جدتي حكـايـات أسمـا السـيد

جدتي اتصلت بيا وهي بتعيط بعد ما طردوها من دار المسنين… لكن لما عرفت هي عملت إيه، اتصدمت.
جدتي فاطمة كانت أحن إنسانة أعرفها.
على الأقل… ده كان اللي كنت هقوله لأي حد قبل يوم الثلاثاء اللي فات.
كانت عندها 84 سنة، ست صغيرة وهادية، ولسه لما يقع منها شيء تقول: “يا ساتر يا رب”. بعد وفاة جدي، عاشت لوحدها فترة، لكن بعد ما وقعت مرة في الحمام، أنا وأمي أقنعناها إنها تنتقل لدار رعاية، عشان يبقى في حد جنبها ويطمن عليها.
في البداية كانت رافضة الفكرة تمامًا.
قالت لي وهي بتلم هدومها: “أنا لسه مش كبيرة للدرجة دي عشان أعيش وسط العواجيز.”
لكن بعد كام أسبوع، بدأت تتعود.
عملت أصحاب جدد، وزينت أوضتها بصور العيلة، وحفظت أسماء كل العاملين هناك، حتى الممرضين اللي بييجوا في وردية آخر الأسبوع بس.
كل مرة كنت أزورها، كنت ألاقيها قاعدة على طرف السرير، لابسة كارديجان بيج، وبتبتسم كأنها كانت مستنياني أنا بالذات.
عشان كده لما اتصلت بيا وهي بتعيط… كنت هقع من الصدمة.
قالت بصوت بيرتعش: “يا بنتي… هما هيطلعوني من هنا.”
قعدت مرة واحدة من مكاني وقلت: “يعني إيه هيطلعوكي؟”
قالت: “قالوا إني مش هينفع أفضل هنا تاني.”
سألتها بسرعة: “مين قال كده؟”
ردت بصوت ضعيف: “مديرة الدار.”
وده كان كفاية بالنسبة لي.
قمت جبت مفاتيحي وخرجت فورًا.
طول الطريق كانت جدتي بتقول إنها آسفة، وإنها ما كانتش تقصد تعمل مشكلة، وإن يمكن الأفضل إني ما أروحش عشان كل الناس زعلانة منها.
وده خلاني أغضب أكتر.
زعلانين منها؟
دي كانت بالعافية تقدر تشيل كباية الشاي بإيديها الاتنين.
أول ما وصلت دار الرعاية، كنت مستعدة أقلب المكان كله.
عديت من عند الاستقبال من غير ما أوقف، ومشيت بسرعة ناحية أوضتها.
لقيتها قاعدة على السرير، جنبها شنطة سفر صغيرة مفتوحة، وكانت بتطوي نفس قميص النوم مرة ورا مرة… كأنها مش عارفة تعمل إيه بإيديها.
أول ما شافتني، انفجرت في العياط تاني.
حضنتها وحسيت قد إيه بقت ضعيفة وصغيرة.
سألتها: “حصل إيه يا تيتة؟”
لكنها ما بصتش لي.
فضلت ساكتة شوية… وبعدين قالت بصوت مكسور:
“أنا عملت غلطة.” ⬇️
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الجزء الثاني
بصيتلها باستغراب.
قلت بهدوء:
— غلطة إيه يا تيتة؟
نزلت عينيها في الأرض، وقالت وهي بتفرك في طرف كارديجانها:
— خدت حاجة… من غير ما أستأذن.
اتصدمت.
— خدتي إيه؟
طلعت من جيبها سلسلة فضة رفيعة، عليها قلب صغير.
قالت:
— لقيتها على الأرض في الجنينة… افتكرتها وقعت من واحدة الله يرحمها كانت معايا هنا… قلت أخليها عندي لحد ما حد يسأل عليها.
في اللحظة دي دخلت مديرة الدار.
قالت بلهجة حادة:
— الحمد لله إن حضرتك وصلتي… جدتك سرقت السلسلة، وكمان اتهمنا موظفين بالسرقة.
وقفت قدامها وقلت:
— استني بس… حد شافها وهي بتسرق؟
قالت:
— السلسلة كانت في أوضة نزيله تانية، وبعدها لقيناها مع جدتك.
بصيت لجدتي.
كانت بترتعش.
وقالت:
— والله ما سرقتها… أنا لقيتها.
لكن المديرة قالت:
— للأسف، بقية النزلاء بقوا خايفين منها، وإدارة الدار قررت إنهاء إقامتها.
حسيت إن في حاجة مش راكبة.
جدتي طول عمرها كانت أمينة.
حتى لو لقت جنيه في الشارع كانت تفضل تدور على صاحبه.
قلت للمديرة:
— ممكن أشوف كاميرات المراقبة؟
اتوترت شوية، وقالت:
— الكاميرات مش بتغطي كل الأماكن.
رديت:
— طيب وروني الجزء اللي بيغطي الجنينة.
بعد دقائق…
كنا قاعدين قدام شاشة الكمبيوتر.
ظهر الفيديو.
جدتي كانت ماشية ببطء في الجنينة بعكازها.
وفجأة انحنت بصعوبة، وخدت السلسلة من على الأرض.
لكن قبلها بثواني…
ظهر مشهد غريب.
واحدة من النزيلات كانت واقفة مع شاب زائر.
الشاب حط السلسلة في جيبه.
وبعد ما بص حواليه…
وقعها على الأرض من غير ما يحس.
اتسعت عيون المديرة.
وقالت:
— استني… رجّع الفيديو.
رجعناه تاني.
المشهد كان واضح.
جدتي ما دخلتش أوضة حد.
ولا سرقت حاجة.
هي فقط لقت السلسلة.
المديرة وشها احمر من الإحراج.
لكن قبل ما تتكلم…
دخلت سيدة كبيرة كانت قاعدة في الصالة.
وقالت:
— أنا عندي حاجة لازم أقولها.
كلنا بصينا لها.
قالت:
— فاطمة كانت بتحاول ترجع السلسلة لصاحبتها، لكن أنا اللي قلت لها استني يمكن حد يسأل عليها.
سكتت لحظة، ثم قالت:
— وإحنا ظلمناها.
فضلت جدتي ساكتة…
لكن الدموع كانت بتنزل في صمت.
يتبع…
الجزء الثالث
ساد الصمت في المكتب.
مديرة الدار نزلت رأسها وقالت بصوت هادئ:
— أعتذر يا حاجة فاطمة… إحنا تسرعنا في الحكم.
لكن جدتي ما ردتش.
فضلت ماسكة طرف الشال، وباصّة في الأرض.
أنا قلت بغضب:
— اعتذار؟! بعد ما لمّت هدومها وقلتلها تمشي؟
في اللحظة دي دخل صاحب دار الرعاية، وكان راجل في الستينات.
واضح إنه سمع اللي حصل.
بص للفيديو بنفسه، وبعد ما خلص قال للمديرة:
— القرار اتاخد من غير تحقيق كامل، وده خطأ كبير.
ثم لف ناحية جدتي وقال:
— يا حاجة فاطمة… لو تسمحي، إحنا اللي المفروض نطلب منك تسامحينا.
جدتي ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مكسورة.
وقالت:
— الكلمة لما تجرح… صعب ترجع زي الأول.
كل اللي في المكتب سكت.
بعدها خرجنا نجمع حاجتها.
وأنا بلم الصور من على الحيطة، لقيت ظرف أبيض مستخبي ورا البرواز.
استغربت.
فتحت الظرف…
لقيت فيه عشرات الإيصالات.
كلها تبرعات.
مرة بمائة جنيه.
ومرة بخمسين.
ومرة بعشرين.
سألتها باستغراب:
— الإيصالات دي إيه يا تيتة؟
ابتسمت بخجل وقالت:
— كنت باخد جزء من معاشي كل شهر… وأدفعه سرًا لأي نزيل معندوش حد يزوره أو يشتري له دوا.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
قالت:
— فيه عم إبراهيم محدش بيسأل عليه… وفيه أمينة محتاجة علاج للعين… قلت أساعدهم على قد ما أقدر.
في اللحظة دي…
المديرة كانت واقفة على الباب، وسمعت كل كلمة.
دموعها نزلت.
وقالت:
— يعني حضرتك… كنتي بتدفعي من معاشك للنزلاء؟
هزت جدتي رأسها وقالت:
— ربنا هو اللي بيرزق.
بعد دقائق…
صاحب الدار طلب يجمع كل العاملين والنزلاء في الصالة.
وقف قدامهم وقال بصوت واضح:
— النهارده لازم نصحح غلطة كبيرة.
ثم أعلن أمام الجميع:
— الحاجة فاطمة بريئة تمامًا… وإدارة الدار هي اللي أخطأت في حقها.
وبعدها سلّمها باقة ورد.
وقال:
— ومن النهارده… غرفة الأنشطة الخيرية في الدار هتكون باسم الحاجة فاطمة، تقديرًا لكل الخير اللي عملته في صمت.
كل الموجودين وقفوا يصفقوا.
أما جدتي…
فبكت.
لكن المرة دي…
ما كانتش دموع حزن.
كانت دموع إنصاف بعد ظلم.
تمت القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *