نظافه شخصيه حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الفصل الخامس
عدى شهرين.
بقينا نعيش بهدوء أكتر.
مش لأن الوسواس اختفى…
لكن لأن كريم بقى يعرف يميزه.
بقى لما يجي له الإحساس بالخوف…
يقف دقيقة.
ويقول لنفسه:
“ده خوف… مش حقيقة.”
الدكتور كان مبسوط بالتقدم.
وقال إن دي أول مرة يشوف كريم ملتزم بالعلاج بالشكل ده.
وأنا…
بدأت أرجع لنفسي.
رجعت ألبس اللبس اللي بحبه.
وأخرج من غير ما أفضل أبص في المراية كل خمس دقايق.
بطلت أشم هدومي كل شوية.
بطلت أخاف أقرب من الناس.
وأخيرًا…
بقيت أحس إني طبيعية.
في يوم…
كريم فاجأني.
جاب خاتم بسيط.
وقالي وهو مبتسم:
— تتجوزيني؟
ضحكت.
وقلت:
— هو إحنا مش مخطوبين أصلًا؟
قال:
— كنت خاطبك بخوفي…
دلوقتي عايز أخطبك وأنا طبيعي.
وافقت.
وبكيت.
مش علشان الخاتم.
لكن علشان أول مرة أحس إن القرار طالع من قلبه…
مش من وسواسه.
بدأنا نحضر للفرح.
واخترنا شقة صغيرة.
بعيدة شوية عن بيت أهله.
ولما عرفوا…
أمه زعلت جدًا.
وقالت:
— ليه بعيد؟
قالها كريم بهدوء:
— علشان نبني حياتنا بطريقتنا.
الكلمة دي…
ما عجبتهاش.
ومن اليوم ده…
بدأت تتغير معايا.
بقت كل ما تشوفني…
تبتسم.
لكن ابتسامتها باردة.
وتقول كلام يبان عادي…
لكن معناه مؤذي.
مرة قالت:
— يا بختك بابني… استحملك بكل عيوبك.
بصيتلها باستغراب.
قلت:
— عيوبي؟
ابتسمت.
وقالت:
— لا يا حبيبتي… قصدي زمان.
قبل ما تبقي تهتمي بنفسك.
عرفت إنها تقصد نفس الموضوع.
وإنها لسه مقتنعة…
إن المشكلة كانت فيا.
مردتش.
لكن كريم سمعها.
وقال قدامي:
— يا ماما…
هي عمرها ما كان فيها مشكلة.
المشكلة كانت عندي.
الأم اتوترت.
وقالت بسرعة:
— إنت بتقول إيه؟
قال بثبات:
— الحقيقة.
أنا اللي كنت مريض.
مش هي.
سكت البيت كله.
وأخته بصت لأمها بدهشة.
واضح إنهم أول مرة يسمعوا الكلام ده.
بعدها بأسبوع…
رحنا نشتري عفش.
وأثناء ما إحنا في المعرض…
تليفون كريم رن.
كان رقم أمه.
رد.
وفجأة…
وشه اتغير.
قفل المكالمة بسرعة.
قلت:
— في إيه؟
قال:
— ماما تعبانة.
جرينا على بيتهم.
لقيناها قاعدة على الأرض.
بتتنفس بسرعة.
وبتعيط.
أول ما شافت كريم…
حضنته.
وقالت:
— أنا السبب.
بصلها باستغراب.
قال:
— سبب إيه؟
فضلت تبكي.
وقالت:
— أنا اللي زرعت الخوف ده فيك.
أنا اللي خلتك تعيش مرعوب من كل حاجة.
أنا كنت فاكرة إني بحميك…
لكن أنا دمرتك.
قعد كريم قدامها.
ومسك إيديها.
لأول مرة…
شفته هو اللي بيطمنها.
قال:
— خلاص يا أمي.
اللي فات فات.
لكنها هزت راسها.
وقالت:
— لأ…
إنت متعرفش الحقيقة كلها.
فيه حاجة عمري ما قدرت أحكيها.
الحاجة دي…
هي السبب الحقيقي اللي خلاني أخاف بالشكل ده.
أنا كذبت عليكم عشرين سنة.
واتمنى ربنا يسامحني.
ساد الصمت.
حتى صوت أنفاسنا…
بقى مسموع.
كريم قال بقلق:
— كذبتي في إيه؟
بصتلي…
ثم بصت له.
وقالت بصوت مرتعش:
— أبوك…
ما تعبش بسبب اللي قلتلكم عليه.
اللي حصل يومها…
كان مختلف تمامًا.
وفي اللحظة دي…
رن جرس الباب.
نظر الجميع ناحية الباب.
والأم شحب وجهها فجأة…
وهمست بخوف حقيقي:
— مستحيل…
هو لسه عايش؟!
الفصل السادس
فضلنا كلنا باصين ناحية الباب.
الجرس رن مرة تانية.
وبعدين مرة تالتة.
أم كريم كانت وشها أصفر.
وإيديها بتترعش.
كريم قرب منها بسرعة.
وقال:
— مين؟
همست وهي بتحاول تاخد نفسها:
— لو هو…
يبقى كل حاجة هتتغير.
راح كريم فتح الباب.
وقف قدامه راجل كبير.
يمكن في آخر الستينات.
لابس بدلة بسيطة.
وشعره كله أبيض.
وفي إيده شنطة جلد قديمة.
أول ما شاف أم كريم…
قال بهدوء:
— مساء الخير يا هدى.
أمه شهقت.
وقامت واقفة.
وقالت بصوت مخنوق:
— إنت…
إنت رجعت؟
الراجل هز راسه.
وقال:
— بعد سنين طويلة.
أنا جيت أنفذ الوعد.
كريم بصله باستغراب.
وقال:
— حضرتك مين؟
الراجل ابتسم ابتسامة حزينة.
وقال:
— أنا الدكتور شريف.
كنت الطبيب اللي تابع حالة والدك.
أم كريم غمضت عينيها.
واضح إنها كانت خايفة من اللحظة دي.
الدكتور دخل.
وقعد بهدوء.
وقال:
— عرفت بالصدفة إن كريم بيتعالج.
ولما عرفت…
قولت لازم أقول الحقيقة.
كريم قال بحدة:
— حقيقة إيه؟
الدكتور فتح الشنطة.
طلع منها ملف قديم.
الأوراق فيه اصفر لونها من الزمن.
وقال:
— ده الملف الطبي الخاص بوالدك.
أنا احتفظت بنسخة منه.
أم كريم قالت بسرعة:
— خلاص…
ملوش لازمة.
لكن الدكتور رد:
— بالعكس.
بقى ليه لازمة دلوقتي.
فتح الملف.
وقلب كام ورقة.
وقال:
— والدك عمره ما دخل المستشفى بسبب إنه ما استحماش.
ولا بسبب إنه لمس حاجة ملوثة.
كريم بص لأمه.
ثم للدكتور.
وقال:
— أمال بسبب إيه؟
تنهد الدكتور.
وقال:
— كان عنده مرض مناعي نادر.
جهازه المناعي كان بيهاجم جسمه.
والمرض ظهر فجأة.
وملوش علاقة بالنظافة.
سكت شوية.
ثم كمل:
— حاولت أشرح ده لوالدتك أكتر من مرة.
لكنها كانت رافضة تصدق.
كانت محتاجة تلاقي سبب.
أي سبب.
علشان تقنع نفسها إنها كانت تقدر تمنع اللي حصل.
أم كريم انفجرت في البكاء.
وقالت:
— كنت حاسة بالذنب.
اليوم اللي تعب فيه…
قلتله يستريح.
لكنه نزل الشغل.
فضلت أقول لنفسي…
لو كنت منعته…
مكنش هيحصله كده.
ولما الدكتور قالي إن المرض ملوش سبب واضح…
عقلي رفض.
اخترعت سبب.
وقعدت أكرره.
لنفسي…
وللولاد.
لحد ما صدقته.
كريم كان ساكت.
باصص في الأرض.
وكأنه بيجمع كل الذكريات.
ثم رفع عينه.
وقال بصوت مبحوح:
— يعني…
أنا عشت عمري كله…
بخاف من حاجة…
مكانتش السبب أصلًا؟
الدكتور قال بهدوء:
— للأسف.
الخوف ساعات بيكون معدي…
أكتر من أي مرض.
ساد صمت طويل.
بعد شوية…
قام الدكتور.
وقبل ما يمشي…
بص لكريم.
وقال:
— متزعلش من والدتك.
هي كانت بتحاول تحميك…
بس استخدمت الطريقة الغلط.
خرج.
وقفلت الباب.
أم كريم فضلت قاعدة تبكي.
وقالت:
— سامحني يا ابني.
أنا سرقت منك سنين.
كريم قرب منها.
وركع قدامها.
ومسك إيديها.
وقال:
— أنا زعلان…
لكن مش منك.
أنا زعلان على الطفل اللي جوايا…
اللي عاش مرعوب كل السنين دي.
بكت أكتر.
أما أنا…
فكنت حاسة إن حملًا ثقيلًا انزاح عن قلبه.
لكن وأنا بلم الملف الطبي من على الترابيزة…
وقعت منه ورقة صغيرة…
مكانتش مع باقي التقارير.
انحنيت أخدها.
ولما قريتها…
اتجمدت في مكاني.
لأنها كانت رسالة مكتوبة بخط والد كريم نفسه…
ومؤرخة قبل دخوله المستشفى بثلاثة أيام فقط.
وفي آخر سطر منها…
كانت جملة واحدة قلبت كل اللي سمعناه رأسًا على عقب:
“لو حصل لي أي حاجة… اعرفوا إنها مش صدفة.”
رفعت عيني ببطء ناحية كريم…
وأدركت أن الحقيقة الكاملة…
لم تُكشف بعد.
الفصل السابع

فضلت ماسكة الورقة…

وقلبي بيدق بعنف.

بصيت لكريم.

وقلت بصوت مرتعش:

— لازم تقرا دي.

أخدها من إيدي.

وقعد يقرأها أكتر من مرة.

كان الخط واضح.

خط والده.

ومفيش شك فيه.

كتب:

“هدى… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا كنت صح. فيه حاجات بتحصل حواليا مش مفهومة. مش عايز أقلقك، لكن لو جرالي حاجة فجأة… متصدقيش أي تفسير بسرعة. دوري بنفسك.”

وتحت الكلام…

توقيعه.

وتاريخ قبل دخوله المستشفى بثلاثة أيام.

كريم رفع عينه ناحية أمه.

وقال:

— يعني إيه الكلام ده؟

أمه كانت مصدومة.

قالت وهي بتمسح دموعها:

— أول مرة أشوف الرسالة دي.

قلت:

— كانت جوه الملف.

قالت بسرعة:

— مستحيل… أنا عمري ما شفتها.

في اللحظة دي…

رن تليفون الدكتور شريف.

كان لسه تحت العمارة.

رد كريم بسرعة.

وقال:

— دكتور… حضرتك شوفت الرسالة دي قبل كده؟

سكت الدكتور ثواني.

وبعدين قال:

— رسالة إيه؟

قرأها عليه.

الدكتور اتنهد.

وقال:

— لا… أول مرة أسمع عنها.

سأله كريم:

— ممكن تيجي تاني؟

قال:

— عشر دقايق وأكون عندكم.

…

رجع الدكتور.

قعد يبص للورقة.

وقلبها.

وقال:

— الورقة قديمة فعلًا.

والحبر عمره سنين.

لكن أنا معرفش عنها حاجة.

كريم سأل:

— أبويا كان شاكك في مين؟

الدكتور هز راسه.

— مقدرش أجاوب.

بس فاكر إنه قبل مرضه بأيام…

كان بيقولي إنه داخل في خلاف كبير بالشغل.

أم كريم رفعت راسها فجأة.

وقالت:

— المصنع.

بصينا لها كلنا.

قالت:

— كان شغال مدير مخزن في مصنع كيماويات.

وقبل ما يمرض…

كان كل يوم يرجع متضايق.

ولما أسأله…

يقول:

“سيبك… مشاكل شغل.”

الدكتور قال:

— أيوه…

افتكرت.

كان بيقول إن فيه مخالفات.

وإنه رافض يمضي على أوراق.

كريم قام واقف.

وقال:

— ليه محدش قال الكلام ده قبل كده؟

أمه ردت بحزن:

— بعد ما مرض…

نسيت كل حاجة.

مبقاش في دماغي غير إنه يعيش.

…

تاني يوم.

كريم أخد إجازة من شغله.

وقال:

— هنروح المصنع.

قلت باستغراب:

— بعد عشرين سنة؟

قال:

— حتى لو مقفول.

عايز أفهم.

وصلنا المكان.

كان المصنع مهجور.

البوابة عليها صدأ.

والحارس راجل كبير.

أول ما عرف اسم والد كريم…

وشه اتغير.

وقال:

— إنت ابن الأستاذ محمود؟

قال كريم:

— أيوه.

الحارس بص حواليه.

وبعدين قال بصوت واطي:

— أبوك كان راجل محترم.

زيادة عن اللزوم.

سأله كريم:

— تقصد إيه؟

قال:

— كان فيه ناس بتسرق مواد من المصنع.

وأبوك رفض يغطي عليهم.

وقبل ما يمرض…

كان ناوي يبلغ.

كريم حس إن أنفاسه اتلخبطت.

وقال:

— بلغ فعلًا؟

الحارس هز راسه.

— معرفش.

بس بعد أسبوع…

سمعنا إنه دخل المستشفى.

وبعدها…

الكل سكت.

قلت للحارس:

— مين الناس دي؟

بص لنا بخوف.

وقال:

— اللي كانوا ماسكين المصنع زمان…

كل واحد راح في طريق.

بس فيه واحد…

لسه عايش.

ولما قال اسمه…

لاحظت إن كريم اتجمد.

همست:

— تعرفه؟

بصلي ببطء.

وقال:

— ده…

ده عمّي حسام.

أخو أبويا.
قبل كريم ما ينطق…
رجع بص للحارس.
وقال بذهول:
— إنت متأكد من الاسم؟
الحارس هز راسه بثقة.
— أنسى وشي… لكن الاسم ده مستحيل أنساه.
كان بييجي المصنع كتير.
وأبوك كان دايمًا مختلف معاه.
فضل كريم ساكت.
وأنا كنت أول مرة أشوفه بالشكل ده.
وشه شاحب.
وعينه مليانة أسئلة.
ركبنا العربية.
ولا واحد فينا اتكلم.
بعد حوالي ربع ساعة…
قال فجأة:
— عم حسام كان أقرب واحد لأبويا.
قلت باستغراب:
— يعني إيه؟
قال:
— كانوا شركا في كل حاجة.
حتى بعد ما أبويا تعب…
هو اللي كان بيجي البيت كل يوم.
يساعدنا.
ويقف جنب ماما.
سكت شوية.
وبعدين قال:
— مستحيل يكون عمل حاجة.
قلت بهدوء:
— وإحنا مش بنتهمه.
إحنا بندور على الحقيقة.
…
في المساء…
قرر كريم يزور عمه.
كان ساكن في فيلا كبيرة.
استقبلنا بابتسامة واسعة.
وأول ما شاف كريم…
حضنه بقوة.
وقال:
— يا ابني… نورت الدنيا.
ثم بصلي.
وقال:
— وأخيرًا هشوف العروسة.
قعدنا نشرب الشاي.
وكان بيتكلم طبيعي جدًا.
لدرجة إني بدأت أحس إن الحارس أكيد غلط.
لكن فجأة…
عين كريم وقعت على صورة قديمة معلقة على الحائط.
قام وقف.
وقرب منها.
كانت صورة لوالده.
واقف جوه المصنع.
وبجانبه عمه حسام.
وفي الخلفية…
تلات رجال.
كريم سأل:
— الصورة دي إمتى؟
عمه ابتسم.
وقال:
— قبل مرض أبوك بأيام.
مد كريم إيده.
وشال الصورة من على الحيطة.
وكان بيبص فيها بدقة.
وفجأة…
قال:
— مين الراجل ده؟
وأشار لرجل واقف في الخلف.
ابتسامة عم حسام اختفت للحظة.
ثم قال بسرعة:
— موظف قديم.
مش فاكر اسمه.
لكن كريم فضل مركز في الصورة.
وقال:
— غريبة…
الراجل ده…
أنا شوفته النهارده.
أنا متأكد.
أنا شوفته خارج المصنع المهجور.
ساد صمت ثقيل.
عم حسام حاول يغير الموضوع.
وقال وهو بيضحك:
— أكيد شبهه.
لكن كريم ما اقتنعش.
…
بعد ما خرجنا…
قال لي:
— الراجل اللي في الصورة كان واقف بعيد بيراقبنا.
افتكرته واحد معدي.
لكن دلوقتي…
أنا متأكد إنه نفس الشخص.
قلت بقلق:
— يمكن صدفة.
هز راسه.
وقال:
— مش حاسس إنها صدفة.
وأثناء ما كنا راكبين العربية…
بصيت في المراية الجانبية.
ولاحظت عربية سوداء.
ماشية ورانا.
قلت لكريم:
— العربية دي كانت ورانا من أول الشارع.
بص في المراية.
وسكت.
لف يمين…
لفت ورانا.
لف شمال…
لفت هي كمان.
اتأكدنا إنها بتتبعنا.
زاد سرعة العربية.
والعربية السوداء زادت سرعتها هي كمان.
وفجأة…
رن تليفون كريم.
رقم مجهول.
رد.
جاله صوت راجل كبير يقول بهدوء:
— اقفلوا الملف…
وانسوا اللي حصل من عشرين سنة.
علشان الحقيقة…
هتكلفكم أغلى بكتير مما تتخيلوا.
ثم أُغلق الخط.
نظر إليّ كريم…
وكان واضح أن ما بدأ كرحلة لفهم سبب خوفه من النظافة…
تحول إلى لغز أكبر بكثير… ولم نكن نعرف بعد من الذي يراقبنا، ولماذا عاد الماضي فجأة بعد كل هذه السنوات.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *