في الشهر السابع حكايات اسما 2

الفصل العاشر
عمّ الصمت أرجاء الفيلا.
كل الأنظار اتجهت إلى نادين.
كانت شاحبة…
وشعرها غير مرتب…
وكأنها لم تنم منذ أيام.
شدت الملف الأحمر إلى صدرها وقالت:
— أنا غلطت…
وغلطتي كبيرة.
لكن في ناس أخطر مني بكتير.
كريم صرخ فيها:
— اخرسي!
التفتت إليه بعينين مليئتين بالغضب.
— لا…
أنا سكت كتير.
ودفعت التمن.
مش هسكت تاني.
نظر إليها سليم ببرود وقال:
— لو عندك كلام…
قولي الحقيقة كاملة.
فتحت الملف.
وأخرجت مجموعة أوراق وصور.
وضعتها على الطاولة.
وقالت:
— كريم ماكانش لوحده.
— اللي خطط لكل حاجة…
كان مديره السابق في الشركة.
الراجل ده عرف قبل بيع الشركة إن الإدارة هتتغير.
وكان محتاج ينقل جزء من الأموال لحسابات وهمية.
لكن وجود ليلى كان هيعطله…
لأنها كانت عارفة بعض المستندات اللي كريم كان بياخدها يشتغل عليها في البيت.
بصيت لها باستغراب.
— أنا؟
هزت رأسها.
— أيوه.
— هو خاف إنك في يوم تعرفي الحقيقة.
فعشان كده…
أقنع كريم يخلص منك بسرعة.
كريم صاح بغضب:
— كذابة!
نادين رمت قدامه تسجيلًا صوتيًا.
وقالت:
— شغله.
شغل سليم التسجيل.
وانطلق صوت واضح.
صوت مدير الشركة السابق يقول:
“طلّقها دلوقتي… وارمِها بره. بعد أسبوعين كل حاجة هتكون خلصت، وساعتها ولا هي ولا غيرها هيعرفوا يثبتوا حاجة.”
تجمّد كريم.
أما سليم…
فأغلق التسجيل ببطء.
وقال:
— واضح إن التحقيق لسه في بدايته.
الفصل الحادي عشر
في اليوم التالي…
تحولت الق\ضية من خلاف عائلي…
إلى ق\ضية احتيال مالي كبيرة.
الشرطة استدعت المدير السابق.
وبدأت تراجع التحويلات البنكية.
أما كريم…
فأصبح ممنوعًا من السفر.
ورغم كل اللي حصل…
كنت مشغولة بحاجة واحدة.
بنتي.
كل يوم كنت أحسب الأيام المتبقية على ولادتها.
وأبويا…
كان يحاول يعوضني عن كل سنة فاتت.
كان يفطر معايا.
ويقرأ كتب عن رعاية الأطفال.
ويضحكني بقصص من شبابه.
وفي إحدى الليالي…
سألته:
— ليه ما اتجوزتش بعد ماما؟
ابتسم بحزن.
وقال:
— لأن قلبي وقف عندها.
سكت لحظة…
ثم أكمل:
— وكل سنة كنت أرسل ناس يدوروا عليها.
لكن أخويا كان يقنعني إنها سافرت واتجوزت.
ولما مات…
لقيت الحقيقة كلها.
مد يده وأمسك يدي.
وقال:
— سامحيني يا ليلى.
احتضنته لأول مرة.
وبكينا نحن الاثنين.
الفصل الثاني عشر
بعد أسبوع…
بدأت آلام الولادة.
كانت الفجر.
صرخت من شدة الألم.
خلال دقائق…
كانت سيارات الإسعاف تنقلني إلى المستشفى.
أبويا كان يمشي بجوار السرير…
يردد الأدعية.
وبعد ساعات طويلة…
خرج الطبيب مبتسمًا.
وقال:
— ألف مبروك.
— رزقكم الله ببنت جميلة.
دموع سليم نزلت بلا خجل.
دخل الغرفة…
وحمل حفيدته بين ذراعيه.
وقال وهو يبتسم:
— هنسميها…
أمل.
ابتسمت.
وقلت:
— لأنها فعلاً رجعتلي الأمل.
في اللحظة نفسها…
وصل خبر جديد.
تم القبض على المدير السابق.
واعترف بكل شيء.
واعترف أيضًا…
أن كريم شاركه في تزوير بعض المستندات.
لكن…
أكد أن فكرة طرد ليلى من البيت…
كانت قرار كريم وحده.
الفصل الثالث عشر
بعد أيام…
طلب كريم مقابلتي.
رفض أبويا.
لكنني وافقت.
دخل غرفة الزيارة.
كان مختلفًا تمامًا.
أنحف…
وأكثر هدوءًا.
جلس أمامي.
وقال:
— عارف إن مفيش كلام هيرجع اللي حصل.
لكن كنت عايز أقولك…
إني خسرت كل حاجة.
قلت بهدوء:
— وأنا؟
— أنا خسرت بيتي…
وأماني…
وثقتي.
خفض رأسه.
وقال:
— كل يوم بصحى على صوت أكياس الزبالة وهي قدام الباب.
— المشهد ده بيموتني.
أجبته:
— ده أقل شيء تعيشه بعد اللي عملته.
وقف وهو يبكي.
ثم قال:
— لو في يوم بنتنا سألت عني…
قولي لها…
إن أبوها كان إنسانًا ضعيفًا…
ودفع ثمن ضعفه.
خرج…
ولم أره بعد ذلك.
الفصل الرابع عشر
مرت ثلاث سنوات.
كبرت أمل.
وأصبحت تملأ الفيلا ضحكًا.
أما أنا…
فعدت للدراسة.
وأنشأت مؤسسة خيرية باسم أمي.
لمساعدة السيدات اللاتي يتعرضن للظلم أو يفقدن المأوى.
وأبويا…
كان أول داعم للمشروع.
وفي يوم الافتتاح…
وقف أمام الحضور وقال:
— المال الحقيقي…
مش اللي في البنوك.
المال الحقيقي…
إنك تقدر ترجع كرامة إنسان اتكسرت.
صفق الجميع.
أما أنا…
فنظرت إلى أمل وهي تجري في الحديقة.
وتذكرت تلك الليلة…
ليلة أكياس الزبالة.
واكتشفت…
أن النهاية التي ظنها كريم بداية انتصاره…
كانت في الحقيقة…
بداية سقوطه.
أما أنا…
فكانت بداية حياة جديدة…
لم أكن أحلم بها يومًا.
تمت.
الفصل الأخير

مرّت خمس سنوات…

خمس سنوات كاملة…

كانت كافية تغيّر كل شيء.

الشقة الصغيرة…

وأكياس الزبالة…

والدموع اللي نزلت على الرصيف…

بقوا مجرد ذكرى مؤلمة…

لكنها كانت الذكرى اللي صنعت مني إنسانة أقوى.

وقفت قدام مبنى المؤسسة الخيرية اللي بقى يحمل اسم أمي.

“مؤسسة هناء للحياة الكريمة.”

كل يوم كانت تدخلها عشرات السيدات…

واحدة اتطردت من بيتها…

واحدة اتعرضت للنصب…

واحدة هربت من العنف…

وكل واحدة فيهم كنت أشوف فيها نفسي.

كنت أول واحدة تستقبلهم.

وأقول بابتسامة:

— هنا… محدش هيكون لوحده.

في نفس الوقت…

كانت “أمل” تجري في الممرات.

بقت عندها خمس سنين.

طفلة جميلة…

بعينيها نفس لون عيون جدها.

وأول ما تشوف سليم…

تجري عليه وهي تصرخ:

— جدو!

فيشيلها…

ويضحك من قلبه.

الرجل اللي عاش عمره يبني شركات…

اكتشف إن أعظم إنجاز في حياته…

طفلة صغيرة بتناديه “جدو”.

أما سليم…

فبدأ يبتعد عن إدارة الأعمال تدريجيًا.

وفي أحد الاجتماعات…

وقف أمام مجلس الإدارة.

وقال:

— تعبت بما فيه الكفاية.

— الشركة هتكون تحت إدارة مجلس محترف.

— أما أنا…

فعندي حفيدة عايز أعيش معاها اللي باقي من عمري.

صفق الجميع.

لكن أكتر واحدة كانت دموعها نازلة…

كنت أنا.

لأنه أخيرًا…

لقي السلام اللي كان بيدور عليه.

—

أما كريم…

فبعد انتهاء كل القضايا…

خرج من السجن.

خرج…

لكن الدنيا اللي كان يعرفها…

ما بقتش موجودة.

الشركة راحت.

أصحابه اختفوا.

الناس اللي كانت بتجري وراه…

بقت تعدي من جنبه وكأنها ما تعرفوش.

اشتغل في ورشة صغيرة.

براتب بسيط.

وكان كل آخر شهر…

يحط جزءًا من مرتبه في ظرف.

ويبعته باسم ابنته.

من غير رسالة.

ولا حتى يكتب اسمه.

ولما سأله صاحب الورشة يومًا:

— ليه بتعمل كده؟

ابتسم بحزن.

وقال:

— لأن في أخطاء…

ما ينفعش تتصلح.

لكن الإنسان يحاول يخفف أثرها.

—

أما نادين…

فسافرت بعيد.

وبدأت حياة جديدة.

وقبل سفرها…

طلبت تقابلني.

قعدت قدامي…

وقالت:

— أنا استحق كل اللي حصلي.

— بس كنت عايزة أقولك…

أنا كل يوم بندم.

ابتسمت بهدوء.

وقلت:

— الندم الحقيقي…

إن الإنسان يتعلم وما يكرر نفس الغلط.

قامت…

ومشت.

ولم أرها مرة أخرى.

—

وفي مساء هادئ…

كنت قاعدة في جنينة الفيلا.

أمل نايمة على رجلي.

وسليم بيشرب الشاي.

وفجأة…

قال:

— تعرفي يا ليلى…

أنا كنت فاكر إن الفلوس تقدر تشتري كل حاجة.

ابتسمت.

وسألته:

— واكتشفت إيه؟

نظر إلى حفيدته.

ثم إليّ.

وقال:

— اكتشفت إن العمر لما يضيع…

ولا مليارات الدنيا تعرف ترجعه.

سكتنا.

لكن كان سكوتًا مليئًا بالراحة.

—

بعد شهور قليلة…

افتتحنا أول دار مجانية لإيواء السيدات وأطفالهن.

وفي يوم الافتتاح…

وقفت ألقي كلمة قصيرة.

قلت:

— من سنوات…

وقفت قدام بيتي…

وحاجتي كلها كانت مرمية في أكياس زبالة.

افتكرت وقتها…

إن حياتي انتهت.

لكن الحقيقة…

إنها كانت لسه بتبدأ.

كل أزمة…

وراءها فرصة.

وكل ظالم…

مهما طال ظلمه…

هييجي اليوم اللي يقف فيه قدام نفسه…

ويشوف الحقيقة.

والإنسان…

قيمته مش بالبيت اللي ساكن فيه…

ولا بالفلوس اللي معاه…

ولا بالمنصب.

قيمته…

في الرحمة.

وفي الأمانة.

وفي الكلمة الطيبة.

وفي إيده…

لما يمدها لحد وقع.

—

بعد انتهاء الحفل…

جريت أمل نحوي.

وقالت وهي تضحك:

— ماما…

أنا لما أكبر…

هساعد الناس زيك.

حضنتها بقوة.

وبصيت للسماء.

وهمست:

— يا أمي…

وعدك اتحقق.

بنتك ما انكسرتش.

بل قامت…

وصارت سببًا في أن يقف غيرها من جديد.

وفي تلك اللحظة…

ابتسم سليم.

وضمنا نحن الاثنتين.

وغابت الشمس…

على عائلة بدأت يومًا من وجعٍ لا يُحتمل…

وانتهت…

بحبٍ…

وكرامة…

وأمل.

تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *