اكبر عيله في البلد حكـايـات أسمـا ×2
الجزء الرابع
وقف سيف للحظات وهو مش قادر يربط الأحداث ببعض. أبوه في المستشفى، وصندوق أمانات تركه والد ريم قبل وفاته، وملفات اختفت من شركة العيلة في نفس التوقيت.
بص للعجوز وقال:
“لو سمحت… احكيلي كل اللي تعرفه.”
تنهد الرجل وقال:
“أبوك ووالد ريم كانوا يعرفوا بعض من زمان. لكن محدش كان يعرف طبيعة العلاقة بينهم. والد ريم كان راجل أمين، واشتغل سنين في حسابات واحدة من شركات العيلة. وفي آخر أيامه اكتشف مخالفات مالية كبيرة. رفض يشارك فيها، وقرر يحتفظ بكل المستندات لحد ما الحقيقة تظهر.”
اتسعت عينا سيف.
وقال بسرعة:
“يعني إيه مخالفات؟”
رد الرجل بهدوء:
“معرفش التفاصيل، لكن أعرف إن والد ريم كان بيقول دايمًا إن الحاج عبدالجبار نفسه ضحية، وإن فيه حد قريب منه بيسرقة من سنين من غير ما يحس.”
سكت لحظة، ثم مد الصندوق لسيف.
“وده أمانة.”
أخذ سيف الصندوق وهو يشعر بثقله، ليس لأنه مصنوع من الحديد، بل لأن داخله قد يحمل إجابات عن سنوات طويلة.
عاد إلى الشقة بسرعة.
كانت ريم بتحضر الفطار، ولما شافته داخل بالمنظر ده قامت وهي قلقة.
“خير يا سيف؟”
حكى لها كل اللي حصل.
أول ما سمعِت اسم أبوها، دموعها نزلت.
قالت بصوت منخفض:
“بابا عمره ما كان بيقول حاجة عن شغله. كان يرجع تعبان، لكن عمره ما اشتكى.”
جلس سيف على الأرض، ووضع الصندوق أمامه.
كانت فيه ورقة صغيرة ملزوقة من الخارج مكتوب عليها بخط قديم:
“لا يُفتح إلا بحضور ريم.”
بص سيف لمراته وابتسم.
“يبقى إنتِ اللي تفتحيه.”
إيديها كانت بتترعش وهي بتحاول تفتح القفل الصغير.
بعد دقائق قدرت تفتحه.
أول حاجة ظهرت كانت صورة قديمة.
الصورة فيها والدها واقف جنب الحاج عبدالجبار وهما أصغر بسنين كتير، وواقف معاهم طفل صغير.
بص سيف للصورة باستغراب.
“الطفل ده مين؟”
ريم هزت رأسها.
“معرفوش.”
تحت الصورة كان فيه خطاب.
فتحت ريم الظرف، وبدأت تقرأ بصوت مرتعش.
“إلى ابنتي ريم… لو وصلتي للخطاب ده، يبقى أنا مش موجود في الدنيا. أوعي تكرهي حد قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة. أنا كنت شاهد على خيانة كبيرة، لكن اللي خان ماكانش الحاج عبدالجبار.”
سكتت لحظة وهي تحاول تستوعب الكلمات.
ثم أكملت.
“الشخص اللي سرق الشركة، وزور الحسابات، هو واحد من أقرب الناس للعيلة. ولو المستندات دي وصلت للحاج عبدالجبار، هيعرف مين اللي كان بيسرقه طول السنين.”
داخل الصندوق كانت عشرات الملفات، وكشوف حسابات، وصور لعقود، وفلاشة إلكترونية.
في نفس اللحظة…
رن هاتف سيف.
كان رقم المستشفى.
رد بسرعة.
جاله صوت الدكتور:
“الأستاذ سيف… والد حضرتك فاق من الغيبوبة.”
تنفس سيف الصعداء.
لكن الدكتور أكمل:
“أول كلمة قالها بعد ما فتح عينه كانت: هاتوا سيف… وقولوله ما يثقش في أخوه فارس.”
تجمد سيف مكانه.
فارس…
أخوه الأصغر.
الإنسان الوحيد اللي كان يعتقد طوال عمره إنه أقرب شخص إليه.
أما في فيلا المنياوي…
فكان فارس واقف وحده داخل مكتب والده.
فتح درجًا سريًا في المكتب، وأخرج هاتفًا آخر لا يعرف أحد بوجوده.
اتصل برقم محفوظ فيه.
ولما جاءه الرد قال بهدوء:
“سيف عرف جزء من الحقيقة… لازم نتصرف قبل ما يفتح الملفات.”
الجزء الخامس
أنهى فارس المكالمة، وأعاد الهاتف إلى مكانه داخل الدرج السري، ثم أغلقه بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث. نزل إلى الدور الأرضي، فوجد والدته جالسة في الصالة، وعلامات القلق لا تفارق وجهها.
قالت وهي تراه:
“أبوك عامل إيه؟”
اقترب منها وربت على كتفها وقال بثقة:
“الدكاترة طمنونا… هيبقى كويس.”
لكن ملامحه كانت تخفي شيئًا آخر.
خرج من الفيلا، واستقل سيارته، واتجه إلى مكان بعيد عن المدينة. وبعد نصف ساعة وصل إلى مخزن قديم وسط منطقة صناعية مهجورة.
كان في انتظاره رجل خمسيني.
قال الرجل أول ما شافه:
“إيه الأخبار؟”
رد فارس بحدة:
“عبدالجبار فاق.”
تغير وجه الرجل.
“عرف حاجة؟”
أخذ فارس نفسًا طويلًا وقال:
“لسه مش متأكد… لكن طلب يشوف سيف، وحذره مني.”
ساد الصمت للحظات.
ثم قال الرجل:
“يبقى لازم نسبقه.”
في نفس الوقت…
كان سيف وصل المستشفى.
دخل غرفة العناية، فوجد والده مرهقًا، لكن عينيه كانتا مفتوحتين.
اقترب منه بهدوء.
الحاج عبدالجبار أشار له يقرب أكثر.
انحنى سيف حتى يسمعه.
قال الأب بصوت ضعيف:
“أنا ظلمتك.”
كانت أول مرة يسمعها منه.
فضل سيف ساكت.
كمل عبدالجبار:
“كنت فاكر إني بحمي اسم العيلة… لكن وأنا واقع على الأرض افتكرت حاجات كتير كنت غافل عنها.”
أخرج من تحت الوسادة مفتاحًا صغيرًا، ووضعه في يد سيف.
“خزنة المكتب… افتحها قبل أي حد.”
سيف قبض على المفتاح وسأله:
“حضرتك تقصد إيه بخصوص فارس؟”
أغلق عبدالجبار عينيه للحظة، ثم فتحهما وقال:
“أنا كنت بثق فيه أكتر واحد… وده كان أكبر غلطة.”
قبل أن يكمل، دخل الطبيب وطلب من سيف الخروج حتى يرتاح المريض.
خرج سيف وهو يفكر في كل كلمة سمعها.
في الطريق إلى الشركة، اتصل بريم.
قال لها:
“أنا رايح المكتب.”
ردت بقلق:
“خلي بالك من نفسك.”
ابتسم وقال:
“أوعدك.”
وصل إلى مقر الشركة.
الغريب أن موظفي الأمن وقفوا يمنعوه من الدخول.
قال أحدهم بحرج:
“آسفين يا أستاذ سيف… عندنا تعليمات.”
استغرب سيف.
“تعليمات من مين؟”
رد الحارس:
“من الأستاذ فارس… هو القائم بإدارة الشركة مؤقتًا.”
نظر سيف إلى المبنى الذي قضى فيه سنوات من عمره، ولم يصدق أنه ممنوع من دخوله.
وفي تلك اللحظة توقفت سيارة سوداء أمام الباب.
نزل منها رجل أنيق في الستين من عمره.
نظر إلى سيف باهتمام، ثم قال:
“أنت سيف المنياوي؟”
أومأ سيف برأسه.
ابتسم الرجل ومد يده مصافحًا.
“أنا المستشار عادل مرسي… المحامي الشخصي لوالد ريم.”
اتسعت عينا سيف.
فتح الرجل حقيبته الجلدية، وأخرج مظروفًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال بهدوء:
“والد ريم سلمني المظروف ده من سبع سنين، وقال مايتفتحش إلا لما يبدأ الصراع داخل عيلة المنياوي.”
ابتلع سيف ريقه وهو ينظر إلى المظروف.
لكن قبل أن يمد يده ليأخذه…
انطلقت سيارة مسرعة باتجاههما.
ودون أي إنذار…
اصطدمت بالمستشار عادل بقوة، فسقط على الأرض، بينما طار المظروف من يده واستقرت أوراقه متناثرة في وسط الشارع.
وفي وسط الأوراق…
وقعت عين سيف على أول صفحة.
وكان مكتوبًا في أعلاها بخط واضح:
“الوريث الحقيقي لثروة المنياوي…”
الجزء السادس
وقف الزمن بالنسبة لسيف.
الأوراق كانت متناثرة في وسط الشارع، والناس جريت ناحية المستشار عادل بعد ما وقع على الأرض، وصوت فرامل العربية كان لسه بيرن في المكان.
سيف ركض بسرعة.
ركع جنب المستشار وهو بيقول:
“أستاذ عادل… حضرتك سامعني؟”
فتح الرجل عينيه بصعوبة، وكان بيتنفس بالعافية.
رفع إيده المرتعشة، وأشار ناحية الورقة اللي طارت بعيد.
قال بصوت متقطع:
“خد… الورقة… متخليش… حد ياخدها.”
في نفس اللحظة…
كان شاب لابس كاب أسود بينحني بسرعة يجمع الأوراق.
سيف لمح الحركة.
جرى ناحيته.
أول ما الشاب حس بيه، ساب أغلب الأوراق وجري.
سيف فضل يجري وراه بين العربيات.
وبعد مطاردة طويلة، قدر يمسك جاكيت الشاب.
لكن الشاب خلع الجاكيت من جسمه، وقفز فوق سور جانبي، واختفى وسط الشوارع الضيقة.
رجع سيف وهو بينهج.
لقى إن أغلب الأوراق لسه موجودة.
لكن أخطر ورقة…
اختفت.
ورقة عنوانها:
“الوريث الحقيقي لثروة المنياوي.”
في المستشفى…
الدكاترة نقلوا المستشار عادل لغرفة العمليات.
وقبل ما باب العمليات يتقفل، نادى على سيف.
اقترب منه بسرعة.
قال عادل بصوت ضعيف:
“مش مهم الورقة… لأن الحقيقة كاملة موجودة في مكان تاني.”
سأله سيف بسرعة:
“فين؟”
ابتسم المستشار ابتسامة خفيفة وقال:
“مكتبة… ريم.”
واختفى سريره داخل غرفة العمليات.
وقف سيف مستغرب.
مكتبة ريم؟
هي نفس المكتبة الصغيرة اللي كانت بتشتغل فيها قبل الجواز.
يعني أبوها كان مخبي حاجة هناك طول السنين.
في نفس الوقت…
داخل الفيلا…
كان فارس بيلف في أوضة والده بعصبية.
دخل عليه مدير الأمن وقال:
“الشاب اللي بعتناه رجع.”
رد فارس بسرعة:
“جاب الورقة؟”
دخل الشاب، ومد إيده بورقة مطوية.
ابتسم فارس لأول مرة.
فتحها بسرعة.
لكن الابتسامة اختفت.
الورقة كانت فاضية.
مجرد صفحة بيضا.
صرخ فيه:
“فين الورقة الأصلية؟”
الشاب قال بخوف:
“والله دي اللي كانت في إيدي.”
ضرب فارس المكتب بغضب.
أدرك إن الورقة اللي أخدها ما هي إلا غلاف، وإن المستند الحقيقي مازال مع سيف أو في المكان اللي أشار إليه المستشار.
في المساء…
وصل سيف وريم إلى المكتبة.
كانت مقفولة من يوم وفاة والدها.
ريم فتحت الباب بالمفتاح القديم.
ريحة الكتب القديمة كانت لسه مالية المكان.
كل شيء كان كما تركه والدها.
المكتب الخشبي.
الكرسي.
النظارة.
حتى فنجان القهوة القديم كان لسه فوق الرف.
اقتربت ريم وهي تكاد تبكي.
مررت إيديها على سطح المكتب وهمست:
“وحشتني يا بابا.”
أثناء كلامها…
سمعت صوت “تك”.
بصت ناحية المكتب.
سيف لاحظ إن أحد الأدراج ما اتقفلش بالكامل.
فتحه بهدوء.
ماكانش فيه غير دفتر قديم.
أول صفحاته كانت مليانة ملاحظات عن الكتب.
لكن في آخر الدفتر…
كان فيه سهم مرسوم ناحية رف معين في المكتبة.
اقترب سيف من الرف.
شد كتابًا قديمًا.
فجأة…
صدر صوت ميكانيكي خافت.
وتحركت قطعة من الحائط ببطء.
خلفها…
ظهر باب حديدي صغير مخفي داخل الجدار.
نظرت ريم إلى سيف في ذهول.
وقال بصوت منخفض:
“واضح إن أبوكي كان مخبي أسراره هنا من سنين.”
وقبل أن يقتربا من الباب…
سمعا صوت تكسير الزجاج في واجهة المكتبة.
ثم دوى صوت رجل من الخارج وهو يصرخ:
“فتشوا المكان كله… ممنوع يخرجوا من هنا قبل ما نجيب اللي جايين عشانه.”
يتبع