نظافة شخصيه حكـايـات أسمـا السـيد ×3
قبل كريم ما ينطق…
رجع بص للحارس.
وقال بذهول:
— إنت متأكد من الاسم؟
الحارس هز راسه بثقة.
— أنسى وشي… لكن الاسم ده مستحيل أنساه.
كان بييجي المصنع كتير.
وأبوك كان دايمًا مختلف معاه.
فضل كريم ساكت.
وأنا كنت أول مرة أشوفه بالشكل ده.
وشه شاحب.
وعينه مليانة أسئلة.
ركبنا العربية.
ولا واحد فينا اتكلم.
بعد حوالي ربع ساعة…
قال فجأة:
— عم حسام كان أقرب واحد لأبويا.
قلت باستغراب:
— يعني إيه؟
قال:
— كانوا شركا في كل حاجة.
حتى بعد ما أبويا تعب…
هو اللي كان بيجي البيت كل يوم.
يساعدنا.
ويقف جنب ماما.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— مستحيل يكون عمل حاجة.
قلت بهدوء:
— وإحنا مش بنتهمه.
إحنا بندور على الحقيقة.
…
في المساء…
قرر كريم يزور عمه.
كان ساكن في فيلا كبيرة.
استقبلنا بابتسامة واسعة.
وأول ما شاف كريم…
حضنه بقوة.
وقال:
— يا ابني… نورت الدنيا.
ثم بصلي.
وقال:
— وأخيرًا هشوف العروسة.
قعدنا نشرب الشاي.
وكان بيتكلم طبيعي جدًا.
لدرجة إني بدأت أحس إن الحارس أكيد غلط.
لكن فجأة…
عين كريم وقعت على صورة قديمة معلقة على الحائط.
قام وقف.
وقرب منها.
كانت صورة لوالده.
واقف جوه المصنع.
وبجانبه عمه حسام.
وفي الخلفية…
تلات رجال.
كريم سأل:
— الصورة دي إمتى؟
عمه ابتسم.
وقال:
— قبل مرض أبوك بأيام.
مد كريم إيده.
وشال الصورة من على الحيطة.
وكان بيبص فيها بدقة.
وفجأة…
قال:
— مين الراجل ده؟
وأشار لرجل واقف في الخلف.
ابتسامة عم حسام اختفت للحظة.
ثم قال بسرعة:
— موظف قديم.
مش فاكر اسمه.
لكن كريم فضل مركز في الصورة.
وقال:
— غريبة…
الراجل ده…
أنا شوفته النهارده.
أنا متأكد.
أنا شوفته خارج المصنع المهجور.
ساد صمت ثقيل.
عم حسام حاول يغير الموضوع.
وقال وهو بيضحك:
— أكيد شبهه.
لكن كريم ما اقتنعش.
…
بعد ما خرجنا…
قال لي:
— الراجل اللي في الصورة كان واقف بعيد بيراقبنا.
افتكرته واحد معدي.
لكن دلوقتي…
أنا متأكد إنه نفس الشخص.
قلت بقلق:
— يمكن صدفة.
هز راسه.
وقال:
— مش حاسس إنها صدفة.
وأثناء ما كنا راكبين العربية…
بصيت في المراية الجانبية.
ولاحظت عربية سوداء.
ماشية ورانا.
قلت لكريم:
— العربية دي كانت ورانا من أول الشارع.
بص في المراية.
وسكت.
لف يمين…
لفت ورانا.
لف شمال…
لفت هي كمان.
اتأكدنا إنها بتتبعنا.
زاد سرعة العربية.
والعربية السوداء زادت سرعتها هي كمان.
وفجأة…
رن تليفون كريم.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت راجل كبير يقول بهدوء:
— اقفلوا الملف…
وانسوا اللي حصل من عشرين سنة.
علشان الحقيقة…
هتكلفكم أغلى بكتير مما تتخيلوا.
ثم أُغلق الخط.
نظر إليّ كريم…
وكان واضح أن ما بدأ كرحلة لفهم سبب خوفه من النظافة…
تحول إلى لغز أكبر بكثير… ولم نكن نعرف بعد من الذي يراقبنا، ولماذا عاد الماضي فجأة بعد كل هذه السنوات.
الفصل التاسع
فضل كريم ماسك التليفون…
بيبص للشاشة حتى بعد ما المكالمة انتهت.
أنا كنت حاسة إن إيدي ساقعة.
قلت بصوت واطي:
— هنعمل إيه؟
شغل العربية من غير ما يرد.
ولأول مرة…
بدل ما يروح البيت…
دخل شارع جانبي ضيق.
العربية السودا دخلت وراه.
لف شارع تاني.
لفت وراه برضه.
اتأكدنا إنها فعلًا بتراقبنا.
وقف كريم العربية قدام محطة بنزين كبيرة.
نزل بسرعة.
نزلت وراه.
وأول ما دخلنا المحطة…
العربية السودا عدت من قدامنا من غير ما تقف.
لكن قبل ما تختفي…
لمحت الراجل اللي كان سايقها.
كان لابس كاب أسود ونضارة شمس…
رغم إن الوقت كان قرب المغرب.
حاولت أحفظ ملامحه…
لكن معرفتش.
بص كريم للعربية وهي بتبعد.
وقال:
— هو مش عايز يؤذينا دلوقتي.
قلت:
— أمال عايز إيه؟
قال وهو بيفكر:
— عايز يخوفنا.
…
رجعنا البيت.
لكن النوم كان مستحيل.
كل شوية كنت أقوم أبص من الشباك.
وفي حوالي الساعة اتنين بعد نص الليل…
سمعت صوت عربية وقفت تحت العمارة.
صحيت كريم.
بص من بين الستارة.
كانت نفس العربية.
واقفة…
ومنورة أنوار الانتظار.
فضلت واقفة حوالي عشر دقايق.
ولا حد نزل منها.
ولا حد طلع.
وبعدين…
مشت.
في الصبح…
لقينا ظرف أبيض محطوط قدام باب الشقة.
مفيش عليه اسم.
ولا عنوان.
كريم فتحه بحذر.
كان جواه صورة قديمة.
نفس الصورة اللي كانت عند عمه حسام.
لكن دي كانت أوضح.
ولما قلبناها…
كان مكتوب وراها بخط اليد:
“ابحثوا عن الرجل الرابع.”
بصيت للصورة تاني.
كان فيها والد كريم.
وعمه حسام.
ورجلين واقفين جنبهم.
لكن في طرف الصورة…
كان ظاهر جزء صغير من كتف شخص خامس.
كأنه اتقص من الصورة عمدًا.
كريم قرب الصورة من عينه.
وقال:
— لا…
دي الصورة متعدلة.
كان فيها حد تاني.
حد شاله عمدًا.
…
في نفس اليوم…
راح كريم للدكتور شريف.
وأراه الصورة.
الدكتور فضل يبص فيها دقيقة كاملة.
وبعدين قال جملة خلتنا نبص لبعض في صدمة.
— أنا فاكر الصورة دي…
لكن مش بالشكل ده.
كان فيها خمسة أشخاص.
مش أربعة.
سأله كريم بسرعة:
— مين الخامس؟
الدكتور سكت شوية.
وقال:
— للأسف…
مش فاكر اسمه.
لكن فاكر حاجة واحدة.
كان الوحيد اللي مش موظف في المصنع.
قلت باستغراب:
— أمال كان بيعمل إيه معاهم؟
الدكتور تنهد.
وقال:
— كان محاسب خارجي…
وجاء يراجع ملفات مالية.
وبعد أسبوع واحد…
اختفى.
اختفى تمامًا.
ولا حد عرف راح فين.
خرجنا من عند الدكتور.
وكانت الأسئلة بتزيد بدل ما تقل.
وأثناء نزولنا على السلم…
رن تليفون كريم.
المرة دي…
المتصل كان رقم عمه حسام.
رد.
سمعناه بيقول بصوت متوتر لأول مرة:
— كريم…
متجيش البيت.
فيه حد كسر مكتبي…
وسرق كل الملفات القديمة.
والغريب…
إنهم سابوا الفلوس…
وسابوا الذهب…
وأخدوا ملف واحد بس.
الملف اللي عليه اسم أبوك.
الفصل العاشر
اتجمد كريم مكانه.
وقال بسرعة:
— إيه؟!
جاله صوت عمه وهو بينهج:
— الشرطة لسه هنا… وأنا مش فاهم إيه اللي بيحصل.
قفل المكالمة.
وبصلي.
وقال:
— هنروح.
قلت بسرعة:
— هو لسه قال متجيش.
رد بحزم:
— لو الملف اتسرق بسبب أبويا… يبقى لازم أعرف ليه.
…
وصلنا الفيلا.
لقينا عربيات الشرطة واقفة.
والباب الرئيسي مفتوح.
كان واضح إن اللي دخل…
عارف هو بيدور على إيه.
الضابط كان بيسأل عم حسام شوية أسئلة.
ولما خلص…
سمح لنا ندخل.
دخلنا المكتب.
الأدراج كلها مفتوحة.
الأوراق مرمية على الأرض.
لكن الغريب…
إن اللابتوب.
والساعة الغالية.
وحتى مبلغ كبير من الفلوس…
كلهم في مكانهم.
اللي اختفى…
كان ملف واحد.
ملف قديم.
لونه أزرق.
مكتوب عليه بخط اليد:
“قضية محمود.”
أول ما سمعت الاسم…
بصيت لكريم.
كان واقف كأنه مشلول.
سأل عمه:
— إيه القضية دي؟
عم حسام بلع ريقه.
وقال:
— كنت مستني الوقت المناسب.
لكن واضح إن الوقت سبقنا.
قعد على الكرسي.
ومسك راسه.
وقال:
— أبوك قبل ما يمرض…
اكتشف إن في شحنات بتخرج من المصنع بأوراق مزورة.
قال كريم بسرعة:
— سرقة؟
هز عمه راسه.
— أكتر من سرقة.
كانت مواد كيميائية بتتباع برة المصنع.
بأسماء مختلفة.
ومن غير تسجيل.
قلت:
— وأبو كريم عرف؟
قال:
— عرف.
ورفض يمضي على الأوراق.
بل وهدد إنه يبلغ.
كريم سأل:
— مين كان مسؤول؟
سكت عمه.
الدقيقة عدت…
وهو مش بيتكلم.
لحد ما قال:
— معرفش.
لكن فيه واحد كان بيدير كل حاجة من بعيد.
ولا حد كان يعرف اسمه الحقيقي.
كانوا بينادوه…
“الحاج.”
…
خرجنا من الفيلا.
وإحنا غرقانين في التفكير.
وأثناء الطريق…
قال كريم:
— أنا مش فاهم.
لو كل ده حصل…
ليه الشرطة محققتش؟
قلت:
— يمكن محدش بلغ.
رد:
— أو يمكن…
البلاغ اختفى.
…
في الليل…
فضل كريم يقلب في صور والده القديمة.
كان بيدور على أي تفصيلة.
وفجأة…
وقف عند صورة عائلية.
قال:
— استني.
قربت منه.
أشار بإصبعه ناحية رف مكتبة ظاهر في خلفية الصورة.
كان فوقه صندوق خشب صغير.
قال:
— الصندوق ده…
أنا فاكره.
كان عند أبويا.
بعد ما مات…
اختفى.
قلت:
— يمكن والدتك شالته.
قام من مكانه.
وراح لأمه في أوضتها.
سألها.
افتكرت شوية.
وقالت:
— الصندوق؟
أيوه… فاكراه.
بعد وفاة أبوك…
عمك حسام أخده.
قال إنه فيه أوراق تخص الشغل.
كريم سكت.
رجع بصلي.
ومن غير كلمة…
رجعنا بعربيتنا تاني ناحية فيلا عمه.
لكن لما وصلنا…
البوابة كانت مفتوحة.
والحارس بيجري وهو بيصرخ:
— الحقوا!
جرينا ناحية البيت.
لقينا عم حسام واقع على أرض المكتب.
لسه عايش…
لكن بصعوبة بيتنفس.
أول ما شاف كريم…
مسك هدومه بقوة.
وقال بصوت متقطع:
— الصندوق…
مش عندي…
أنا… خبيته…
قبل ما يكمل الجملة…
سمعنا صوت ارتطام زجاج في الدور العلوي.
رفعنا رأسنا بسرعة.
كان فيه شخص مجهول…
بيجري داخل الفيلا.
ثم اختفى في الظلام…
الفصل الحادي عشر
جري كريم ناحية السلم.
صرخت فيه:
— استنى… ممكن يكون معاه سلاح!
لكنه ما سمعنيش.
طلع الدرج درجتين في ثانية.
وأنا وراه.
الدور العلوي كان هادي بشكل مرعب.
باب أوضة المكتب الصغيرة كان مفتوح.
والشباك بيتحرك مع الهوا.
دخل كريم الأول.
لف بعينه في كل مكان.
مفيش حد.
لكن كان فيه آثار واضحة.
دولاب مفتوح.
أوراق مرمية.
وتراب على الأرض عليه آثار حذاء.
قرب كريم من الشباك.
بص لتحت.
وقال بغضب:
— هرب.
نزلنا بسرعة.
لقينا الإسعاف وصلت.
المسعفون كانوا بينقلوا عم حسام على النقالة.
قبل ما يحطوا الأكسجين على وشه…
شد كريم من قميصه.
وقال بصوت متقطع:
— اسمعني…
الصندوق…
في بيت أبوك…
مش هنا…
اتسعت عينا كريم.
وقال:
— فين بالظبط؟
حسام حاول يتكلم.
لكن سعاله قطعه.
وبعدين همس بكلمتين بالكاد سمعناهم:
— تحت… السلم…
وفقد وعيه.
…
رجعنا بيت أهل كريم في نص الليل.
أمه أول ما فتحت الباب…
اتفزعت من شكلنا.
ولما عرفت إن أخوها في المستشفى…
انهارت.
لكن كريم كان عقله في حتة تانية.
دخل البيت القديم.
وقف قدام السلم الداخلي.
السلم ده كان موجود من يوم ما والده بنا البيت.
تحته مخزن صغير.
كلهم كانوا بيحطوا فيه حاجات قديمة.
فتح الباب.
طلع كراتين.
وشنط سفر.
ولعب أطفال.
وكل حاجة عليها تراب السنين.
فضلنا نفتش أكتر من ساعة.
ولما بدأ اليأس يدخل قلبنا…
خبط كريم بإيده على إحدى درجات السلم.
طلع صوت مختلف.
بصلي بسرعة.
وقال:
— سمعتي؟
خبط مرة تانية.
نفس الصوت.
ركع على ركبته.
ولمس حافة الدرجة.
وفجأة…
لقي مسمار صغير مخفي.
لفه بإيده.
فتح جزء من الدرجة ببطء.
وكان تحتها…
تجويف خشبي.
وفي آخره…
صندوق صغير.
نفس الصندوق اللي ظهر في الصورة.
طلعه بحذر.
كان مقفول بقفل نحاس قديم.
وأول ما شافته أم كريم…
حطت إيدها على بؤها.
وقالت:
— ده بتاع أبوك…
أنا افتكرته ضاع.
حاول كريم يفتح القفل.
لكن من غير فايدة.
كان متين جدًا.
قلت:
— يمكن المفتاح جوه حاجاته.
فضلنا نفتش في أوضة والده.
فتحنا الأدراج.
وقلبنا الكتب.
ولما سحبت جاكت قديم من الدولاب…
سمعنا صوت معدن وقع على الأرض.
بصينا.
كان مفتاح صغير.
علقه الزمن بخيط جلدي ناشف.
كريم أخده بإيده.
وكان واضح إنه بيحاول يسيطر على ارتعاشه.
رجعنا للصندوق.
دخل المفتاح.
لفه ببطء.
صدر صوت خفيف…
واتفتح القفل.
كلنا حبسنا أنفاسنا.
رفع كريم الغطا.
لقينا رزمة خطابات مربوطة بشريط أحمر.
ودفتر ملاحظات أسود.
وظرف بني كبير مكتوب عليه بخط والده:
“لا يُفتح إلا إذا شعرت أن حياتي أو حياة أسرتي أصبحت في خطر.”
مد كريم إيده ناحية الظرف…
لكن قبل ما يلمسه…
انطفأت كهرباء البيت كله فجأة.
غرق المنزل في ظلام دامس.
وفي نفس اللحظة…
سمعنا صوت باب البيت الرئيسي…
وهو يُفتح ببطء…
الفصل الأخير
تجمدنا كلنا في مكاننا.
البيت غرق في الظلام.
وصوت الباب وهو بيتفتح ببطء…
كان كفاية يخلي القلب يقف.
كريم مسك إيدي.
وهمس:
— متتحركيش.
لكن بعد ثوانٍ…
سمعنا صوت مألوف.
— هدى… إنتوا فين؟
كان صوت جارهم القديم.
شغل كشاف صغير.
وقال:
— الكهرباء قاطعة في الشارع كله.
ارتحنا شوية.
لكن كريم بص للصندوق.
وقال:
— مش هنتحرك قبل ما نعرف اللي جواه.
فتح الظرف البني.
وكان جواه خطاب طويل.
بدأ يقرأ بصوت مرتعش.
“لو وصلت للرسالة دي يا كريم… يبقى أنت كبرت وبقيت تقدر تفهم الحقيقة.”
“أنا أبوك… ويمكن تكون الناس قالت لك إن مرضي كان بسبب الإهمال أو بسبب عدوى.”
“الحقيقة إن مرضي كان مرضًا مناعيًا نادرًا، والدكاترة شرحوا ده بوضوح.”
“لكن اللي وجعني أكتر من المرض… هو الخوف اللي شفته بيتولد في عيون أمك.”
“عرفت إنها هتلوم نفسها العمر كله… وحاولت أقنعها إنها بريئة، لكنها كانت رافضة تصدق.”
“لو سمحت… أوعى تعيش بالخوف اللي هي عاشت بيه.”
“النظافة شيء جميل… لكن لما تتحول لرعب… هتسرق من الإنسان عمره.”
“ولو لقيت أمك لسه بتلوم نفسها… سامحها.”
“هي حبتني بصدق… لكن الحب ساعات بيخلي الإنسان يعمل أخطاء كبيرة وهو فاكر إنه بيحمي اللي بيحبهم.”
انتهى الخطاب.
والبيت كله سكت.
أم كريم كانت بتبكي بصوت مكتوم.
وقالت:
— سامحني يا محمود…
أنا ضيعت عمر ابني.
كريم قرب منها.
ولأول مرة من سنين…
حضنها.
وقال:
— خلاص يا أمي.
أبويا نفسه سامحك.
يبقى أنا أزعل ليه؟
بكيت أنا كمان.
مش بسبب الرسالة…
لكن لأني لأول مرة أشوف الخوف بيخرج من البيت.
فتح كريم الدفتر الأسود اللي كان في الصندوق.
لقيناه مجرد مذكرات شخصية.
كان والده بيكتب فيها كل يوم.
وفي آخر صفحة…
كتب جملة قصيرة.
“الحياة أقصر من إننا نعيشها خائفين.”
بعد أسابيع…
رجع كريم يكمل علاجه.
لكن المرة دي…
كان مختلف.
بقى يخرج من البيت من غير ما يحسب كام مرة غسل إيده.
وبطل يسألني إذا كنت استحميت.
ولو حس بالخوف…
كان ياخد نفسًا عميقًا…
ويفتكر كلام أبوه.
أما أمه…
فهي كمان بدأت تتعالج.
واعترفت إنها عاشت عشرين سنة أسيرة لشعور بالذنب لم يكن حقيقيًا.
وبعد شهور…
اتجوزنا.
في أول يوم في بيتنا…
دخل كريم المطبخ.
وعمل كوبين شاي.
ناولني واحد.
وقال وهو بيضحك:
— نسيت أسألك…
استحميتي النهارده؟
بصيت له.
ورفعت حاجبي.
فضل يضحك.
وقال بسرعة:
— بهزر… والله بهزر.
ضحكت من قلبي.
لأن دي كانت أول مرة أعرف إن الخوف…
مبقاش هو اللي بيتكلم.
وفي ليلة هادئة…
وقفنا في شرفة بيتنا.
بص للسماء.
وقال:
— عارفة؟
أصعب مرض مكنش المرض اللي أصاب أبويا…
أصعب مرض كان الخوف اللي ورثناه بعده.
ابتسمت.
ومسكت إيده.
وقلت:
— والحمد لله…
إحنا قررنا نوقف الوراثة دي عندنا.
ابتسم…
وشد على إيدي بهدوء.
ومن يومها…
بقينا نتعلم كل يوم…
إن الحب الحقيقي…
مش بيطلب منك تعيش مرعوب…
ولا يخليك تشك في نفسك…
الحب الحقيقي…
هو اللي يخليك تشعر بالأمان… حتى يطمئن قلبك.
تمت.