لعبه بلاستيك حكايات أسما السيد ×4
الجزء التاسع
في صباح اليوم التالي…
سلّم أحمد الصندوق المعدني للنيابة بحضور المحامي.
قال المحامي بوضوح:
— أي شيء يتم العثور عليه في ظروف زي دي، الأفضل يتفتح بشكل رسمي ويتوثق.
وافق الجميع.
وبدأ الموظف المختص يفتح القفل الصدئ بحذر.
بعد دقائق…
انفتح الصندوق.
حبسنا أنفاسنا.
لكن اللي جواه…
ما كانش زي توقعاتنا.
ما كانش فيه ذهب.
ولا اعتراف.
ولا أي دليل يثبت جري*مة.
كان فيه شوية حاجات بسيطة جدًا:
شريط شعر وردي.
رسومات أطفال.
عروسة قماش صغيرة.
وظرف قديم.
فتحوا الظرف.
كان فيه خطاب مكتوب بخط طفلة.
قرأه الموظف بصوت هادئ:
“أنا وماما دفنا صندوق الأسرار تحت الشجرة عشان محدش ياخد لعبي. ولما أكبر هرجع أفتحه.”
ساد الصمت.
بصيت لأحمد.
وقلت:
— يعني الصندوق نفسه مالوش علاقة باختفائها.
هز رأسه.
— غالبًا مجرد صندوق كانت مخبياه وهي صغيرة.
المحامي قال:
— وده يخلينا نركز على الأدلة الحقيقية… مش التخمينات.
خرجنا من النيابة.
وأنا حاسة بإحباط.
كنت فاكرة إن الصندوق هيجاوب على كل الأسئلة.
لكن الحقيقة…
زاد غموضها.
وفي طريق الرجوع…
رن تليفون أحمد.
كان الضابط.
قال:
— عندي خبر يخص قض*ية ليان.
سأل أحمد بسرعة:
— خير؟
قال:
— تقرير فحص موبايل سماح خلص.
وقف أحمد مكانه.
قال:
— وطلع فيه إيه؟
رد الضابط:
— لقينا رسائل بينها وبين والدها بعد الحادث مباشرة.
اتجهنا فورًا إلى القسم.
الضابط فتح نسخة من الرسائل.
وقرأ واحدة منها.
كانت من الحاج محمود:
“امسحي أي حاجة تخص اللي حصل… ومتتكلميش مع حد.”
وردت سماح:
“أنا خايفة.”
ثم رسالة أخرى:
“كلنا هنقول نفس الكلام… إنها شدّت الكوباية بنفسها.”
أغمض أحمد عينيه.
كان واضح إن قراءة الرسائل أصعب عليه من مشاهدة الفيديو.
لأنها أكدت…
إن محاولة إخفاء الحقيقة استمرت حتى بعد إصابة ليان.
وفي نهاية اليوم…
رجعنا البيت.
كانت ليان قاعدة على الكنبة، ماسكة كراسة تلوين.
أول ما شافت أحمد…
جريت عليه ببطء بسبب الضمادات.
وقالت:
— بابا… بص… رسمتك.
ابتسم رغم دموعه.
الرسم كان بسيط.
بيت صغير.
وشمس.
وتلاتة ماسكين إيد بعض.
أنا…
وهو…
وليان.
مفيش حد غيرنا.
ضمها أحمد وقال:
— من النهارده… محدش هيقدر يأذيك وإحنا ساكتين.
ابتسمت ليان…
ورجعت تلوّن الشمس باللون الأصفر.
أما أنا…
فبصيت لأحمد وعرفت إن القض*ية لسه ما خلصتش.
لكن لأول مرة…
بقينا بنواجهها كأسرة واحدة.
يتبع…
الجزء العاشر
مرّت أسابيع…
وقض*ية ليان كانت ماشية في طريقها القانوني.
بقينا نركز على علاجها أكتر من أي حاجة.
كل يوم كانت الضمادات تقل…
لكن آثار الحروق كانت لسه موجودة.
وفي كل مرة تبص في المراية…
كانت تسألني:
— ماما… العلامة دي هتروح؟
أبتسم رغم الوجع وأقول:
— أهم حاجة إنك بقيتي بخير يا حبيبتي.
في المقابل…
كان بيت الحاج محمود بقى فاضي تقريبًا.
الأقارب بقوا يزوروه أقل.
والناس في المنطقة بقت تعرف اللي حصل.
لكن أحمد…
رغم غضبه…
قرر يروح يشوف أبوه.
دخل عليه.
لقاه قاعد لوحده.
قدامه صورة قديمة للعيلة.
قال أحمد:
— ليه يا بابا؟
رفع الحاج محمود عينه.
— ليه إيه؟
— ليه كل مرة كنت تختار تحمي الغلط؟
سكت الرجل طويلًا.
ثم قال:
— كنت فاكر إني بحافظ على العيلة.
رد أحمد:
— العيلة ما بتتحافظش بالكذب.
بتتحافظ بالعدل.
انخفض رأس الأب.
ولأول مرة…
قال كلمة أحمد عمره ما سمعها منه.
— أنا غلطت.
بعد أيام…
وصل تقرير الطبيب النفسي الخاص بليان.
أكد إنها تعرضت لصدمة نفسية نتيجة الواقعة، وإنها تحتاج إلى متابعة حتى تتجاوز خوفها من المشروبات الساخنة والأماكن المزدحمة.
بدأنا بالفعل جلسات العلاج.
وفي أول جلسة…
طلبت الأخصائية من ليان ترسم أكتر حاجة بتخوفها.
رسمت كوبًا بني اللون…
وبجواره بنت صغيرة بتبكي.
أنا ما قدرتش أمسك دموعي.
لكن الأخصائية قالت:
— دي بداية كويسة… لأنها بدأت تعبر عن اللي جواها.
وفي نفس الأسبوع…
اتفاجأنا بيوسف جاي البيت.
كان شايل شنطة صغيرة.
قال لأحمد:
— أنا سبت بيت بابا.
استغرب أحمد.
— ليه؟
قال:
— مقدرتش أعيش في مكان كل ركن فيه بيفكرني بالسكوت.
ابتسم أحمد وربت على كتفه.
— بيتك معانا لحد ما تقف على رجلك.
ابتسم يوسف لأول مرة من يوم الحادث.
وفي مساء هادئ…
كانت ليان بتلعب بالدبدوب اللي يوسف جابه لها في المستشفى.
فجأة قامت، ومشت ناحيتي.
وحطت الدبدوب في حضني.
وقالت:
— ماما… هو الدبدوب زعلان؟
ضحكت وسألتها:
— ليه؟
قالت:
— أصل هو كمان محتاج حضن.
حضنت الدبدوب…
ثم حضنت ليان.
وفي اللحظة دي…
حسيت إن بنتي، رغم كل اللي مرت بيه، لسه محتفظة بقلبها الصغير الطيب.
وده كان أكبر انتصار.
أما القض*ية…
فكانت لسه مستمرة.
لكن الحقيقة الأساسية بقت واضحة بالأدلة والشهادات.
وما عادش فيه مكان للرواية الملفقة اللي حاولوا يفرضوها في أول يوم.
ومع كل جلسة…
كان أحمد يتمسك بإيدي ويقول:
— مهما طال الطريق…
حق ليان هيرجع.
يتبع…
الجزء الحادي عشر
مرّ شهران…
وبدأت آثار الحروق على جسم ليان تخف تدريجيًا.
لكن فيه أثر صغير فضل ظاهر عند رقبتها.
كل ما أشوفه…
أفتكر اليوم اللي حياتنا اتغيرت فيه.
أما ليان…
فبدأت ترجع تضحك وتلعب.
لكنها كانت كل ما تشوف حد ماسك كوب شاي أو قهوة…
ترجع خطوة لورا.
الدكتورة قالت:
— متضغطوش عليها… مع الوقت هتتجاوز خوفها.
في يوم الجلسة الأخيرة…
كانت قاعة المحكمة هادئة.
القاضي استعرض كل الأدلة:
التقرير الطبي.
تسجيل الكاميرا.
شهادات الشهود.
والرسائل التي أظهرت محاولة تغيير رواية الواقعة.
وبعد مداولة…
أصدر حكمه.
أكد أن ما وقع على ليان لم يكن حادثًا عرضيًا، وأن محاولة تضليل التحقيق أمر ثبت من الأدلة المقدمة في القض*ية.
ساد الصمت في القاعة.
وأنا ضميت أحمد.
مش لأننا كسبنا قض*ية…
لكن لأن الحقيقة أخيرًا اتقالت قدام الجميع.
خرجنا من المحكمة.
الصحفيون حاولوا يسألونا.
لكن أحمد اكتفى بجملة واحدة:
— أهم حاجة إن بنتي عرفت إن محدش هيسكت لو حد ظلمها.
ومشينا.
بعد شهور…
رجعنا نزور ليان في أول يوم ليها في الحضانة بعد ما تعافت.
كانت ماسكة شنطتها الصغيرة.
ولابسة فستان أصفر جديد.
مش نفس الفستان القديم…
لكن نفس اللون اللي كانت بتحبه.
وقبل ما تدخل…
لفت ناحيتي.
وقالت:
— ماما…
— نعم يا قلب ماما؟
ابتسمت وقالت:
— أنا بقيت شجاعة.
نزلت على ركبتي.
حضنتها بقوة.
وقلت:
— أيوه يا حبيبتي…
وأقوى كمان.
أما يوسف…
فبدأ حياة جديدة بعيدًا عن بيت العيلة.
وأحمد…
اتعلم إن الوقوف مع الحق أحيانًا بيكون أصعب من أي حاجة تانية.
والحاج محمود…
بقى يقضي أغلب وقته لوحده.
كان يعرف أن أكبر خسارة في حياته…
ما كانتش القض*ية.
كانت إنه خسر ثقة أولاده.
بعد سنة كاملة…
كان عندنا احتفال صغير بعيد ميلاد ليان.
مش في بيت العيلة.
ولا وسط ناس كتير.
كان في حديقة هادئة.
ليان كانت بتجري وتضحك.
وإحنا بنبصلها.
وفجأة…
جريت علينا.
ومدت إيدها الصغيرة.
وقالت:
— يلا… نصور صورة كلنا.
وقفنا جنب بعض.
وأخدنا الصورة.
ولما بصيت فيها بعد كده…
افتكرت أول صورة اتصورت بعد الحادث في المستشفى.
فرق كبير.
هناك…
كان فيه خوف وألم.
أما هنا…
فكان فيه أمان.
وهكذا انتهت الحكاية.
مش لأن اللي حصل اتنسى…
لكن لأن الحقيقة ظهرت، والحق أخد طريقه، وليان كبرت وهي عارفة إن فيه أهل وقفوا يحموها، مهما كان الثمن.