بعد العوده حكايات أسما ×1

الجزء الأول: أول خيط

خرجت من المستشفى، لكني ما مشيتش بعيد.

وقفت عند العربية، وفضلت باصص على باب الطوارئ.

كنت عارف إن أهل ياسمين شايفني.

وعارف إنهم مستنيين يشوفوا هعمل إيه.

هل هصرخ؟

هل هتشاجر؟

هل ههددهم؟

أي رد فعل متهور كان هيديهم فرصة يقولوا إني فقدت أعصابي، أو إني كنت سببًا في انهيار ياسمين.

لكنهم ما كانوش يعرفوا حاجة مهمة عني.

أنا قضيت تمانية شهور في مهمة هدفها إسقاط شبكة كانت بتغسل فلوسها من خلال جمعيات خيرية وشركات استيراد وهمية.

اتعلمت خلالها إن أقوى س*لاح مش المس*دس.

أقوى س*لاح هو إن خصمك يفتكرك مش فاهم حاجة.

فتحت باب العربية.

وقبل ما أركب، سمعت صوت بيقول من ورايا:

— سيادة الرائد آدم؟

لفيت.

كان أصغر إخوات ياسمين واقف على بعد خطوات.

اسمه شريف.

شاب في منتصف العشرينات، دايمًا كان بيتعامل معايا بثقة زيادة، لأنه الابن المدلل للحاج فؤاد.

لكن المرة دي، الثقة اختفت.

إيده كانت لسه بترتعش.

قال:

— ممكن أتكلم معاك؟

بصيت ناحية زجاج المستشفى.

أبوه وإخواته كانوا واقفين بيراقبوه.

قلت:

— مش دلوقتي.

قرب بسرعة.

— لازم دلوقتي.

فتحت باب العربية أكتر.

— ارجع لأهلك يا شريف.

قال بصوت واطي:

— لو رجعت لهم، ممكن ما تعرفش الحقيقة أبدًا.

سكت.

بصيت له.

كان خايف بجد.

مش خوف واحد مذنب بس.

خوف واحد شايف خطر أكبر منه.

قلت:

— اركب.

ركب جنبي.

أول ما قفل الباب، بدأ يتنفس بسرعة.

قلت:

— اهدى.

— أنا مش قادر.

— لو كنت عايز تقول، قول.

— أنا ما ضربتهاش.

ما ردتش.

كمل بسرعة:

— والله ما لمستها.

— مين قال إنك ضربتها؟

اتلخبط.

— إنت بصيت لي.

— وإيدك كانت بتترعش.

— علشان أنا شفت اللي حصل.

لفيت له.

— شفت إيه؟

نزل عينه.

— ياسمين كانت عندنا في البيت من تلات أيام.

— بتعمل إيه؟

— أبويا طلب منها تيجي.

— ليه؟

— علشان تمضي أوراق.

— أوراق إيه؟

سكت.

قلت:

— لو ضيعت وقتي، هنزلّك.

قال بسرعة:

— تنازل عن نصيبها في الميراث.

شدّيت إيدي على المقود.

أم ياسمين كانت توفيت من سنة، وسابت عقارات وأرضًا زراعية وحصة في شركة العيلة.

ياسمين عمرها ما اهتمت بالفلوس.

لكنها كانت ترفض الظلم.

قلت:

— رفضت تمضي؟

هز راسه.

— قالت إن الأوراق مش تنازل بس.

— أمال إيه؟

— فيها اعتراف إنها استلمت فلوس من الشركة بدون وجه حق.

— يعني كانوا عايزين يلبسوها قضية.

— أيوه.

— ليه؟

— علشان تسكت.

— عن إيه؟

شريف بص ناحية المستشفى.

— مش عارف كل حاجة.

قلت:

— اللي تعرفه.

بلع ريقه.

— ياسمين كانت بتدور في حسابات الشركة.

— ليه؟

— لأنها اكتشفت تحويلات غريبة باسمها.

— من إمتى؟

— من بعد ما سافرت.

قلبي اتقبض.

— وأنا كنت في المهمة؟

— أيوه.

— مين كان بيحول؟

— أبويا وإخواتي الكبار.

— لمين؟

— شركات بره البلد.

— باسم ياسمين؟

— أيوه.

فهمت جزءًا من اللعبة.

لو الشبكة اللي كنت أطاردها مرتبطة بشركة أهل ياسمين، يبقى اسمي واسم مراتي كانوا أقرب غطاء ليهم.

قلت:

— كمل.

شريف بدأ يعيط.

— يومها ياسمين صرخت وقالت إنها هتبلغ. أبويا قفل الباب. أخويا مجدي مسكها.

— وبعدين؟

— ضربوها.

صوتي طلع هادي بشكل أخافه:

— مين ضربها؟

— كلهم تقريبًا.

— وأنت؟

— فضلت واقف.

— يعني شاركت.

رفع راسه.

— أنا ما لمستهاش.

— لكنك ما منعتهمش.

سكت.

قلت:

— واحد وثلاثين كسر يا شريف.

بدأ يبكي أكتر.

— ما كانوش ناويين يوصلوا لكده.

— كانوا ناويين يوصلوا لإيه؟

— يخوفوها بس.

— واحد وثلاثين كسر مش تخويف.

قال:

— مجدي فقد أعصابه. وبعدين أبويا قال لازم الحادث يبان كأنه وقع.

— وقع منين؟

— من السلم الداخلي.

— وهي اتكسرت جوه البيت؟

— أيوه.

— طب وصلت شقتها إزاي؟

شريف بص لي.

— نقلوها.

— مين؟

— مجدي وحسام ووليد.

— بسيارة مين؟

— عربية الشركة.

قلت:

— وبقعة الدم في شقتنا؟

— جابوها هناك، وحطوها جنب الكنبة. كانوا عايزين يقولوا إنها وقعت وهي لوحدها.

— والكلور؟

— نظفوا البيت.

— مين اللي اتصل بالإسعاف؟

— أنا.

لفيت له.

— إنت؟

هز راسه.

— بعد ما مشيوا، رجعت. لقيتها بتتنفس. اتصلت من موبايلها، وبعدين رميته في الشارع.

— ليه؟

— علشان ما يعرفوش إني بلغت.

سكت.

كلامه ممكن يكون حقيقي.

وممكن يكون بيحاول ينقذ نفسه.

قلت:

— في دليل؟

طلع موبايله.

فتح تسجيلًا.

صوت رجل جه واضح.

صوت الحاج فؤاد:

“خلوها تمضي الأول. ولو رفضت، اكسروا إيدها اللي هتبلغ بيها.”

بعده صوت مجدي:

“ولو آدم رجع؟”

فؤاد رد:

“مش راجع قبل شهور. ولو رجع، هنكون دفناها ودفنا القضية.”

وقف التسجيل.

ما قدرتش أتنفس لثانية.

دفناها.

كانوا ناويين يق*تلوها.

قلت:

— التسجيل ده من إمتى؟

— يوم الاعتداء.

— ليه سجلت؟

— كنت خايف.

— من أبوك؟

— من الكل.

مديت إيدي للموبايل.

— ابعتهولي.

قال:

— لو عرفوا، هيق*تلوني.

— لو ما بعتهوش، هتتحاسب معاهم.

بعت التسجيل.

ثم قلت:

— هترجع المستشفى.

شهق.

— مستحيل.

— هترجع وتتصرف طبيعي.

— مش هقدر.

— لازم.

— ليه؟

— علشان لسه ما عرفوش إنك اتكلمت.

— وبعدين؟

— هتسمع.

— إيه؟

— كل حاجة.

نزل من العربية وهو بيرتعش.

راقبته وهو راجع ناحية أسرته.

الحاج فؤاد حط إيده على كتفه.

من بعيد، شكلهم عيلة مترابطة.

لكنني كنت شايف الحقيقة.

كانوا مجموعة مجرمين واقفين قدام غرفة الضحية، يضحكوا علشان يقنعوا نفسهم إنهم انتصروا.

اتصلت بزميلي المقدم حازم.

— محتاجك في حاجة خارج المأمورية.

— إنت رجعت؟

— من ساعتين.

— حصل إيه؟

— مراتى في العناية، وأهلها حاولوا يق*تلوها.

سكت.

ثم قال:

— ابعتلي كل اللي عندك.

— مش هينفع رسمي دلوقتي.

— ليه؟

— لأن العيلة عندها حد جوه القسم.

— متأكد؟

— نص الأدلة اختفت قبل ما أوصل.

— مين الظابط المسؤول؟

— الرائد سامح لطفي.

حازم سكت.

— آدم، خليك حذر.

— تعرفه؟

— سامح كان متهم قبل كده بتسريب معلومات في قضية شركات فؤاد، بس التحقيق اتقفل.

قلت:

— يعني الشرطة نفسها مخترقة.

— على الأقل حد جوهها.

طلبت منه يراجع تسجيلات كاميرات المستشفى والطرق من غير ما يبلغ حد.

بعدها رجعت شقتي.

الباب كان لسه مفتوح.

دخلت بالقفازات.

ما لمستش حاجة.

بدأت أراجع المكان كأنه مسرح ج*ريمة.

بقعة الدم كانت عند الكنبة.

لكن اتجاهها غريب.

لو ياسمين وقعت، كان الدم انتشر بشكل مختلف.

المكان اتنضف كويس، لكنهم ارتكبوا خطأ.

الكلور بيمسح الدم من العين.

مش من أجهزة الفحص.

استخدمت ضوءًا خاصًا كان في حقيبتي.

ظهرت خطوط طويلة على الأرض.

أثر سحب جسم.

من الباب للكنبة.

لقيت كمان خدشًا على الحائط، وقطعة قماش صغيرة عالقة في مسمار.

لونها كحلي.

أهل ياسمين كانوا كلهم لابسين بدل كحلي في المستشفى.

لكن واحدًا فقط كان جاكته مقطوع من الطرف.

حسام.

الابن الثالث.

صورت كل شيء.

ثم دخلت غرفة النوم.

الدولاب مفتوح.

أوراق ياسمين متبعثرة.

لكن درجًا صغيرًا كان مقفولًا.

كسرته.

لقيت دفترًا.

ياسمين كانت كاتبة فيه أرقام تحويلات، وتواريخ، وأسماء شركات.

وفي آخر صفحة:

“لو حصل لي شيء، آدم لازم يعرف إن فؤاد مش والدي الحقيقي.”

قريت الجملة مرتين.

مش والدها الحقيقي؟

قلبت الصفحة.

كان فيها اسم رجل:

عادل المنشاوي

وتحت الاسم:

“مات في السجن سنة 2001.”

تحتها جملة:

“فؤاد سرقني منه.”

في اللحظة دي، سمعت حركة عند الباب.

طفيت النور.

وقفت جنب الحائط.

دخل شخص بهدوء.

خطواته كانت محسوبة.

وصل لغرفة النوم.

مد إيده للدرج.

مسكته من رقبته، وثبته على الحائط.

كان الرائد سامح.

ظابط المباحث.

قال وهو بيحاول يتنفس:

— سيبني!

— بتعمل إيه في بيتي من غير إذن؟

— جيت أكمل المعاينة.

— المعاينة خلصت.

— وصلتنا معلومة عن أوراق.

شدّيت إيده.

وقع من جيبه جهاز تخزين صغير.

أخدته.

قال:

— ده دليل.

— كنت داخل تسرقه.

— آدم، إنت مش فاهم.

— فهمني.

بص لي.

— أهل ياسمين مش أكبر عدو عندك.

— مين أكبر؟

قال:

— المهمة اللي رجعت منها.

اتجمدت.

— مالها؟

— الشبكة اللي كنت بتطاردها عرفت اسمك الحقيقي.

— وإيه علاقتها بياسمين؟

— أبوها كان بيشتغل معاهم.

— فؤاد؟

— لأ.

سكت.

ثم قال:

— أبوها الحقيقي.

قبل ما أكمل، دوّى صوت طلقة من الشارع.

زجاج الشباك اتكسر.

الرصاصة دخلت في كتف سامح.

وقع.

سحبته بعيدًا.

بصيت من جانب الحائط.

عربية سودا انطلقت بسرعة.

سامح كان بينزف.

قال بصعوبة:

— المستشفى…

— مالها؟

— ياسمين مش آمنة.

جريت.

اتصلت بالحراسة.

محدش رد.

اتصلت بالطبيب.

الخط مشغول.

لما وصلت المستشفى، كان الممر فوضى.

باب العناية مفتوح.

جهاز ياسمين بيطلق إنذارًا.

والسرير…

كان فاضيًا.

على الملاية، لقيت ورقة واحدة.

مكتوب عليها:

“عايز مراتك؟ هات الدفتر.”

نهاية الجزء الأول

الجزء الثاني: الأب الحقيقي

وقفت قدام السرير الفاضي، والورقة في إيدي.

ما صرختش.

ما سألتش الممرضين.

بصيت في اتجاهات الممر.

الكاميرا اللي فوق باب العناية كانت مكسورة.

واحدة من الممرضات كانت واقفة في زاوية، بتعيط.

قربت منها.

— مين دخل؟

هزت راسها.

— ما شفتش.

— بصيلي.

رفعت عينيها.

— قالوا نقل طارئ.

— مين قال؟

— دكتور من الإدارة.

— اسمه؟

— ما أعرفش.

— شكلُه؟

— لابس كمامة.

— كان معاهم كام شخص؟

— اتنين مسعفين.

— خرجوا من أنهي باب؟

أشارت للباب الخلفي.

جريت.

في ساحة الخدمة، لقيت نقطة دم.

وبجانبها غطاء إبرة.

شممتها.

مهدئ.

خطفوها وهي في غيبوبة.

لكنها كانت ضعيفة.

أي جرعة زيادة ممكن تق*تلها.

اتصل حازم.

— كاميرا طريق خلفي صورت عربية إسعاف خاصة.

— رقمها؟

— مسروق.

— اتجاهها؟

— طريق المخازن القديمة.

— ابعته.

ركبت العربية.

في الطريق، اتصل شريف.

صوته كان مرعوبًا.

— آدم، هما عرفوا.

— عرفوا إيه؟

— إن في تسجيل.

— إزاي؟

— موبايل أبويا جاله إشعار إن الملف اتبعت.

لعنت نفسي.

التطبيق كان متزامنًا مع حساب العيلة.

قلت:

— إنت فين؟

— العربية مع إخواتي.

— ياسمين معاهم؟

سكت.

— جاوب.

— أيوه.

— مكانكم؟

— مش عارف.

سمعت صوت مجدي من بعيد:

— بتكلم مين؟

شريف قفل.

بعد دقيقة، بعت موقعًا مباشرًا.

اتجهت له.

المكان كان مصنع نسيج مهجورًا تابعًا لشركة فؤاد.

وصلت قبل الشرطة.

ما دخلتش من الباب.

لفيت من الخلف.

الحائط كان عاليًا، لكن فيه ماسورة صرف.

طلعت.

دخلت من شباك مكسور.

سمعت أصوات.

فؤاد كان بيتكلم:

— الدفتر عنده.

مجدي قال:

— نق*تله.

— مش قبل ما نعرف هو بعت نسخة لمين.

صوت ياسمين ما كانش موجود.

تحركت في الظلام.

لقيت غرفة مقفولة.

من فتحة الباب، شفتها.

كانت على سرير نقل.

الأجهزة متوصلة ببطارية.

بجانبها ممرضة.

الممرضة بتغير المحلول.

قربت من الخلف.

ثبتها.

قالت بخوف:

— ما تق*تلنيش.

— إيه اللي في المحلول؟

— مسكن ومضاد حيوي.

— كدب.

ضغطت على إيدها.

قالت:

— مهدئ.

— الجرعة؟

— عالية.

قفلت المحلول.

فكيت سرير ياسمين.

لكن الباب الخارجي اتفتح.

دخل حسام.

شافني.

رفع س*لاحه.

ضربت إيده.

الطلقة ضربت السقف.

اتخانقنا.

كان قوي، لكنه غاضب.

والغضب بيخلي الحركة متوقعة.

وقعته.

مسكت س*لاحه.

وجهته عليه.

— مين أمر بخطفها؟

ضحك.

— أبوها.

— فؤاد؟

— أبوها الحقيقي.

نفس الجملة.

قلت:

— عادل المنشاوي مات.

ابتسم.

— مين قال لك؟

سمعت تصفيقًا من خلفي.

لفيت.

رجل في أوائل الستينات دخل.

ملامحه حادة.

عينيه نفس عيني ياسمين.

قال:

— أخيرًا قابلت زوج بنتي.

فهمت.

— عادل؟

— أيوه.

— المفروض إنك ميت.

— الموت أحيانًا أحسن غطاء.

فؤاد دخل خلفه.

لم يكونا أعداء.

كانا شركاء.

قال عادل:

— ادينا الدفتر، وخد مراتك.

— وإيه الموجود فيه؟

— حاجات مش تخصك.

— ضرب مراتى يخصني.

عادل نظر لياسمين.

— هي اللي اختارت.

— اختارت إيه؟

— تعرف الحقيقة.

فؤاد قال:

— ياسمين بنت عادل، وأنا ربيتها.

— ليه؟

عادل رد:

— علشان أحميها.

— من مين؟

— مني.

سكت.

كمل:

— كنت متهمًا في قضايا تهريب س*لاح. اختفيت، وسجلتها بنت فؤاد.

— وبعدين استخدمتوها في التحويلات.

فؤاد قال:

— كانت مجرد أسماء.

— وختمتوا جسمها لما اعترضت.

مجدي دخل وهو ماسك شريف من رقبته.

— الخاين كان بيتكلم معاه.

شريف بص لي.

عادل قال:

— اق*تلوه.

فؤاد اتردد.

— ده ابني.

— الخاين ما يبقاش ابن.

رفعت الس*لاح.

— محدش يلمسه.

رجال دخلوا من الجانبين.

خمسة مسلحين.

كنت محاصرًا.

عادل قال:

— حط الس*لاح.

بصيت لياسمين.

نبضها كان ضعيفًا.

حطيت الس*لاح.

ضربني مجدي من الخلف.

وقعت.

ربطوني.

عادل أخد الدفتر من جيبي.

قلبه.

ثم قال:

— فين الصفحة الأخيرة؟

قلت:

— دي كل الصفحات.

ضربني.

— ياسمين قطعت صفحة.

— اسألها لما تفوق.

— هي مش هتفوق.

فؤاد بص له.

— اتفقنا نسيبها.

عادل قال:

— كانت خطة قديمة.

فهمت إن فؤاد رغم جرائمه، ما كانش صاحب القرار الأخير.

عادل هو الرأس.

قلت:

— ليه رجعت بعد خمس سنين؟

— علشان الشبكة وقعت.

— المهمة اللي كنت فيها؟

ابتسم.

— كنت بتحارب رجالي.

— وإنت عرفت اسمي.

— لما عرفت إنك جوز ياسمين، كانت فرصة.

— استخدمت بنتك كطعم.

— استخدمتها طول عمرها.

الجملة خلت فؤاد يتغير.

قال:

— كفاية.

عادل لف له.

— إيه؟

— دي بنتي أنا.

— ربيتها، لكن دمها دمي.

— الدم مش كل حاجة.

عادل ضربه بالنار في بطنه.

فؤاد وقع.

أولاده صرخوا.

الفوضى بدأت.

شريف زق مجدي.

أنا كسرت الرباط في مسمار خلف الكرسي.

قفزت ناحية الس*لاح.

أطلقت طلقة في الضوء.

الظلام نزل.

وصلت لياسمين.

دفعت السرير ناحية باب جانبي.

شريف ساعدني.

خرجنا لممر خلفي.

ورانا طلقات.

قلت لشريف:

— خدها للعربية.

— وإنت؟

— هرجع.

— ليه؟

— الصفحة الأخيرة.

قال:

— معايا.

طلع ورقة من حذائه.

— ياسمين ادهالي قبل ما يضربوها.

أخدتها.

كانت خريطة تحويلات وأسماء ضباط ومسؤولين.

وفي أسفلها اسم واحد محاط بدائرة:

اللواء كمال السعدي

قائد مهمتي السرية.

الرجل اللي أرسلني تمانية شهور بعيدًا.

سمعت صوت عادل خلفنا:

— مش هتخرجوا!

ظهر بالس*لاح.

شريف وقف قدام ياسمين.

عادل قال:

— ابعد.

شريف رد:

— كفاية.

عادل ضرب.

لكن شريف تحرك.

الطلقة دخلت كتفه.

أنا ضربت عادل في رجله.

وقع.

حملت شريف.

وصلنا للعربية.

نقلت ياسمين وشريف للمستشفى العسكري.

لكن قبل ما ندخل، جاءت قوة أمنية.

قائدها كان اللواء كمال السعدي.

نزل من العربية.

بص لي.

ثم بص للورقة في إيدي.

قال:

— سلمها يا آدم.

قلت:

— الأول تحمينيهم.

— طبعًا.

بصيت لجنوده.

أسلحتهم كانت موجهة نحونا، مش للشارع.

فهمت.

عادل مش الرأس.

كمال هو الرأس.

قال بهدوء:

— المهمة انتهت يا آدم.

رفعت الس*لاح.

— لأ.

ابتسم.

— لسه بدأت.

نهاية الجزء الثاني

الجزء الثالث: المهمة الحقيقية

وقفت قدام كمال، والس*لاح بيننا.

قال:

— إنت تعبان ومش مركز.

— رجالك مصوبين علينا.

— إجراء أمني.

— عربيات الإسعاف ورايا، مش قدامي.

ابتسم.

— لسه ذكي.

قلت:

— إنت اللي بعتني تمانية شهور علشان تبعدني عن ياسمين؟

— كنت محتاجك بعيد.

— ليه؟

— لأن مراتك لقت الملفات.

— وإنت أمرت عيلتها تسكتها.

— أنا ما أمرتش بالضرب.

— لكنك عرفت وسكت.

— النتائج أحيانًا أهم من الوسائل.

أشرت للورقة.

— دي نتيجة؟

— دي ورقة تهد دولة كاملة.

— عشان كده هتطلع للنور.

غيرت ملامحه.

— سلمها.

— لأ.

رفع إيده.

جنوده قربوا.

في اللحظة دي، صوت مروحيات جه من فوق.

كمال بص للسماء.

حازم وصل مع قوة من جهاز آخر.

نزل وهو بيصرخ:

— الس*لاح في الأرض!

رجال كمال اترددوا.

قلت:

— بعت نسخة قبل ما أجي.

كمال عرف إنه خسر الجولة.

لكن ابتسم.

— النسخة ناقصة.

— إيه الناقص؟

— المفتاح.

— عند مين؟

بص لياسمين.

— جواها.

قلبي اتقبض.

— إيه؟

— أبوها زرع شريحة تحت جلدها وهي طفلة.

عادل.

قال إنه حماها.

الحقيقة إنه حوّلها لخزنة.

نقلنا ياسمين لعملية عاجلة تحت حراسة.

الأطباء وجدوا جسمًا معدنيًا قرب عظمة الترقوة.

لكن إخراجه خطر على حالتها.

كمال اتقبض عليه مؤقتًا، لكنه كان واثقًا.

قال لي قبل ما يأخدوه:

— لو ماتت، البيانات تضيع.

الدكتور قال:

— لازم تستقر الأول.

قعدت جنبها.

مسكت إيدها.

همست:

— إنتِ طول عمرك محاطة بوحوش، ولسه قلبك أنضف منهم.

حركت صباعها.

لأول مرة.

ناديت الدكتور.

فتح عينه.

قالت بصوت ضعيف:

— آدم.

— أنا هنا.

بكت.

— آسفة.

— إنتِ آسفة على إيه؟

— كنت فاكرة لو عرفت الحقيقة لوحدي، أحميك.

— حميتيني بإخفائها؟

— مهمتك كانت بينهم.

— عارف.

— كمال هو اللي ق*تل الفريق القديم.

— عرفت.

— لأ… في واحد عايش.

— مين؟

قالت:

— أخوك.

اتجمدت.

أنا ما عنديش أخ.

أو كنت فاكر.

قالت:

— اسمه سليم.

دخل حازم.

وشه متغير.

قال:

— آدم، في حد جاي يشوفك.

دخل رجل يشبهني.

أكبر مني بثلاث سنوات تقريبًا.

نفس العين.

نفس أثر جرح قديم فوق الحاجب.

قال:

— أنا سليم.

قلت:

— مستحيل.

طلع صورة قديمة لأمي.

كانت شايلة طفلين.

— كمال فرقنا. أخدني ورباني داخل الشبكة.

— ليه؟

— أبوك كان ضابطًا اكتشفهم.

— وأبونا؟

— ق*تلوه.

— وأمي؟

— قالوا لها إني مت.

سليم بص لياسمين.

— هي اللي لقتني.

قلت:

— من إمتى تعرفها؟

— من سنة.

— وسكتت؟

— كانت بتحاول تخرجني من الشبكة.

ياسمين قالت:

— ما كنتش أثق في حد.

الغضب طلع جوايا.

لكنها كانت بين الحياة والموت.

بلعته.

سليم قال:

— الشريحة في جسمها مش مفتاح بس.

— أمال؟

— دليل حي على برنامج زرع شرائح في أطفال أعضاء الشبكة.

— أطفال؟

— علشان يستخدموهم كخزائن ما تتفتش.

حازم قال:

— كمال كان بيجهز جيل كامل من الواجهات.

قلت:

— نطلع الشريحة.

الدكتور رفض.

لكن سليم قال:

— في طريقة تعطيل الإرسال قبل الإزالة.

— تعرفها؟

— أنا عندي واحدة زيها.

كشف عن ندبة في كتفه.

بعد ساعات، بدأت العملية.

قبل ما تدخل، ياسمين شدت إيدي.

— لو ما خرجتش—

— هتخرجي.

— اسمعني.

— مش هسمع.

ابتسمت رغم الألم.

— عنيد.

— اتعلمت منك.

قالت:

— فؤاد…

— عايش.

— رغم اللي عمله، هو رباني.

— هيتحاسب.

— بس ما تسيبوش يموت.

— حاضر.

دخلت.

أثناء العملية، حصل هجوم على المستشفى.

رجال كمال قطعوا الكهرباء.

سليم قال:

— هدفهم غرفة العمليات.

قسمنا الممر.

أنا وحازم من جهة.

سليم من الجهة الأخرى.

المهاجمون دخلوا.

ضرب نار.

سليم كان يعرف تحركاتهم.

لأنه كان واحدًا منهم.

بعد عشر دقائق، سيطرنا عليهم.

لكن كمال هرب من الحجز.

وصل غرفة العمليات من ممر خدمة.

دخل.

خطف الشريحة بعد إخراجها.

أمسك طبيبة كرهينة.

قال:

— محدش يقرب.

ياسمين كانت على الطاولة.

نبضها يهبط.

قلت:

— سيب الشريحة وخدني.

ضحك.

— إنت طول عمرك فاكر نفسك بطل.

— وأنا دلوقتي طعم ممتاز.

كان عايز يق*تلني.

قرب.

سليم ظهر خلفه.

قال:

— سيبها يا أبي.

الكل اتجمد.

كمال بص له.

— ما تنادينيش كده.

فهمت.

كمال رباه كابن.

سليم قال:

— ربيتني علشان أكون س*لاح.

— وأنقذتك.

— سرقتني.

كمال وجه الس*لاح له.

— ابعد.

سليم قال:

— الشريحة مزيفة.

كمال بص لإيده.

استغليت اللحظة.

ضربت س*لاحه.

حازم حرر الطبيبة.

سليم أمسك كمال.

لكن كمال طعنه.

سليم وقع.

ضربت كمال.

كبلناه.

جريت لسليم.

الدم كان كتير.

قال:

— على الأقل لقيتك.

— ما تتكلمش.

— أمي عايشة؟

— أيوه.

ابتسم.

— قولها إني ما متش لوحدي.

— إنت مش هتموت.

لكنه مات.

بعد دقائق، خرجت الطبيبة.

قالت إن ياسمين نجت.

لكن أخي ضاع في نفس الليلة اللي وجدته فيها.

كمال ضحك وهو مقيد.

قال:

— خسرت أخوك.

ضربته؟

كنت أقدر.

لكن ما عملتش.

قلت:

— إنت هتعيش وتحكي كل حاجة.

لأول مرة، شفت الخوف في عينه.

نهاية الجزء الثالث

الجزء الرابع: اعتراف ياسمين

استقرت ياسمين بعد العملية.

الشريحة الأصلية كانت مع حازم.

أما الشريحة اللي سرقها كمال، فكانت نسخة وضعها سليم.

سليم خطط لكل شيء قبل موته.

داخل الشريحة، وجدنا تسجيلات.

واحد منها كان بصوت ياسمين.

“لو التسجيل ده ظهر، يبقى أنا فشلت أخبي الحقيقة.”

سمعتها وهي نايمة جنبي.

“آدم ما يعرفش إن مهمته اتبنت على معلومات أنا وصلتها.”

اتجمدت.

هي اللي كانت المصدر المجهول.

“من سنة، اكتشفت إن شركة أبي مرتبطة بالشبكة. حاولت أوصل لآدم، لكن كمال كان بيراقب كل مكالماته.”

كملت:

“قابلت سليم. كان داخل الشبكة لكنه عايز يخرج. اتفقنا نوقعهم.”

خرجت من الغرفة.

كنت غضبان.

لما فاقت، قلت:

— استخدمتيني؟

بصت لي.

— كنت بحميك.

— الكل بيقول الجملة دي قبل ما يخون.

دموعها نزلت.

— ما خنتكش.

— خبيتي أخويا.

— لو قلت لك، كنت هتدور عليه وتكشفه.

— ده حقي.

— وكان ممكن تموت.

— وإنت اتكسرتي واحد وثلاثين كسر.

سكتت.

قلت:

— الحماية مش إنك تختاري بدل مني.

— عارفة.

— من إمتى؟

— من وأنا على الأرض وهم بيضربوني.

قعدت.

الغضب بدأ يتحول لوجع.

قالت:

— كنت شايفة إخواتي واحد ورا التاني. محدش وقف. حتى شريف ما اتحركش.

— هو اللي اتصل بالإسعاف.

— عارفة.

— وفؤاد؟

— حاول يوقفهم في الآخر، لكن عادل كان وصل.

— أبوك الحقيقي.

— هو مش أبويا.

قالتها بوضوح.

— فؤاد رغم جرائمه كان أبًا أكتر منه.

قلت:

— فؤاد استخدم اسمك.

— أيوه.

— وسكت على ضربك.

— أيوه.

— هيتحاسب.

— عارفة.

مدت إيدها.

— لكن ما تبقاش زيهم.

— يعني؟

— ما تخليش الانتقام يحولك لواحد منهم.

قلت:

— أنا عايز حقك.

— حقي مش جث*ة.

— أمال؟

— الحقيقة.

بدأت المحاكمات.

فؤاد اعترف.

قال إن عادل هدده بياسمين لو ما ربّاهاش واستخدم شركاته.

لكن الأدلة أثبتت إنه استفاد لسنين.

مجدي وحسام ووليد اعترفوا بالاعتداء.

اثنان من الإخوة الأصغر تعاونوا.

شريف بقى شاهدًا رئيسيًا.

أما عادل، فهرب.

اختفى قبل اقتحام المصنع.

كمال رفض يتكلم.

قال إن عادل هو صاحب الأسرار.

بعد شهر، وصلتنا رسالة.

صورة لسليم وهو طفل.

وخلفها عنوان.

ذهبت مع حازم.

كان بيتًا قديمًا.

دخلنا.

وجدنا عادل.

جالسًا وحده.

قال:

— كنت مستنيك.

قلت:

— ليه ما هربتش؟

— تعبت.

— من إيه؟

— من دفن أولادي وهم أحياء.

— ياسمين؟

— وسليم.

— سليم مش ابنك.

— ربيته فترة.

— ثم سلمته لكمال.

بكى.

— كنت ضعيف.

قلت:

— أنت سبب كل شيء.

— عارف.

— ليه خطفت ياسمين؟

— كمال طلب الشريحة.

— وضربتوها.

— إخواتها بدأوا. أنا كملت.

— واحد وثلاثين كسر.

نزل عينه.

— عارف.

— ليه؟

— لأنها بصت لي وقالت إنت مش أبويا.

— وكانت صح.

— الكلمة كسرتني.

ضحكت بمرارة.

— فكسرت جسمها؟

— مفيش عذر.

— أخيرًا قلت الحقيقة.

طلع مس*دسًا.

حازم رفع س*لاحه.

عادل وضع المس*دس على رأسه.

— مش هتحاكم.

قلت:

— الموت سهل.

— والسجن؟

— تصحى كل يوم وتفتكر اللي عملته.

بص لي.

— هي عايشة؟

— أيوه.

— سامحتني؟

— لأ.

نزل الس*لاح.

قال:

— كويس.

سلم نفسه.

لكن قبل ما نخرج، قال:

— كمال مش الرأس الأخير.

قلت:

— مين؟

قال:

— أم ياسمين.

اتجمدت.

— ماتت.

— دي اللي قالوه.

— مين هي؟

— اسمها الحقيقي نجلاء الراوي. مؤسسة الشبكة.

— فين؟

ابتسم بمرارة.

— جنب ياسمين.

اتصلت بالمستشفى.

الممرضة قالت إن سيدة مسنة تزور ياسمين يوميًا وتقول إنها خالتها.

جريت.

دخلت الغرفة.

السرير فاضي.

على الحائط، مكتوب بالدم:

“الأم جاءت تسترد ابنتها.”

نهاية الجزء الرابع

الجزء الخامس والأخير: الأم التي عادت

نجلاء أخذت ياسمين إلى منزل قديم على الساحل.

عرفنا المكان من تسجيل كاميرا سيارة.

وصلت مع حازم والقوة.

لكنني دخلت أولًا.

في الصالة، وجدت ياسمين على كرسي.

واعية.

مقيدة.

خلفها امرأة في الستينات.

ملامحها تشبهها.

قالت:

— أهلًا بزوج ابنتي.

قلت:

— سيبيها.

— هي رجعت لي.

ياسمين قالت:

— ما تصدقهاش.

نجلاء وضعت الس*لاح على رأسها.

— اسكتي.

قلت:

— أنتِ متِ من سنة.

— الج/ثة كانت لامرأة تشبهني.

— وفؤاد عرف؟

— لأ.

— عادل؟

— كان يعرف إني عايشة، بس ما يعرفش مكاني.

— كمال؟

— كان تلميذًا.

فهمت إن كل الرؤوس اللي سقطت كانت تعمل لها.

قالت:

— بنتي ورثت المفتاح.

— الشريحة خرجت.

— الشريحة واحدة من ثلاثة.

— والباقي؟

— واحد كان مع سليم.

— مات.

— والآخر معك.

اتجمدت.

— أنا؟

— المهمة السرية اللي رجعت منها زرعوا في حقيبتك وحدة بيانات.

تذكرت حقيبتي.

كانت في مقر الجهاز.

قالت:

— أنت حملت دليل الشبكة تمانية شهور من غير ما تعرف.

— ليه؟

— لأن أفضل مخبأ هو الضابط اللي يطاردنا.

قالت لياسمين:

— تعالي معي، ونبدأ من جديد.

ياسمين ضحكت رغم ألمها.

— بعد ما سبتيهم يكسروني؟

— كان لازم تتعلمي.

— إيه؟

— إن الحب ضعف.

ياسمين بصت لي.

— لأ. الحب هو اللي رجعه.

نجلاء ضغطت الس*لاح.

قلت:

— الحقيبة معي.

بصت لي.

— كداب.

رفعتها.

كنت أخذتها قبل المجيء.

— سيبيها وخديها.

قالت:

— افتحها.

فتحتها.

داخل البطانة وجدت وحدة معدنية.

لم أكن أعرف بها.

رميتها على الأرض أمامها.

أبعدت الس*لاح عن ياسمين لحظة.

دفعت ياسمين الكرسي للخلف.

اندفعت.

أمسكت نجلاء.

خرجت طلقة.

أصابت كتفي.

حازم دخل مع القوة.

سيطروا عليها.

لكن نجلاء ضغطت زرًا.

قالت:

— البيت هينفجر.

أخذت ياسمين.

خرجنا.

الانفجار وقع خلفنا.

لكن الوحدة كانت معنا.

ونجلاء خرجت حية ومقيدة.

في التحقيقات، كشفت البيانات الشبكة كاملة.

مسؤولون.

ضباط فاسدون.

شركات.

تهريب.

تزييف وفيات.

زرع شرائح.

كل شيء.

نجلاء وكمال وعادل وفؤاد وأبناء العائلة دخلوا المحاكمة.

شريف أخذ حكمًا مخففًا لتعاونه، لكنه لم يخرج بريئًا.

ياسمين قالت له:

— سكوتك كان مشاركة.

قال:

— عارف.

بعد شهور، بدأت ياسمين العلاج الطبيعي.

واحد وثلاثون كسرًا لا يختفون بسهولة.

كانت تصرخ أحيانًا.

تكرهني أحيانًا لما أضغط عليها تكمل.

ثم تضحك.

قالت يومًا:

— أهلي كانوا بيضحكوا قدام العناية.

قلت:

— دلوقتي هما ورا القضبان.

— وإنت؟

— جنبك.

— لحد إمتى؟

— لحد ما تمشي.

— وبعدين؟

— أمشي جنبك.

بعد سنة، خرجت من المستشفى على قدميها.

ببطء.

لكن واقفة.

وقفنا أمام قبر سليم.

حطيت وسامًا صغيرًا على الرخام.

قالت:

— كان نفسي أعرفه أكتر.

قلت:

— وأنا.

ثم وقفت أمامي.

— لسه زعلان إني خبيت الحقيقة؟

قلت:

— أيوه.

ابتسمت.

— ولسه بتحبني؟

— للأسف.

ضحكت.

ثم قالت:

— تعلمنا إيه؟

بصيت لها.

— إن الأسرار ما بتحميش الناس.

— وإيه كمان؟

— إن العيلة مش اللي تضحك قدام أوضة العناية.

— أمال؟

— اللي تدخل النار علشان تطلعك.

مسكت إيدي.

رجعنا البيت.

الشقة اتصلحت.

لكننا سيبنا علامة صغيرة من بقعة الدم تحت الكنبة.

مش لأننا حبينا الوجع.

لكن علشان نفتكر إن الحقيقة بدأت من أثر حاولوا يمسحوه بالكلور.

وفي أول جمعة بعد رجوعنا، قالت ياسمين:

— عايزة أزور شريف.

— متأكدة؟

— مش مسامحاه. بس عايزة أقوله إني عايشة.

ذهبنا.

جلس خلف الزجاج.

أول ما شافها، بكى.

قال:

— أنا آسف.

ردت:

— كلمة آسف مش بتمسح واحد وثلاثين كسر.

نزل عينه.

قالت:

— لكن اعترافك أنقذني.

— تسامحيني؟

— يمكن يومًا ما. مش النهارده.

خرجنا.

في الطريق، سألتني:

— نبدأ من جديد؟

قلت:

— إحنا بدأنا من يوم ما فتحتي عينك.

بصت لي.

— أنا كنت فاكرة إنهم كسروني.

قلت:

— هم كسروا عضمك.

— والفرق؟

— العضم يلتئم.

— والروح؟

— لو لقت حد يصدقها، تلتئم هي كمان.

ابتسمت.

أول مرة شفت ابتسامتها الحقيقية من يوم رجوعي.

ثمانية شهور كنت فاكر إن أخطر أعدائي هم الرجال اللي كنت أطاردهم.

لكنني اكتشفت أن أخطر عدو كان داخل بيتها.

يلبس ثوب الأب.

والأخ.

والأم.

ويضحك أمام العناية.

ومع ذلك، خسروا.

مش لأنني كنت أخطر منهم.

لكن لأن ياسمين عاشت.

وتكلمت.

والضحية لما تعيش وتتكلم…

كل الإمبراطوريات المبنية على الخوف تبدأ تقع.

واحدة وراء الثانية.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *