حكاية محمود وساره اسما السيد ×3

الجزء الرابع: الجواب اللي ما فتحتهوش

عدّى أسبوع كامل والجواب بتاع محمود لسه مكانه فوق الدولاب.

كل يوم كنت أشوفه وأنا داخلة المطبخ.

ظرف أبيض.

اسمي مكتوب عليه بخطه.

نفس الخط اللي كان بيكتب بيه طلبات البيت على ورقة صغيرة:

لبن.

سكر.

حفاضات.

وبعدين، بعد سنين، بقى يكتب بيه تنازلات وتهديدات ومستندات مزورة.

منى سألتني مرتين إذا كنت فتحته.

وكل مرة كنت أقول:

— لأ.

مش لأني قوية قوي.

ولا لأني بطلت أفكر فيه.

لكن لأني كنت خايفة ألاقي جواه جملة حلوة.

كنت عارفة نفسي.

سنين طويلة، كلمة منه كانت تخليني أبرر عشرة تصرفات وحشة.

“أنا آسف.”

“كنت مضغوط.”

“إنتِ الوحيدة اللي فاهماني.”

“أنا بحبك.”

كنت خايفة أفتح الظرف وأرجع، ولو للحظة، للست اللي كانت بتصدق.

لكن في مساء يوم خميس، رجعت من الشغل ولقيت ابني قاعد على الكنبة، ماسك الظرف.

قلبي وقع.

قلت بسرعة:

— إنت فتحته؟

هز راسه.

— لأ.

خدته من إيده.

— ما تمسكش أي حاجة جاية من بابا من غير ما تقول لي.

بص لي بحزن.

— ليه؟

سكت.

هو كان طفل.

مهما حصل، محمود فضل أبوه.

مش من حقي أحوله لوحش كامل في عينه.

وفي نفس الوقت، مش من حقي أكذب.

قعدت جنبه.

قلت:

— علشان فيه حاجات للكبار.

— بابا زعلان؟

— غالبًا.

— مني؟

— لأ، منك إنت لأ.

— طب ليه ما بيكلمنيش؟

السؤال دخل في صدري.

الحقيقة إن محمود حاول يكلمه مرتين من الحبس، لكن المحكمة منعت التواصل المباشر مؤقتًا بسبب واقعة الس*لاح.

قلت:

— فيه ناس مسؤولة بتقرر دلوقتي إمتى وإزاي التواصل يحصل.

— هو وحش؟

رجع السؤال.

قلت:

— باباك عمل حاجات غلط جدًا.

— بس هو كان بيحبني؟

ما عرفت أرد بسرعة.

افتكرت جملته عند المرسى:

“الابن ييجي غيره.”

افتكرت المسد*س عند رأسه.

لكن افتكرت كمان محمود وهو شايله أول يوم مدرسة.

وهو بيعلمه يركب العجلة.

الإنسان ممكن يعمل لحظات حب، ويعمل جري&مة.

والطفل مش لازم يتحمل تعقيد الكبار كله مرة واحدة.

قلت:

— أنا ما أقدرش أقول لك كان جواه إيه. أقدر أقول لك إن اللي عمله ما كانش حب آمن.

— يعني إيه؟

— يعني الحب ما يخوفكش، وما يستخدمكش علشان يضغط على حد.

هز راسه كأنه فهم جزءًا.

قال:

— ممكن أكتب له؟

قلت:

— لما المحامي يقول ينفع.

— أقول له إيه؟

— قول اللي إنت حاسه.

سكت شوية.

ثم قال:

— أنا حاسس إني زعلان منه ووحشني.

حضنته.

قلت:

— الاتنين ينفعوا مع بعض.

بعد ما نام، دخلت المطبخ.

حطيت الظرف قدامي.

فضلت باصة له.

ثم فتحته.

كان جواه أربع ورقات.

أول ورقة مكتوبة بخط محمود.

“سارة،

أنا عارف إنك شايفاني مجرم.”

وقفت عند الكلمة.

شايفاني؟

حتى في أول سطر، ركز على صورته عندي، مش على اللي عمله.

كملت.

“لكن إنتِ ما تعرفيش كل الحقيقة. نورهان هي اللي خططت للتحويلات، وتامر هو اللي اقترح تسجيل الشقة باسمه، والدكتور هو اللي قال إن التقرير ممكن يساعدني في قض*ية الحضانة.”

ضحكت بمرارة.

كل شخص مذنب إلا هو.

“أنا غلطت لما وثقت فيهم. وغلطت أكتر لما خوفتك. لكني ما كنتش ناوي أقتل حد.”

قفلت عيني.

المراسلات عن الأدوية كانت موجودة.

ومع ذلك، كتب “ما كنتش ناوي.”

كملت.

“أنا عملت كل ده لأني كنت خايف أخسرك.”

وقفت.

الجملة القديمة.

يؤذيك، ثم يقول إنه خاف يخسرك.

يسرقك، ثم يقول إنه كان يحاول يحافظ على البيت.

يخطف ابنك، ثم يقول إنه كان يحميه.

“من ساعة ما اشتغلتي وإنتِ اتغيرتي. بقيتي مستقلة، وبقيتِ تحاسبيني. وأنا حسيت إن دوري في البيت بيقل.”

نزلت الورقة.

أخيرًا قال جزءًا من الحقيقة.

مش إنه حبني أكتر لما بقي معايا فلوس.

هو حب السيطرة أكتر لما بقي معايا فلوس.

مرتبي ما ريحوش.

خوّفه.

لأني لأول مرة بقيت أقدر أقول لا.

كملت.

“كنت بحاول أضمن إنك ما تسيبينيش.”

ضحكت بصوت مسموع.

هو جهز طلاقًا.

سرق حسابي.

اتجوز غيري.

وبعدين قال إنه كان بيضمن إني ما أسيبوش.

آخر سطر في الورقة كان:

“لو فضل جواكي أي رحمة، تعالي زوريـني لوحدك. عندي حاجة لازم تعرفيها عن نورهان، وعن الفلوس اللي لسه ما رجعتش.”

الورقة التانية كانت كشف حساب.

تحويل بمبلغ كبير من شركة نورهان إلى حساب خارجي.

الورقة التالتة فيها اسم بنك ورقم صندوق أمانات.

والرابعة كانت صورة.

أنا ومحمود في أول سنة جواز.

واقف ورايا وحاضنني.

على الصورة كتب:

“كل حاجة ضاعت يوم ما الفلوس دخلت بينا.”

فضلت باصة للجملة.

لأ.

الفلوس ما ضاعتش كل حاجة.

الفلوس كشفت كل حاجة.

اتصلت بفريد.

قلت:

— فتحت الجواب.

— قال إيه؟

حكيت له.

قال:

— ما تروحيش لوحدك.

— هو طلب زيارة.

— عايز يضغط عليك.

— ممكن يكون عنده معلومة عن فلوسي.

— أو طعم.

قلت:

— وصندوق الأمانات؟

— هنراجعه رسميًا.

— يقدر يكون فيه مستندات.

— أو حاجة تربطك بالق*ضية.

سكت.

هو قال:

— سارة، محمود اشتغل فترة طويلة على إنه يخلق أدلة ضدك. ما تثقيش في أي ورقة بعتها.

— مش واثقة.

— لكنك مترددة.

— أيوه.

— ليه؟

بصيت للصورة.

قلت:

— علشان جزء مني لسه بيدور على إجابة: إمتى بالضبط بطل يحبني؟

فريد سكت.

ثم قال:

— يمكن السؤال غلط.

— أمال؟

— يمكن السؤال: إمتى بدأ يعتقد إن الحب يديه حق يملكك؟

قفلت المكالمة.

في اليوم التالي، قدّم فريد طلبًا رسميًا لمراجعة صندوق الأمانات.

البنك أكد إن الصندوق باسم شركة نورهان.

لكن فيه تفويض لمحمود.

أمر النيابة صدر بفتحه.

روحت مع فريد ومندوب النيابة.

الصندوق كان صغيرًا.

جواه فلاشة.

عقد بيع.

ظرف فيه كاش.

ودفتر أسود.

فريد لبس قفازًا وفتح الدفتر.

كانت فيه أسماء ستات.

أرقام.

مبالغ.

وظائف.

جنب كل اسم ملاحظات.

“مطلقة وعندها شقة.”

“مرتب ثابت.”

“أهلها بره مصر.”

“ممكن تقبل جواز عرفي.”

جسمي برد.

قلت:

— إيه ده؟

مندوب النيابة قال:

— واضح إنه سجل.

قلب فريد الصفحات.

لقي اسم نورهان.

وتحت اسمها:

“تملك سجلًا تجاريًا، سهلة التأثير، عندها مشكلة مع أسرتها.”

ثم اسم ست تانية.

ثم تالتة.

وفي آخر الدفتر…

اسمي.

سارة نبيل.

تحت اسمي كتب:

“متعلقة عاطفيًا. بلا دعم أسري قوي. يمكن دفعها للعمل. حسابها مناسب. الطفل ورقة أمان.”

ما قدرتش أتنفس.

قلت:

— التاريخ؟

فريد بص أسفل الصفحة.

التاريخ كان قبل جوازنا بشهرين.

قبل ما نتجوز.

قبل ما يقولي إنه اختارني.

قبل أول مرة يهزر عن الفلوس.

محمود ما اتغيرش بعد ما اشتغلت.

هو اختارني من البداية بخطة.

فريد قال:

— ده مش استغلال زوجة واحدة.

— ده كان بيدور على ستات.

— غالبًا شبكة نصب عاطفي ومالي.

نورهان نفسها يمكن ما كانتش شريكًا كاملًا في البداية.

يمكن كانت ضحية تحولت إلى شريكة.

فتحنا الفلاشة.

كان فيها تسجيلات لمحمود مع صاحبه.

نفس الصاحب اللي سمعته بيضحك في الصالة.

لكن المرة دي الحوار أقدم.

صوت صاحبه قال:

— سارة شكلها هتتعلق بيك.

محمود رد:

— هي طيبة، وأهلها مش هيتدخلوا.

— هتشتغل؟

— بعد الجواز بشوية. هضغط عليها بالمصاريف.

— ولو رفضت؟

— الحب بيعمل أكتر من الضغط.

صوت ضحك.

ثم قال محمود:

— كل واحدة ليها مفتاح. سارة مفتاحها إنها تحس إنها بتبني بيت.

وقفت التسجيل.

إيدي كانت بتترعش.

أنا كنت فاكرة إن قصة حبنا فسدت.

الحقيقة إن قصة الحب نفسها كانت جزءًا من الفخ.

البيت.

الطفل.

الشغل.

كل شيء رتبه على مراحل.

قلت لفريد:

— صاحبه ده مين؟

— هنحدد من الصوت.

مندوب النيابة قال:

— ممكن يكون فيه ضحايا تانيين.

قلبنا الملفات.

لقينا تحويلات من خمس ستات مختلفات.

واحدة باعت دهبها.

واحدة أخذت قرضًا.

واحدة اختفت من السجلات بعد تحويل كبير.

اسمها كان:

هبة عاطف.

قلت:

— اختفت يعني إيه؟

فريد قال:

— الحساب اتقفل، ورقمها متوقف.

في ملفها كان فيه تقرير وفاة.

حادث سيارة.

لكن مبلغ التأمين راح لشركة مرتبطة بصاحب محمود.

كلنا سكتنا.

القض*ية اتحولت فورًا.

ما بقتش مجرد تزوير وسرقة وخطف.

ظهر احتمال إن الشبكة عملت ده قبل كده.

وإن واحدة من الضحايا ماتت.

رجعت البيت متأخرة.

قعدت في المطبخ.

نفس المكان اللي كان يقول لي فيه:

“أنا بحبك، لكن لو معاكي فلوس هحبك أكتر.”

المرة دي فهمت الجملة بشكل كامل.

كانت اختبارًا.

قالها بدري علشان يشوف هضحك ولا أخاف.

ولما ضحكت، عرف إنني همررها.

رن موبايل البيت.

رقم غير مسجل.

رديت.

صوت ست قال:

— مدام سارة؟

— أيوه.

— أنا هبة عاطف.

وقفت.

— هبة؟

— عارفة إنهم قالوا إني مت.

— إنتِ فين؟

— مستخبية.

— من مين؟

— من محمود وصاحبه.

— صاحبه مين؟

سكتت.

ثم قالت:

— الدكتور اللي كتب التقرير النفسي بتاعك.

جسمي كله برد.

الدكتور ما كانش مجرد شخص أخد رشوة.

كان شريكًا من البداية.

قلت:

— عندك دليل؟

— عندي أكتر من دليل.

— ليه اتصلتي دلوقتي؟

— لأن محمود بعت لي من الحبس.

— إزاي؟

— عنده ناس بره.

— قال لك إيه؟

صوتها بدأ يرتعش.

— قال إن الدور رجع عليّا.

— دور إيه؟

— أموت بجد المرة دي.

سمعت صوت حركة عندها.

قالت بسرعة:

— لازم أقفل.

— استني. مكانك فين؟

— مش هقدر أقول.

— هبة، الشرطة تقدر تحميكي.

ضحكت بمرارة.

— واحد من اللي حاولوا يقتلوني كان ظابط.

قبل ما الخط يتقفل، قالت:

— لو عايزة تعرفي مين الرأس الحقيقي، دوري على أول شخص شجعك تنزلي شغل.

انقطع الاتصال.

فضلت واقفة.

أول شخص شجعني على الشغل…

ما كانش محمود.

كانت حماتي.

أم محمود.

الست اللي جاءت يومًا وقالت لي:

— لازم تساعدي جوزك. الراجل لوحده ما يقدرش يشيل البيت.

افتكرت إنها كانت تنصحني.

لكن يمكن كانت بتدفعني للمرحلة التانية من الخطة.

اتصلت بفريد.

قلت:

— والدة محمود لازم تدخل التحقيق.

— ليه؟

حكيت له مكالمة هبة.

سكت.

ثم قال:

— ما تخرجيش من البيت.

— ليه؟

— لأن والدة محمود خرجت من بيتها من ساعتين، ومحدش عارف راحت فين.

بصيت ناحية باب الشقة.

كان مقفول.

لكن فجأة سمعت صوت مفتاح بيتحط في القفل من بره.

مفتاح الشقة.

المقبض اتحرك.

دخلت حماتي.

كانت لابسة أسود.

وفي إيدها شنطة صغيرة.

بصت لي بهدوء.

وقالت:

— كنت عارفة إن محمود هيبوظ كل حاجة.

رجعت خطوة.

قلت:

— إنتِ معاكي مفتاح؟

قفلت الباب وراها.

— الشقة دي كانت مشروع عيلة، مش بيتك.

— مشروع؟

حطت الشنطة على الترابيزة.

فتحتها.

جواها ملفات وجوازات سفر وفلوس.

قالت:

— ابني كان ضعيف. بدأ يحبك بجد.

قلت بصدمة:

— يحبني؟

— وده خلّاه يغلط.

— يغلط لما حاول يقتلني؟

— يغلط لما سابك تعيشي لحد ما جمعتي أدلة.

مدت إيدها ناحية جيبها.

طلعت سرنجة.

وقالت:

— هبة هربت مرة.

قربت.

— إنتِ مش هتهربي.

نهاية الجزء الرابع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *