ربيت بنتي حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الخامس
وصلنا إلى الحي في وقت قياسي.
كانت سيارات الجيران مصطفة، والناس ينتشرون في الشوارع ينادون باسم نور.
نزلت من السيارة وأنا أرتجف.
— نور! يا نور!
أما ليلى، فوقفت للحظة تنظر إلى البيت الذي عاشت فيه ابنتها كل هذه السنوات، ثم بدأت تركض بين الأزقة وهي تبكي.
بعد عشرين دقيقة من البحث، اقترب منا صاحب البقالة وهو يلهث.
قال:
— البنت الصغيرة؟ شفتها من شوية ماشية ناحية الحديقة اللي آخر الشارع… كانت ماسكة إيد ست كبيرة.
تبادلنا النظرات.
وانطلقنا جميعًا نحو الحديقة.
كانت الحديقة شبه خالية مع اقتراب الغروب.
وفجأة…
سمعنا ضحكة نور.
التفتنا جميعًا.
كانت تجلس على مقعد خشبي بجوار سيدة مسنة، تطعم الحمام، وتضحك كأن شيئًا لم يحدث.
جريت نحوها واحتضنتها بقوة.
— يا حبيبتي! خوفتينا عليكِ!
نظرت إليّ باستغراب وقالت:
— أنا ما تهتش يا عمتي… الست دي قالت نستنى هنا لحد ما تيجي.
ابتسمت السيدة المسنة وقالت بهدوء:
— لقيتها ماشية لوحدها وسألتها بيتكم فين، لكنها قالت إنها نسيت اسم الشارع. قلت أقعدها في مكان واضح بدل ما تفضل تمشي.
شكرتها من أعماق قلبي.
عندما هدأت الأمور، لاحظت أن نور تنظر إلى ليلى باستمرار.
اقتربت منها ببطء.
ثم سألتها ببراءة:
— هو أنا أعرفك؟
امتلأت عينا ليلى بالدموع.
ركعت أمامها وقالت بصوت متهدج:
— يمكن… لسه لأ.
مدت نور يدها الصغيرة ولمست خدها.
ثم قالت:
— بس… أنا حاسة إنك طيبة.
في تلك اللحظة، لم تتمالك ليلى نفسها، وانفجرت بالبكاء.
أما أنا، فأدركت أن الحقيقة وحدها لا تكفي.
فحتى لو كانت هذه المرأة هي ليلى فعلًا، فإن نور لم تعد تلك الطفلة ذات العام الواحد.
كانت لها أم عرفتها بقلبها طوال ثماني سنوات… وأنا كنت تلك الأم.
عرفت أن الأيام القادمة لن تكون سهلة، وأن أي قرار سنتخذه يجب أن يكون من أجل نور، لا من أجل آلامنا القديمة.
يتبع…
الجزء السادس (النهاية)
في الأسبوع التالي، لم أتخذ أي قرار متسرع.
طلبت من ليلى ألا تقترب من نور وحدها، ليس عقابًا لها، بل لأن طفلة في التاسعة لا يمكن أن تستوعب فجأة أن حياتها كلها قد تتغير في يوم واحد.
وافقت ليلى.
وقالت وهي تمسح دموعها:
— أنا مستعدة أستنى… حتى لو استنيت العمر كله.
بدأنا نقابل أخصائية نفسية للأطفال.
كانت تنصحنا في كل جلسة بشيء واحد:
“لا تجعلوا الكبار يخففون ألمهم على حساب شعور الطفلة.”
لذلك، أخبرنا نور الحقيقة بالتدريج.
في البداية قلنا لها إن “ليان” كانت صديقة قديمة جدًا لوالدتها.
ثم بدأت تقضي معنا ساعة كل أسبوع.
كانت ترسم معها، وتقرأ لها القصص، وتساعدها في حل الواجب.
ومع مرور الشهور، صار بينهما رابط غريب…
رابط لم يصنعه الكلام، بل صنعته الفطرة.
وذات مساء، بينما كنا نجلس جميعًا في الحديقة، التفتت نور إلى ليلى وقالت:
— ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت ليلى وقالت:
— طبعًا.
قالت نور:
— إنتِ كل ما تبصيلي… ليه بتعيطي؟
ساد الصمت.
نظرت ليلى إليّ، فأومأت لها برأسي.
حان الوقت.
أمسكت يد نور برفق، وقلت:
— يا حبيبتي… فاكرة ماما اللي بنحكيلك عنها؟
ابتسمت نور وهي تنظر إلى الصورة الصغيرة التي كانت دائمًا تحملها في حقيبتها.
ثم أشرت إلى ليلى.
وقلت:
— دي… هي مامتك.
حدقت نور فيها طويلًا.
لم تصرخ.
ولم تبكِ.
سألت فقط:
— بجد؟
أومأت ليلى وهي تبكي.
اقتربت نور منها ببطء.
ثم احتضنتها.
وقالت الجملة التي أبكت كل من في المكان:
— أنا دلوقتي عندي مامتين؟
ضحكت وسط دموعي.
وقلت:
— عندك أم ولدتك… وأم ربتك.
ولا واحدة فينا تقدر تاخد مكان التانية.
بعد عامين…
في أول يوم دراسي، وقفت أنا وليلى معًا أمام المدرسة، نلوح لنور وهي تدخل الفصل.
استدارت نحونا ولوحت بيديها وهي تصرخ:
— بحبكم… كلكم!
نظرت ليلى إليّ وقالت:
— لو ما كنتيش إنتِ… ما كانتش بنتي وصلت للي هي فيه.
ابتسمت وقلت:
— الأمومة مش بس ولادة… الأمومة عمر كامل من الحب والتضحية.
وأدركنا في تلك اللحظة أن القدر قد سرق منا سنوات، لكنه منح نور شيئًا نادرًا…
قلبين… أحباها بكل ما فيهما.
بما أن القصة انتهت، فإليك خاتمة بعد عدة سنوات:
بعد عشر سنوات…
كانت نور تقف على منصة التخرج في كلية الطب، تبحث بعينيها بين الحضور.
في الصف الأول، كانت تجلس امرأتان تمسكان بيدي بعضهما.
ليلى…
وأنا.
عندما نادوا اسمها، تقدمت بخطوات واثقة، ثم قالت في كلمتها أمام الجميع:
“دائمًا كانوا يسألوني: مين أمك؟
وكنت أحتار في الإجابة.
ثم فهمت أن بعض الناس يرزقهم الله بأم واحدة…
أما أنا، فقد رزقني الله باثنتين.
واحدة أعطتني الحياة…
والثانية حافظت عليها.”
ساد الصمت، ثم دوّى التصفيق في القاعة.
نظرت ليلى إليّ وابتسمت وسط دموعها، وقالت:
“أخيرًا… عرفت إن الأمومة ليست منافسة، بل رسالة.”
ابتسمت وأنا أحتضنها، فقد أدركنا أن السنوات التي فرقتنا لم تعد أهم من السنوات التي بقيت لنا مع نور.
خرجنا من القاعة معًا، وكانت نور تتوسطنا، تمسك بيد كل واحدة منا.
ولأول مرة منذ الحريق الذي غيّر حياتنا…
شعرنا أن العائلة اكتملت من جديد.
النهاية.
الخاتمة
في مساء ذلك اليوم، عادت الأسرة إلى المنزل، لكن هذه المرة لم يكن البيت يحمل الحزن الذي سكنه لسنوات، بل كان يحمل بداية جديدة.
وقفت نور أمام صورة والدها ووالدتها القديمة، ثم ابتسمت وهي تضع بجوارها صورة حديثة تجمعها بليلى وعمتها.
قالت بهدوء:
“دلوقتي الصورة بقت كاملة.”
مرت الأعوام، وكبرت نور وسط حبٍ لم ينقص، بل تضاعف.
كانت تنادي ليلى: “ماما”، وتناديني: “عمتي… وأمي الثانية.”
ولم يكن في قلبي غيرة، ولا في قلب ليلى خوف، لأننا أدركنا أن الحب لا يُقسَّم، بل يتسع لكل من يستحقه.
وفي الذكرى الخامسة عشرة للحريق، ذهبنا معًا إلى المكان الذي بدأت منه المأساة.
زرعنا شجرة زيتون صغيرة.
علّقت نور على أحد أغصانها فراشة خشبية، تشبه تلك العلامة التي كانت سببًا في كشف الحقيقة.
ثم قالت وهي تنظر إلى السماء:
“ربما لم أفهم وقتها لماذا أنقذني الله من النار… لكنني الآن أعرف. لأن أمامي حياة كاملة كان عليّ أن أعيشها، وأشخاصًا كان عليّ أن أحبهم.”
احتضنتها ليلى من جهة، واحتضنتها أنا من الجهة الأخرى.
وفي تلك اللحظة، مرّت فراشة بيضاء وحطّت على غصن الشجرة لثوانٍ، ثم حلّقت بعيدًا.
ابتسمت نور وقالت:
“بعض العلامات لا تُترك على الجسد… بل تُترك في القلب.”
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الحريق هو الذكرى التي تجمعنا…
بل كانت الفراشة.
رمزًا لأسرةٍ ظن الجميع أنها انتهت ذات ليلة، لكنها وُلدت من جديد بالمحبة، والصبر، والرحمة.
تمت بحمد الله.