية.
الضابط رفع رأسه.
— إزاي؟
قال فؤاد:
— كان عليه ديون ضخمة، واتعرض للابتزاز من عصابة كانت بتغسل أموالها من خلال الشركات.
رفض في الأول.
لكنهم هددوا مراته وابنه.
اضطر يزور الحسابات.
ولما حسن اكتشف الحقيقة…
عرض يساعده.
لكن سامح اختفى قبل ما يقدر ينقذه.
قلت:
— يعني كل اللي حصل كان بسبب العصابة؟
ابتسم فؤاد.
— لا…
العصابة انتهت من زمان.
لكن الطمع ما انتهيش.
أنا… كملت الطريق بإرادتي.
سكتت الغرفة كلها.
لأول مرة…
اعترف.
قال بصوت مكسور:
— كنت فاكر إن المصنع حقي.
كنت شايف إن حسن أخد كل المجد.
نسيت إنه هو اللي تعب…
وإحنا اللي اخترنا الطريق الغلط.
أغمض عينيه وقال:
— سامر مات بسببي…
وشريف ضاع بسببي…
وأخوكم كان هيموت بسببي.
قلت بهدوء:
— بابا مش أخونا… بابانا.
نزلت دمعة من عين فؤاد.
وقال:
— عارف…
وأتمنى يسامحني…
حتى لو أنا مستحقش.
في تلك اللحظة دخل الضابط.
قال:
— التحقيق انتهى.
كل الأدلة كافية لإحالة فؤاد وكمال الممرض وباقي المتورطين للمحاكمة.
وقبل ما يخرج فؤاد…
وقف قدام الباب.
وبصلي.
وقال:
— في حاجة أخيرة…
في درج مكتب أبوكي…
جواب مكتوب باسمك.
هو ما سلمنيش ليكي…
لأنه كان مستني يقولك الكلام بنفسه.
خرج مع رجال الشرطة.
أما أنا…
فرجعت المستشفى بسرعة.
دخلت أوضة بابا.
لقيته صاحي.
ابتسم أول ما شافني.
طلع من تحت المخدة ظرف أبيض.
وقال وهو بيضحك لأول مرة من أيام:
— واضح إني اتأخرت في تسليم الأمانة.
أخدت الظرف…
وكان مكتوب عليه بخط إيده:
“إلى بنتي ندى… لما تقري الجواب ده، أعرف إن الوقت جه تعرفي الحقيقة.”
فتحت الظرف…
وبدأت أقرأ…
لكن أول سطر خلاني أبكي قبل ما أكمل.
كان مكتوب:
«”أنا فخور بيكي… من أول يوم شفتك فيه.”»
الفصل الثاني عشر: رسالة من القلب
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتح الظرف.
بصيت لبابا.
كان مبتسم، لكنه مرهق.
قال بهدوء:
— اقري… وبعدين نتكلم.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها:
«”بنتي ندى… لو وصلتي للجواب ده، فأنا غالبًا كنت قريب جدًا من إني أخسرك، أو أخسركم كلكم.”»
بدأت دموعي تنزل.
كملت القراءة.
«”يمكن قصرت معاكي في حاجات كتير، ويمكن شغلي أخدني منكم سنين طويلة. كنت دايمًا فاكر إن توفير الحياة الكريمة أهم حاجة، ونسيت إن البنت أوقات بتحتاج حضن أبوها أكتر من أي فلوس.”»
رفعت عيني لبابا.
كان بيبص بعيد، وكأنه بيتجنب نظراتي.
رجعت للرسالة.
«”فاكرة أول مرة رجعتي من المدرسة وإنتِ بتعيطي علشان حد سخر من شكلك؟ يومها وعدت نفسي إن محدش هيكسرك أبدًا. لكن للأسف… وأنا بحاول أحميكي من الدنيا، نسيت أحميكي مني أنا.”»
شهقت سارة وهي تسمع.
أما أنا…
فافتكرت اليوم ده.
كنت في تانية إعدادي.
رجعت البيت وأنا ببكي لأن زميلاتي كانوا بينادوني بألقاب جارحة.
وقتها بابا خدني أكل آيس كريم، وقال لي:
“الناس تشوف شكلك براحتها… أنا بشوف قلبك.”
ابتسمت وسط دموعي.
نسيت الجملة دي مع السنين.
لكن هو ما نسيهاش.
واصلت القراءة.
«”ولما كبرتي وبقيتي ممرضة، كنت فخور بيكي أكتر مما تتخيلي. كنت بتابع كل نجاح ليكي، حتى وأنا عامل نفسي مشغول.”»
بصيت له وقلت:
— بجد؟
ابتسم.
— كنت باعرف أخبارك من مدير المستشفى… من غير ما تعرفي.
ضحكت وأنا ببكي.
— يعني كنت بتراقبني؟
رد وهو يضحك:
— كنت بطمن على بنتي.
رجعت أكمل.
«”أما شريف… فأنا غلطت لما وثقت فيه زيادة. والغلط الأكبر إني ما سمعتش كلامك لما حذرتيني.”»
سكتت.
دي كانت أول مرة في حياتي أسمع بابا يعترف إنه كان مخطئ.
ثم وصلت لآخر الرسالة.
وكان فيها:
«”لو ربنا كتب لي عمر جديد… أول حاجة هعملها إني آخدكم وأسافر معاكم. مش علشان شغل… ولا مؤتمرات… علشان أبقى أب وبس.”»
ماقدرتش أمسك نفسي.
قمت وحضنته.
حضنته بقوة.
لأول مرة من سنين…
حسيت إني رجعت طفلة.
سارة حضنتنا هي كمان.
فضلنا ساكتين.
ماكانش في كلام يقدر يوصف اللحظة.
بعد دقائق…
دخل الدكتور كمال وهو مبتسم.
قال:
— واضح إن الحالة النفسية للمريض اتحسنت جدًا.
ضحك بابا وقال:
— مع وجود بناتي… العلاج بقى أسهل.
لكن قبل ما نرد…
دخل الضابط بابتسامة عريضة.
قال:
— عندي خبرين.
بصينا له.
— الأول… فؤاد اعترف بكل الجرائم رسميًا.
تنفسنا براحة.
— والثاني…
فتح ملف صغير ووضعه أمام بابا.
— المحكمة قررت التحفظ على كل أموال المتهمين… وإعادة جميع أصول المصنع لمالكه الشرعي.
ابتسم بابا.
ثم قال بهدوء:
— لا…
نظر إليه الجميع باستغراب.
قال:
— المصنع من النهارده…
هيبقى باسم ندى وسارة.
شهقت أنا.
— إيه؟
ابتسم وهو يمسك أيدينا.
— أنا تعبت عمري كله علشان أبني مكان يحافظ على الناس.
ودلوقتي…
جاء دوركم تكملوا المشوار.
خرج الضابط وهو يبتسم.
أما أنا…
فنظرت إلى أختي.
ولأول مرة…
لم أشعر أنني عدت فقط لأُنقذ أبي.
بل عدت…
لأجد عائلتي من جديد.
يتيع