تكافل وكرامه حكـايـات أسمـا
أخذتني بنتي أطلع معاش “تكافل وكرامة”… لكن الموظف بص في الشاشة وقال: “حضرتك ممنوع تتصرفي في أي حاجة… لأنك متوفية قانونيًا من سنة!”
كنت ماشية بالعافية، ماسكة دراع بنتي هناء، وإحنا داخلين مبنى التأمينات في طنطا علشان أستخرج بيان معاش جديد وأقدّم على المزايا اللي قالولي إنها من حقي بعد ما كبرت في السن.
أنا اسمي زينب عبدالسلام، عندي تسعة وستين سنة، وأرملة من سبع سنين.
من يوم ما أبو هناء مات، وأنا عايشة في بيتي الصغير اللي بناه بإيده، ومعايا معاشه، وشوية تحويشة كنت حطاهم في البنك.
كنت دايمًا أقول لنفسي إن ربنا رزقني بولدين وبنت، وإن آخر العمر هيكون بينهم.
لكن يومها… اكتشفت إن أكبر وجع ممكن ييجي للإنسان، ييجي من أقرب الناس ليه.
وقف الموظف قدام الكمبيوتر، وبعدين بصلي باستغراب.
قال:
“اسم حضرتك زينب عبدالسلام؟”
قلت:
“أيوه.”
فضل يبص للشاشة شوية، وبعدين قال:
“حضرتك مينفعش توقعي على أي طلب.”
ضحكت وقلت:
“ليه يعني؟ إيدي مكسورة؟”
هز راسه وقال:
“لأن حضرتك فاقدة الأهلية القانونية.”
افتكرت إني ما سمعتش كويس.
قلت:
“إيه؟”
رد بهدوء:
“وفي وصي معين لإدارة كل أملاكك وحساباتك.”
اتجمدت.
قلت:
“مين الوصي؟”
الموظف تردد.
بعدين قال:
“ابنك الكبير… سامح.”
بصيت ناحية بنتي.
لقيتها هي كمان مصدومة.
أما سامح…
اللي كان واقف بعيد بيكلم في التليفون…
أول ما سمع اسمه، اتغير لون وشه.
في اللحظة دي…
عرفت إن اللي أنا فاكراه مجرد زيارة لمصلحة حكومية…
هيكون بداية حرب هتكشف أسرار دفنها أقرب الناس ليا من سنة كاملة.
ومن يومها…
بدأت أجمع كل ورقة…
وأدور ورا كل توقيع…
علشان أعرف:
إزاي وأنا لسه عايشة…
حد قدر يقنع الدنيا كلها إني مبقتش أملك حتى حقي في نفسي؟لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الفصل الثالث
تاني يوم الصبح…
صحيت قبل الفجر.
ماقدرتش أنام غير ساعتين.
كل ما أغمض عيني، أفتكر كلمة الموظف:
“حضرتك فاقدة الأهلية.”
أنا؟
اللي طول عمري بمضي على أوراقي بنفسي…
وبقبض معاشي بإيدي…
وأدير بيتي من غير ما أطلب مساعدة من حد!
بعد صلاة الفجر، قلت لهناء:
“يلا بينا عند الأستاذ شريف.”
الأستاذ شريف كان محامي جوزي الله يرحمه من أكتر من عشرين سنة.
ولما دخلت مكتبه…
قام من مكانه أول ما شافني.
قال بابتسامة:
“الحاجة زينب… نورتِ.”
لكن أول ما شاف وشي…
ابتسامته اختفت.
قعد يسمعني من أول كلمة لحد آخر كلمة.
ماقاطعنيش.
ولما خلصت…
سند ضهره على الكرسي وقال:
“لا حول ولا قوة إلا بالله.”
هناء قالت بسرعة:
“يعني إيه الكلام ده يا أستاذ؟”
فتح الكمبيوتر، وبدأ يراجع شوية بيانات.
وبعدين قال:
“لازم نجيب صورة رسمية من الحكم الأول.”
“لأن أي حكم بالشكل ده لازم يكون مبني على تقرير طبي، وتحقيق، وإجراءات.”
بصيتله باستغراب.
“وأنا عمري ما دخلت مستشفى أمراض نفسية، ولا حد كشف عليا.”
هز راسه وقال:
“عشان كده لازم نعرف الحكم طلع إزاي.”
بعد يومين…
كنا واقفين قدام المحكمة.
وأخدنا صورة من ملف القض*ية.
الأستاذ شريف فتح الملف…
وفضل يقلب الورق.
مرة واحدة…
وشه اتغير.
قلت بقلق:
“في إيه؟”
ناولني أول ورقة.
كان فيها تقرير طبي.
مكتوب فيه…
إني بعاني من فقدان شديد في الذاكرة، ومش قادرة أتصرف في شؤوني.
صرخت:
“أنا عمري ما شفت الدكتور ده!”
هناء خطفت الورقة.
وقالت:
“ولا حتى التوقيع ده توقيع ماما.”
الأستاذ شريف سكت شوية.
وبعدين قال:
“وده كمان فيه محضر تحريات.”
كريم قرب منه وقال:
“بيقول إيه؟”
رد المحامي:
“بيقول إن الجيران أكدوا إن الحاجة زينب مش مدركة لتصرفاتها.”
بصيتله بعدم تصديق.
“أي جيران؟”
قلب الصفحة…
وقرأ الأسماء.
أول اسم…
كان صدمة.
“صلاح عبدالعظيم.”
جارنا.
الراجل اللي كل يوم يشرب معايا الشاي قدام البيت.
والتاني…
“حسن أبو العلا.”
ابن خال سامح.
أما الاسم التالت…
فخلاني أحس إن قلبي وقف.
“منى سامح الحديدي.”
مرات ابني.
هناء شهقت.
وقالت:
“يعني مرات أخويا شهدت إن أمه مش عاقلة؟!”
في اللحظة دي…
الأستاذ شريف طلع ورقة تانية.
وقال:
“استنوا…”
“في حاجة أخطر.”
بصينا كلنا عليه.
قال:
“بعد الحكم بشهرين…”
“اتعمل توكيل عام باسم الوصي.”
كريم سأله:
“يعني إيه؟”
رد وهو بيقلب آخر صفحة:
“يعني من حقه يبيع…”
“ويشتري…”
“ويتصرف في الحسابات…”
“إذا وافقت المحكمة.”
قلبي بدأ يدق بسرعة.
سألته:
“هو تصرف في حاجة؟”
الأستاذ شريف فتح كشف المرفقات.
وفضل ساكت.
قلت بعصبية:
“اتكلم.”
رفع عينه وقال:
“للأسف…”
“فيه طلب تم تقديمه لبيع البيت.”
حسيت الدنيا اسودت قدامي.
“بيتي؟”
“البيت اللي أبو هناء بناه طوبة طوبة؟”
هز راسه.
“لكن البيع ما اكتملش.”
سألته بسرعة:
“ليه؟”
ابتسم لأول مرة.
وقال:
“لأن المشتري طلب حضورك بنفسك.”
“وساعتها سامح ادعى إنك مريضة جدًا ومش بتتحرك.”
“فالمشتري شك، وانسحب.”
هناء دموعها نزلت.
أما أنا…
فماعيطتش.
مسحت دموعي بإيدي.
وقلت للمحامي:
“أنا مش هسامحه.”
“بس كمان مش هظلمه.”
“أنا عايزة الحقيقة كلها.”
الأستاذ شريف قفل الملف وقال:
“يبقى نبدأ بأول خطوة.”
“هنرفع دعوى لإلغاء الحكم.”
“وبعدها…”
“كل واحد زور أو شهد زور هيتحاسب.”
وفي نفس اللحظة…
رن موبايل هناء.
بصت للشاشة…
واتغير لون وشها.
قلت:
“مين؟”
ردت بصوت مرتعش:
“سامح.”
فتحنا السماعة.
وأول جملة قالها…
خلت الدم يتجمد في عروقي.
“يا أمي… ارجعي البيت بسرعة.”
“فيه ناس سبقونا على هناك… وبيكسروا باب الخزنة.”
الفصل الرابع
جريت أنا وهناء وكريم نركب العربية.
المحامي شريف قال وهو بيقفل مكتبه بسرعة:
“أنا جاي معاكم.”
طول الطريق…
ولا واحد فينا نطق.
قلبي كان بيدق بعنف.
كل اللي بفكر فيه…
هو الخزنة.
الخزنة اللي الله يرحمه جوزي كان دايمًا يقول:
“اليوم اللي تحسي فيه إن الدنيا اتقلبت عليكي… افتحيها.”
وصلنا البيت.
لقينا باب العمارة مفتوح.
والجيران واقفين تحت.
أول ما شافوني…
الحاج عبدالتواب قال:
“الحمد لله إنك جيتي بسرعة.”
طلعت أجري على السلم.
ولما وصلت للدور التاني…
لقيت باب الشقة مكسور.
دخلت وأنا برجف.
كل حاجة كانت متبهدلة.
الدواليب مفتوحة.
الأدراج مرمية على الأرض.
والنيش متقلب.
هناء صرخت:
“حسبنا الله ونعم الوكيل.”
جريت على أوضة النوم.
الخزنة كانت مكانها…
لكن بابها مفتوح.
ركعت على الأرض.
وحطيت إيدي جوه.
فاضية.
الذهب اللي جوزي سابهولي…
اختفى.
دفتر التوفير…
اختفى.
حتى الأوراق القديمة…
مش موجودة.
قعدت على الأرض وأنا حاسة إن نفسي بيتقطع.
المحامي شريف بدأ يبص حواليه.
وفجأة…
وقف قدام الكومودينو.
قال:
“استنوا.”
رفع ورقة صغيرة كانت واقعة تحت الدولاب.
بص فيها…
وبعدين بصلي.
“دي فاتورة.”
خدتها من إيده.
كانت فاتورة شراء خزنة جديدة…
باسم سامح.
وتاريخها…
من تلات شهور.
كريم قال بعصبية:
“يعني كان مخطط لكل ده.”
وفي اللحظة دي…
دخل أمين الشرطة ومعاه قوة صغيرة بعد بلاغ الجيران.
بدأوا يعاينوا المكان.
وسألني الضابط:
“فيه حد معاه مفاتيح الشقة غير حضرتك؟”
بصيت لسامح…
اللي كان واقف عند باب الأوضة، وشه شاحب.
قلت بهدوء:
“كان معاه نسخة.”
الضابط بصله وقال:
“محتاجين نتكلم معاك.”
سامح اتوتر وقال:
“أنا أول واحد بلغ أمي.”
الضابط رد:
“وده ما يمنعش إننا نسألك.”
بدأت المعاينة.
وبعد نص ساعة…
أحد أفراد الشرطة خرج من المطبخ وهو ماسك كاميرا مراقبة صغيرة.
قال:
“لقينا جهاز تسجيل.”
استغربت.
أنا أصلًا ماكنتش أعرف إن جوزي مركب كاميرات.
المحامي شريف ابتسم لأول مرة.
وقال:
“الله يرحمه… كان دايمًا سابق بخطوة.”
الضابط طلب تفريغ التسجيلات.
وبعد ساعات…
ظهر أول مقطع.
التاريخ…
قبل أسبوع.
والساعة…
اتنين بعد نص الليل.
الكاميرا جابت شخص بيفتح الباب بمفتاح.
دخل من غير أي كسر.
وبعدها…
ظهر وشه بوضوح.
كان سامح.
واقف لوحده.
وبعد دقايق…
دخلت وراه زوجته منى.
الاتنين دخلوا أوضة النوم.
وبعد حوالي عشرين دقيقة…
خرجوا شايلين شنط كبيرة.
الغرفة كلها سكتت.
أنا ماقدرتش أتكلم.
أما سامح…
فقعد على أقرب كرسي، وحط وشه بين إيديه.
ولأول مرة…
بكى.
لكن دموعه ما كانتش كفاية تمسح اللي حصل.
بصيتله وقلت:
“أنا مش زعلانة على الفلوس.”
“أنا زعلانة إن ابني اللي ربيته بتعبي… هو اللي كسر قلبي.”
رفع راسه، وكانت دموعه بتنزل.
وقال بصوت مكسور:
“يا أمي… والله ما كنت عايز أوصل لكده.”
سألته:
“أومال وصلت ليه؟”
بص في الأرض.
وقال الجملة اللي قلبت الق*ضية كلها:
“أنا ماكنتش لوحدي…”
“فيه واحد هو اللي خطط لكل حاجة… وقال لي إن اللي بعمله قانوني.”
المحامي شريف سأله بسرعة:
“مين؟”
سامح أخد نفس طويل…
وقال:
“المحامي اللي رفع ق*ضية الحجر…”
“هو اللي قال إن ماما مش هتعرف حاجة… وإن كل حاجة هتمشي في الورق.”
ساد الصمت.
لأن الجميع أدرك أن ما حدث لم يكن تصرفًا فرديًا…
بل شبكة كاملة من الإجراءات تحتاج إلى تحقيق وكشف الحقيقة، وأن الفصل القادم سيكون بداية المحاسبة الحقيقية.
الفصل الخامس
تاني يوم الصبح…
كنت قاعدة في الصالة، وببص على صور جوزي الله يرحمه.
عمري ما تخيلت إن البيت اللي اتبنَى بالعرق…
هييجي يوم يبقى سبب في إن الإخوات يقفوا قصاد بعض.
سامح كان قاعد في الركن، منزل راسه.
ولا قادر يبصلي.
ولا قادر يبص في وش أخته ولا أخوه.
المحامي شريف كسر الصمت وقال:
“إحنا لازم نمشي بالقانون.”
“أي كلمة هتتقال من غير دليل… هتضيع حقنا.”
هزيت راسي.
“اعمل اللي القانون يقوله.”
بعدها بساعتين…
كنا في النيابة.
سلمنا نسخة من تسجيل الكاميرات.
وصورة الحكم.
وصورة التقرير الطبي.
وكل المستندات اللي جمعناها.
وكيل النيابة فضل يقلب في الورق دقيقة ورا التانية.
وفجأة سألني:
“حضرتك سبق وكشفتي عند الدكتور اللي اسمه موجود في التقرير؟”
قلت بثقة:
“ولا مرة في حياتي.”
كتب ملاحظته.
وبعدين قال:
“هنستدعي كل الأطراف.”
خرجنا من النيابة…
وأول استدعاء وصل…
كان للطبيب اللي التقرير متسجل باسمه.
بعد يومين…
الكل كان موجود.
أنا…
وسامح…
والدكتور…
والمحامي اللي رفع القضية.
وكيل النيابة مسك التقرير.
وسأل الدكتور:
“ده توقيع حضرتك؟”
الدكتور أخد الورقة.
فضل يبص فيها.
وبعدين قال:
“لأ.”
الغرفة كلها سكتت.
وكيل النيابة سأله:
“يعني التقرير ده مش صادر من حضرتك؟”
رد بمنتهى الحسم:
“الختم يشبه ختمي… لكن التوقيع مش توقيعي.”
“وأنا عمرى ما كشفت على السيدة دي.”
بصيت لسامح.
كان وشه أبيض.
أما المحامي…
بدأ يمسح عرقه بمنديل.
وكيل النيابة لف ناحيته.
“حضرتك قدمت التقرير ده للمحكمة؟”
قال وهو بيتلعثم:
“وصلني ضمن المستندات.”
“مين اللي سلمهولك؟”
سكت.
كرر السؤال.
سكت تاني.
وفي الآخر قال:
“سامح.”
سامح رفع راسه بسرعة.
“لأ… مش صحيح.”
لكن وكيل النيابة وقف كلامه.
وقال:
“كل واحد هيتحاسب على اللي عمله.”
بعد انتهاء التحقيق…
طلب مني سامح يقابلني لوحدنا.
وقف قدامي وهو بيعيط.
وقال:
“سامحيني يا أمي.”
بصيتله وسألته:
“قبل ما أسامحك… جاوبني.”
“إيه اللي يخلي ابن يبيع أمه؟”
قعد على الكرسي.
وقال بصوت مكسور:
“كنت مديون.”
“دخلت في تجارة وخسرت.”
“والناس بقت بتهددني.”
“ولما حكيت للمحامي…”
“قالي إن فيه طريق قانوني يخليني أتصرف في أملاكك مؤقتًا، وبعدها هرجع كل حاجة.”
سألته:
“ورجعت حاجة؟”
نزل راسه.
“لأ.”
دموعي نزلت.
لكن لأول مرة…
ماكنتش دموع غضب.
كانت دموع أم اكتشفت إن ابنها غلط…
بس غلطه جر ناس كتير معاه.
بعد أسابيع من التحقيقات…
صدر الحكم بإلغاء قرار الحجر بالكامل.
ورجعت ليَّ أهليتي القانونية كاملة.
واتجمدت كل التصرفات اللي تمت على أملاكي لحين الفصل فيها.
ولما خرجت من المحكمة…
مسكت إيد هناء.
وقلت:
“الحمد لله.”
“الحق ممكن يتأخر…”
“لكن عمره ما بيضيع.”
أما سامح…
ففضل واقف بعيد.
يبصلي.
مستني كلمة واحدة.
لكن الكلمة دي…
كان لازم يثبت بأفعاله إنه يستحق يسمعها.
النهاية… إلا إذا كان للندم بداية جديدة.
تمت