يوم زفافي حكـايـات أسمـا ×3
الضابط فضل ماسك الصورة…
وعينيه ثابتين عليها.
آية قربت منه.
وقالت:
“حضرتك تعرف الولد؟”
بلع ريقه بصعوبة.
وقال:
“أعرفه…”
“لأنه ابني.”
الكل بص له في ذهول.
أمين الشرطة قال:
“يا فندم… حضرتك ابنك اسمه عمر، وعنده 17 سنة.”
هز رأسه.
“أيوه.”
“بس الصورة دي عمرها أكتر من عشرين سنة.”
آية استغربت.
“يعني إزاي؟”
الضابط أخد نفسًا طويلًا.
وقال:
“لأن عمر… متبنى.”
ساد صمت كامل.
وأضاف:
“أنا ومراتي ما خلفناش.”
“ومن عشرين سنة، تبنينا طفل بعد ما اتقالنا إن أهله ماتوا في حادث.”
آية بصت للصورة مرة تانية.
ثم قالت:
“يعني الطفل ده…”
“هو ابنك.”
الضابط رد بهدوء:
“لا…”
“هو ابني اللي ربيته.”
“لكن واضح إن ليه حكاية تانية.”
فتح أحمد مذكراته بسرعة.
أول صفحة كان مكتوب فيها:
“لو حد وصل للمذكرات دي، يبقى أوصلوا لعمر قبل أي حد تاني… لأن حياته في خطر.”
الضابط اتغير لون وشه.
“عمر!”
طلع موبايله بسرعة.
اتصل بابنه.
مرة…
واتنين…
وتلاتة.
لكن الهاتف كان مغلقًا.
في نفس اللحظة…
وصلت رسالة.
من رقم مجهول.
فتحها بسرعة.
كان فيها صورة.
عمر…
مربوط على كرسي.
وخلفه حائط إسمنتي قديم.
وتحت الصورة مكتوب:
“معاك ساعتين.”
“لو بلغت حد… هتستلم جثته.”
آية شهقت.
“يا نهار أبيض…”
الضابط حاول يتمالك نفسه.
لكن لأول مرة…
إيده كانت بتترعش.
أمين الشرطة قال:
“يا فندم، نبلغ القوات.”
لكن الضابط رفض.
“لأ.”
“اللي خاطفينه عارفين كل تحركاتنا.”
آية فتحت المذكرات بسرعة.
كانت الصفحات مليانة أسماء وتواريخ.
ثم وقفت عند صفحة عليها خريطة مرسومة بالقلم.
وفوقها جملة:
“المكان اللي بدأت فيه كل الجريمة.”
الخريطة كانت لمخزن قديم على أطراف المدينة.
أحمد كتب تحته:
“كل الاجتماعات السرية كانت هنا… ولو اختفيت، اعرفوا إنهم رجعوا يستخدموه.”
الضابط رفع رأسه.
وقال:
“هنروح.”
ركبوا السيارات.
وفي أقل من نصف ساعة…
وصلوا للمخزن.
كان مهجورًا.
بابه الحديد مفتوح.
والهدوء مخيف.
دخلت القوة بحذر.
لكن المخزن كان فاضي.
إلا من كرسي واحد…
مربوط عليه شاب.
جرى الضابط عليه وهو بيصرخ:
“عمر!”
لكن أول ما قرب…
اكتشف إن الشاب مش ابنه.
كان شابًا مجهولًا…
وعلى صدره جهاز صغير بيصدر صوتًا متقطعًا.
خبير المفرقعات صاح:
“الكل يبعد!”
الجميع تراجع بسرعة.
لكن الشاب فتح عينيه بصعوبة.
وأشار بإيده ناحية الحائط الخلفي.
وقال بكلمة واحدة قبل ما يفقد وعيه:
“البدروم…”
في اللحظة دي…
سمعوا صوت خطوات سريعة جاية من تحت الأرض…
وصوت رجل يقول ببرود:
“كنت عارف إنكم هتوصلوا.”
ثم…
انطفأت كل أنوار المخزن دفعة واحدة.
آية فضلت باصة للهاتف…
والرسالة قدامها.
إيديها كانت بتترعش.
الضابط مد إيده وقال:
“اديني الموبايل.”
ناولته له.
قرأ الرسالة أكتر من مرة.
ثم قال بحزم:
“مستحيل تروحي لوحدك.”
آية هزت رأسها.
“لو ما روحتش… يمكن الحقيقة تضيع.”
رد الضابط:
“ولو رحتي… يمكن تضيعي إنتِ.”
سكتت لحظة.
ثم قالت:
“هي كتبت قبل شروق الشمس.”
الضابط ابتسم ابتسامة خفيفة.
“وده أكبر دليل إنها عاملة كمين.”
…
في نفس الوقت…
داخل الفيلا رقم 17.
منى كانت قاعدة لوحدها.
قدامها عشرات الملفات.
وصندوق خشبي قديم.
كل شوية تبص للساعة.
وتهمس:
“ياريت تلحقي توصلي قبله.”
وفجأة…
سمعت صوت عربية وقفت برا.
جريت ناحية الشباك.
ابتسمت.
“آية وصلت…”
لكن ابتسامتها اختفت في ثانية.
العربية ما كانتش عربية آية.
كانت سيارة سوداء فخمة.
نزل منها ثلاثة رجال.
كلهم لابسين بدلات سوداء.
وفي آخرهم…
نزل رجل كبير في السن.
شعره أبيض.
وعصاية في إيده.
منى رجعت لورا وهي مرعوبة.
وقالت:
“إنت…”
ابتسم الرجل.
وقال بهدوء:
“وحشتيني يا منى.”
ارتعشت.
“إنت… المفروض ميت.”
ضحك.
“الموت… كان مجرد خبر في الجرايد.”
عرفت صوته فورًا.
هو نفس الصوت…
اللي كان بيكلمهم في التسجيلات.
قالت بخوف:
“أنا نفذت كل اللي طلبته.”
اقترب منها.
وقال ببرود:
“إلا آخر حاجة.”
“أنا حاولت…”
“لا.”
“إنتِ فشلتي.”
ثم نظر إلى الصندوق الخشبي.
“فين بقية الملفات؟”
منى رفعت رأسها.
ولأول مرة…
ابتسمت.
“مش عندي.”
ملامحه اتغيرت.
“أمال فين؟”
قالت بثقة:
“وصلت لصاحبها.”
“مين؟”
“آية.”
في اللحظة دي…
اختفت الابتسامة من على وشه.
رفع إيده.
وأخرج مسدسًا كاتمًا للصوت.
وصوبه ناحية منى.
وقال:
“إذن… انتهى دورك.”
…
في الخارج…
كان الضابط قد اتخذ قرارًا مختلفًا.
بدل ما يدخل من الباب الرئيسي…
قسم القوة لثلاث مجموعات.
مجموعة من الخلف.
ومجموعة فوق الأسطح.
وهو وآية من المدخل الجانبي.
وقبل ما يوصلوا للفيلا بعشرين متر…
سمعوا صوتًا مكتومًا.
“تِك…”
ثم…
طلقة واحدة.
آية صرخت:
“خالتي!”
جرت ناحية الباب.
لكن الضابط أمسكها.
“استني!”
كسروا الباب.
ودخلوا بسرعة.
الفيلا كانت هادئة بشكل مرعب.
لحد ما وصلوا لغرفة المكتب.
الباب كان مفتوحًا.
ومنى…
كانت واقعة على الأرض.
لكنها…
ما كانتش ميتة.
الطلقة أصابت كتفها.
وكانت بتنزف بشدة.
أول ما شافت آية…
مدت إيدها المرتعشة.
وقالت بصوت ضعيف:
“سامحيني…”
آية ركعت جنبها.
“مين عمل فيكي كده؟”
منى بصت ناحية الخزنة المفتوحة.
وقالت:
“خد… نصف الملفات.”
“والنصف التاني…”
سعلت بقوة.
ثم همست:
“ورا الصورة…”
آية رفعت البرواز المعلق على الحائط.
لقَت تجويفًا صغيرًا.
وفيه فلاشة سوداء.
أخذتها بسرعة.
لكن قبل أن تضعها في جيبها…
انطفأت أنوار الفيلا كلها.
ثم دوى صوت الرجل نفسه في الظلام:
“دلوقتي… بقى عندكم نص الحقيقة.”
“لكن النصف التاني…”
“معايا أنا.”
ثم سُمع صوت محرك سيارة ينطلق بسرعة خارج الفيلا.
ركضت القوة إلى الخارج…
لكنهم لم يجدوا سوى آثار إطارات على الطريق المبلل.
أما آية…
فكانت تنظر إلى الفلاشة في يدها، مدركة أن ما بداخلها قد يكون الدليل الوحيد القادر على كشف الحقيقة كاملة… أو السبب الذي سيجعل الجميع يطاردونها من جديد.
خرجت سيارة الإسعاف بمنتهى السرعة…
ومنّى كانت بين الحياة والموت.
قبل ما باب العربية يتقفل…
مسكت إيد آية بقوة.
وقالت بصوت متقطع:
“اسمعيني… كويس…”
آية قربت منها.
“أنا سامعاكي.”
منّى دموعها نزلت.
“أنا… ما كنتش خالتك بالصدفة.”
آية عقدت حاجبيها.
“يعني إيه؟”
قالت وهي بتتنفس بالعافية:
“أمك… كانت أختي فعلًا.”
“لكن أبوكي…”
سعلت بقوة.
والأطباء أبعدوا آية.
وقالوا:
“لازم نتحرك حالًا.”
انطلقت سيارة الإسعاف…
وبقيت الجملة ناقصة.
…
داخل الفيلا…
خبير الأدلة وصل الفلاشة باللاب توب.
ظهرت كلمة سر.
قال الضابط:
“جرب تاريخ وفاة أحمد.”
رفض.
“جرب تاريخ جوازهم.”
رفض.
آية كانت سرحانة.
ثم افتكرت حاجة.
قبل وفاة أحمد بيوم…
قال لها وهو بيضحك:
“لو نسيت أي كلمة سر… اكتبي اسم أول مكان اتقابلنا فيه.”
ابتسمت رغم دموعها.
كتبت:
حديقة الأورمان
ضغطت Enter…
وانفتحت الفلاشة.
الكل قرب من الشاشة.
كان فيها مجلد واحد.
اسمه:
“إذا وصلتوا لهنا… يبقى خلاص.”
فتحوه.
ظهر فيديو لأحمد.
لكن المرة دي…
كان قاعد في مكتبه.
هادئ.
ولابس نفس القميص اللي اختفى بيه.
ابتسم للكاميرا.
وقال:
“آية…”
“لو بتشوفي الفيديو ده…”
“يبقى أنا ما قدرتش أرجعلك.”
دموع آية نزلت.
أحمد كمل:
“أول حاجة…”
“أنا بحبك.”
“وثاني حاجة…”
“سامحيني.”
الضابط ركز.
أحمد قال:
“أنا أخطأت لما وثقت في فؤاد.”
“لكن الحقيقة…”
“فؤاد ما كانش صاحبي.”
“كان بيشتغل عند واحد…”
“أنا عمري ما عرفت اسمه الحقيقي.”
ثم أخرج ورقة.
رفعها قدام الكاميرا.
كان فيها شعار شركة.
وقال:
“ابدؤوا من الشركة دي.”
الفني وقف الفيديو.
وكبر الشعار.
وفجأة…
الضابط اتغير لون وشه.
قال:
“مستحيل.”
آية بصت له.
“تعرفها؟”
قال:
“دي شركة اتقفلت رسميًا من 18 سنة.”
خبير التقنية فتح السجل التجاري.
ولقى اسم المالك.
قرأه بصوت مرتفع.
“مالك الشركة: سليم الجبالي.”
آية هزت رأسها.
“أنا أول مرة أسمع الاسم.”
لكن الضابط…
اتراجع خطوة.
وقال بصوت منخفض:
“لأ…”
“أنا أعرفه.”
“مين؟”
“والدي.”
الكل بص له في ذهول.
أمين الشرطة قال:
“يعني إيه؟!”
الضابط غمض عينه.
وقال:
“أبويا كان بيقول إنه كان شريك في شركة استيراد.”
“لكن…”
“واضح إنها كانت واجهة.”
في نفس اللحظة…
رن هاتف الضابط.
رقم مجهول.
فتح السماعة.
جاءه نفس الصوت الهادئ.
قال:
“واضح إنك بدأت تعرف تاريخ عيلتك.”
الضابط قبض على الهاتف.
“إنت مين؟!”
الرجل ضحك.
“أنا…”
“الراجل اللي ربّى أبوك.”
ثم أغلق الخط.
ساد صمت ثقيل.
الضابط بقى شاحب الوجه.
لأنه أدرك أن القضية لم تعد تخص أحمد أو آية فقط…
بل امتدت إلى أسرته هو أيضًا.
وفي تلك اللحظة…
دخل أحد أفراد المباحث مسرعًا وهو يحمل تقريرًا جديدًا.
قال وهو يلهث:
“يا فندم…”
“لقينا نتيجة تحليل الحمض النووي.”
الضابط أخذه بسرعة.
قرأ أول سطر…
ثم رفع رأسه ببطء نحو آية.
وقال:
“فيه حقيقة هتغيّر كل حاجة…”
“أحمد…”
“ما كانش أول جوزك بس.”
“كان كمان…”
وسكت، بعدما دوّى انفجار هائل خارج الفيلا، اهتزت معه النوافذ، وانقطع التيار الكهربائي مرة أخرى.
دوّى الانفجار…
واهتزت الفيلا كلها.
الزجاج اتكسر.
والكل ارتمى على الأرض.
بعد ثوانٍ…
خرج الضابط يجري إلى الخارج.
كانت إحدى سيارات الشرطة تحترق.
لكن رجال القوة قدروا يسيطروا على النيران بسرعة.
رجع الضابط وهو ماسك التقرير في إيده.
آية بصتله وقالت:
“كمّل…”
“أحمد كان إيه؟”
فتح التقرير مرة تانية.
ثم ابتسم لأول مرة من بداية القضية.
وقال:
“لا… فهمنا التقرير غلط.”
آية اتلخبطت.
“يعني إيه؟”
قال:
“أحمد ماكانش قريب ليكي ولا أي حاجة من اللي خفنا منها.”
“النتيجة كانت بتقول إنه كان متبرع بعينة وراثية في قضية قديمة، والعينة هي اللي وصلت بين الملفات.”
آية تنفست الصعداء.
الضابط قفل الملف.
وقال:
“لكن الأهم من كده…”
“إحنا عرفنا مين العقل المدبر.”
في نفس اللحظة…
وصلت قوة خاصة إلى مزرعة مهجورة على أطراف الطريق الصحراوي.
بعد تتبع إحدى الإشارات الموجودة في الفلاشة.
حاصروا المكان بالكامل.
ولما اقتحموا الفيلا…
لقوا الرجل العجوز قاعد بهدوء.
قدامه فنجان قهوة.
وكأنه كان مستنيهم.
رفع إيده وقال:
“اتأخرتوا.”
الضابط دخل.
وصوّب سلاحه.
“انتهت اللعبة.”
ابتسم الرجل.
“اسمها ماكانتش لعبة…”
“اسمها إمبراطورية.”
أمر الضابط بتقييده.
لكن الرجل قال:
“قبل ما تاخدوني… افتحوا الدرج.”
فتحوا الدرج.
لقوا عشرات جوازات السفر المزورة.
وعقود شركات وهمية.
وحسابات بنكية.
وصور لكل الأشخاص اللي اشتركوا في الشبكة.
من بينهم…
فؤاد.
ومنى.
والدكتور سامر.
وعدد من رجال الأعمال.
كل واحد كان له دور.
لكن الرجل العجوز كان هو صاحب القرار.
قال الضابط:
“اسمك الحقيقي؟”
ابتسم.
وقال:
“كمال عزمي.”
وهو الاسم الذي ظل مختفيًا أكثر من عشرين عامًا خلف عشرات الهويات المزيفة.
بعد ساعات…
ألقت الشرطة القبض على فؤاد.
كان بيحاول يهرب من الميناء بجواز سفر مزور.
ولما شاف الضابط…
عرف إن النهاية وصلت.
خفض رأسه.
وقال:
“أنا مستعد أعترف بكل حاجة.”
اعترف إن أحمد اكتشف عمليات غسل الأموال.
وإنه رفض يشاركهم.
فقرروا التخلص منه وإظهار الأمر على أنه حادث.
واعترف أيضًا…
إنه تقرب من آية بعد وفاة أحمد تنفيذًا للخطة.
كان هدفهم الاستيلاء على كل ما تركه أحمد…
ثم التخلص منها بنفس الطريقة.
لكن تبديل الكأس…
قلب الخطة على أصحابها.
أما منى…
فنجت من الإصابة.
وبعد أسابيع…
طلبت مقابلة آية.
دخلت وهي تبكي.
وقالت:
“أنا غلطت.”
“خفت منهم.”
“هددوني بابني.”
“ولما بدأت أساعدهم… بقيت سجينة عندهم.”
آية سكتت طويلًا.
ثم قالت:
“أنا مش هقدر أنسى اللي حصل.”
“لكن ربنا هو اللي هيحاسب.”
خرجت منى وهي تبكي…
بعد أن أدلت بكل شهادتها أمام النيابة.
بعد ستة أشهر…
أصدرت المحكمة أحكامها.
السجن المؤبد لفؤاد.
والسجن لسنوات طويلة لكل من شارك في الجريمة أو أخفى الأدلة.
ومصادرة الشركات والأموال الناتجة عن غسل الأموال.
أما كمال عزمي…
فقضى بقية حياته خلف القضبان.
في صباح هادئ…
وقفت آية أمام قبر أحمد.
حطت وردة بيضا.
وقالت وهي تبتسم وسط دموعها:
“وعدتك إن الحقيقة هتظهر.”
“واتأخرت…”
“بس ظهرت.”
هبت نسمة خفيفة.
رفرفت معها أوراق الشجر.
شعرت لأول مرة منذ سنوات…
أن الحمل الذي كانت تحمله فوق قلبها بدأ يخف.
استدارت.
ومشت بعيدًا عن المقبرة.
لا لتنسى أحمد…
بل لتبدأ الحياة التي حُرم منها.
ورغم أن الجراح لن تختفي تمامًا…
فقد انتهت سنوات الخوف.
وانتصرت الحقيقة أخيرًا.
تمت.