اكبر عيله في البلد حكايات أسما ×3
الجزء السابع
اتجمدت ريم مكانها أول ما سمعت صوت الزجاج وهو بيتكسر. قربت ابنها من صدرها أكتر، وبصت لسيف وهي بتحاول تمنع نفسها من الصريخ. أما سيف فمد إيده بسرعة، وقفل الباب الحديدي الصغير قبل ما الرجال يدخلوا.
همس لها وهو بيبص حواليه:
“في باب خلفي للمكتبة؟”
هزت ريم رأسها بسرعة وقالت:
“في ممر صغير ورا المخزن… بس بقاله سنين مقفول.”
قرب منها وقال:
“خدي الولد وادخلي المخزن. مهما حصل، ماتطلعيش غير لما أنادي عليكي.”
مسكت دراعه بخوف وقالت:
“وأنت هتعمل إيه؟”
رد وهو بيحاول يبان ثابت:
“هحاول أعطلهم لحد ما تفتحي الباب الخلفي.”
ريم ماكانتش عايزة تسيبه، لكن صوت خطوات الرجال كان بيقرب، فاضطرت تجري ناحية المخزن وهي شايلة الطفل. أول ما اختفت ورا الباب، دخل ثلاثة رجال إلى المكتبة. كانوا لابسين هدوم سودا، وعلى وشوشهم نظرات قاسية.
وقف واحد منهم قدام سيف وقال:
“فين الحاجة اللي لقيتوها؟”
سيف رفع حاجبه وقال ببرود:
“مش فاهم بتتكلم عن إيه.”
الرجل قرب منه وقال:
“بلاش تضيع وقتنا. إحنا عارفين إن المستشار قال لك تيجي هنا.”
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة وقال:
“واضح إنكم عارفين كتير… إلا الحاجة الوحيدة اللي محتاجينها.”
ضربه الرجل في بطنه فجأة، فانحنى سيف من شدة الألم، لكن قبل ما يقع دفعه بكتفه، وخطف منه العصا اللي في إيده. حصل اشتباك عنيف وسط المكتبة، ووقعت كتب كتير على الأرض، واتكسرت طاولة خشب قديمة.
سيف قدر يضرب أول رجل، لكن الاتنين التانيين هجموا عليه. واحد مسكه من ضهره، والتاني حاول يضربه في وشه. سيف قاوم بكل قوته، لكنه كان عارف إنه مش هيقدر عليهم كتير.
في نفس الوقت كانت ريم داخل المخزن، بتحاول تفتح الباب الخلفي بإيد، وشايلة الطفل بالإيد التانية. الباب كان صدي ومقفول بمزلاج قديم. حاولت تشده، لكنه ما اتحركش.
صوت الضرب برا كان بيوصل لها واضح.
حطت الطفل على كرتونة قديمة، ولفته بجاكتها، وبعدين استخدمت قطعة حديد كانت مرمية جنب الحائط. فضلت تضرب بيها على المزلاج لحد ما بدأ يتحرك.
برا، أحد الرجال قدر يوقع سيف على الأرض. وقف فوقه وقال:
“آخر مرة هسألك… الباب السري فين؟”
سيف مسح الدم من جنب شفته وقال:
“حتى لو عرفته… مش هتعرف تفتحه.”
الرجل رفع رجله علشان يضربه، لكن فجأة سمعوا صوت إنذار قوي جاي من الشارع. كانت ريم قدرت توصل لزر الطوارئ القديم المتوصل بقسم الشرطة القريب، وضغطت عليه قبل ما تفتح الباب الخلفي.
ارتبك الرجال.
قال واحد منهم:
“لازم نمشي.”
لكن قائدهم بص لسيف وقال:
“مفيش خروج من غير المستندات.”
في اللحظة دي، خرجت ريم من المخزن وهي ماسكة قطعة الحديد، وضربت الرجل اللي واقف فوق سيف على كتفه بكل قوتها. وقع الرجل وهو بيصرخ، وسيف قام بسرعة وخطف منه السلاح اللي كان مخبيه تحت الجاكت.
وجهه ناحية الباقيين وقال:
“كفاية لحد كده.”
الرجال اتراجعوا للحظات، لكن قائدهم ابتسم وقال:
“إنت مش هتضرب. أنت طول عمرك أضعف من إنك تاخد قرار.”
سيف بصله بتركيز، ولأول مرة لاحظ حاجة في صوته. الصوت ده كان مألوف. قرب منه خطوة وقال:
“إحنا اتقابلنا قبل كده.”
الرجل سكت.
سيف كمل:
“كنت بتشتغل في أمن شركة أبويا.”
اتغيرت ملامح الرجل، ففهم سيف إنه أصاب الحقيقة.
قال له:
“فارس هو اللي باعتك، صح؟”
الرجل ما ردش، لكنه اندفع فجأة ناحية سيف. حصل اشتباك سريع، وانطلقت طلقة استقرت في سقف المكتبة. صرخت ريم، والطفل بدأ يعيط.
بعد ثواني، دوى صوت سيارات الشرطة في الشارع. هرب رجلان من النافذة المكسورة، أما قائدهم فوقع على الأرض بعد ما ضربه سيف في رأسه بمقبض السلاح.
دخل رجال الشرطة بسرعة، وسيطروا على المكان. ريم جريت ناحية طفلها وشالته، بينما سيف وقف يلتقط أنفاسه.
ضابط الشرطة قرب منه وقال:
“مين الناس دي؟”
سيف بص للرجل المغمى عليه وقال:
“واحد منهم كان موظف عندنا. واللي باعتهم غالبًا شخص من عيلتي.”
نقلوا الرجل للمستشفى تحت الحراسة، وبعد ما الشرطة مشيت، رجع سيف وريم ناحية الباب الحديدي.
ريم كانت لسه مرعوبة، لكنها قالت:
“لازم نعرف بابا كان مخبي إيه. كل اللي حصل ده معناه إن اللي جواه مهم.”
حاول سيف فتح الباب، لكنه كان محتاج رقم سري. بصوا حواليهم، لكن ماكانش فيه أي علامة.
افتكرت ريم الدفتر القديم، ورجعت جابته. بدأت تقلب الصفحات لحد ما وقفت عند صفحة مكتوب فيها تاريخ ميلادها وتاريخ وفاة أمها.
قالت:
“بابا كان دايمًا بيقول إن أهم يومين في حياته هما اليوم اللي اتولدت فيه واليوم اللي فقد فيه أمي.”
جمع سيف الرقمين، وجربهم على لوحة المفاتيح الصغيرة.
صدر صوت خافت، واتفتح الباب الحديدي ببطء.
وراه كان فيه تجويف واسع داخل الحائط، فيه ملفات وصناديق صغيرة وكاميرا فيديو قديمة ومجموعة شرائط تسجيل.
سحبت ريم أول ملف. كان مكتوب عليه اسم الحاج عبدالجبار المنياوي.
فتحت الملف، وبدأت تقرأ.
كان فيه عقد شراكة قديم بين والدها والحاج عبدالجبار. العقد بيثبت إن والد ريم ماكانش مجرد موظف، لكنه كان شريكًا أساسيًا في أول شركة أسسها عبدالجبار. وكان يملك نسبة كبيرة من الأسهم، لكن بعد وفاته اختفت الأوراق الأصلية، واتسجلت الأسهم باسم شخص تاني.
سيف أخذ الورقة منها، وقرأ الاسم المكتوب في آخر الصفحة.
الاسم كان والد فارس.
رفع عينه لريم في ذهول وقال:
“فارس مش أخويا من أمي وأبويا زي ما كنت فاكر.”
ريم سألته باستغراب:
“يعني إيه؟”
رد سيف وهو بيقلب الملفات:
“أبويا اتجوز قبل أمي، لكن الجوازة انتهت بسرعة. فارس اتربى في بيتنا، وعمري ما حسيت إنه مختلف. أبوه الحقيقي مات وهو صغير، وأبويا سجله باسمه ورباه زينا.”
واصل سيف قراءة المستندات، واكتشف إن والد فارس كان هو المسؤول عن الحسابات وقت تأسيس الشركة. استغل مرض والد ريم، وزور توقيعه، ونقل الأسهم لنفسه. وبعد موته انتقلت الأوراق والأموال إلى فارس، اللي فضل سنين يخفي الحقيقة عن العيلة.
لكن المستند الأخطر كان خطابًا مكتوبًا بخط والد ريم.
فتحته ريم وبدأت تقرأ بصوت مرتعش:
“يا عبدالجبار… لو قريت الخطاب ده، يبقى أنا ماقدرتش أوصلك الحقيقة بنفسي. الشخص اللي وثقت فيه سرقنا إحنا الاتنين. أنا ماطلبتش منك فلوس، وكل اللي كنت عايزه إن حق بنتي ما يضيعش. ريم هي الوريثة الشرعية لنصيبي في الشركة، وكل المستندات اللي تثبت ده موجودة في الخزنة.”
وقعت الورقة من إيد ريم.
بصت لسيف وهي مش مصدقة وقالت:
“يعني أنا ليا حق في شركة عيلتكم؟”
رد سيف:
“مش حق بسيط… النسبة المكتوبة هنا تخليكي من أكبر المساهمين.”
قعدت ريم على الكرسي وهي حاضنة ابنها. حياتها كلها كانت مبنية على إنها بنت رجل فقير مات وسابها تصارع لوحدها، وفجأة اكتشفت إن أبوها كان شريكًا في إمبراطورية كبيرة، وإن حد سرق حقه.
لكن قبل ما يستوعبوا الصدمة، رن موبايل سيف.
كان المستشفى.
رد بسرعة، وجاله صوت والدته وهي بتعيط:
“الحق يا سيف… أبوك اختفى.”
وقف سيف فجأة وقال:
“اختفى إزاي؟”
قالت بصوت متقطع:
“الممرضة دخلت الأوضة مالقتهوش. والكاميرات اتقفلت عشر دقايق. وفارس كمان مش موجود.”
بص سيف لريم، وفهموا في نفس اللحظة إن فارس عرف إن الحقيقة اتكشفت، وإنه قرر ياخد الحاج عبدالجبار قبل ما يقدر يشهد ضده.
في مخزن بعيد على أطراف المدينة، كان الحاج عبدالجبار مربوطًا على كرسي. حالته الصحية كانت ضعيفة، لكنه كان واعيًا.
وقف فارس قدامه وقال بابتسامة باردة:
“كنت أتمنى ما تفوقش يا حاج.”
رفع عبدالجبار رأسه بصعوبة وقال:
“أنا ربيتك زي ابني.”
ضحك فارس وقال:
“وأنا فضلت طول عمري عايش في ضل سيف. كل حاجة كانت ليه. الاسم والشركة وحب الناس. وأنا كنت دايمًا الاحتياطي.”
قال عبدالجبار:
“أنا ما فرقتش بينكم.”
صرخ فارس:
“لأ… فرقت. حتى لما كنت أنجح، كنت تقول سيف يتعلم منك. ولما سيف يغلط، كنت تسامحه وتقول ده وريثي.”
قرب فارس منه وقال:
“دلوقتي أنا اللي هبقى الوريث الوحيد.”
نظر له عبدالجبار باحتقار وقال:
“الوريث مش اللي يسرق… الوريث اللي يحافظ على اسم العيلة.”
رفع فارس هاتفه، وفتح فيديو مباشر، وظهر فيه سيف وريم وهما واقفين داخل المكتبة.
قال فارس:
“ابنك ومراته لقوا الأوراق. لكنهم مش هيتهنوا بيها.”
ضغط على زر في الهاتف، فظهر عداد تنازلي على الشاشة.
وفي المكتبة، بدأ سيف يسمع صوت صفير صغير جاي من داخل أحد الصناديق.
فتح الصندوق بسرعة، واتجمد مكانه.
كان فيه جهاز صغير متصل بالأسلاك، وعلى شاشته عداد بينزل بسرعة.
بص لريم وقال:
“اخرجي فورًا.”
سألته بخوف:
“في إيه؟”
صرخ لأول مرة:
“خدي الطفل واجري… المكتبة كلها هتنفجر.”
الجزء الثامن
ريم ما سألتش تاني.
حضنت ابنها بكل قوتها، وجريت ناحية الباب وهي بتبكي.
أما سيف ففضل واقف قدام الجهاز، وعينه على العداد اللي كان بينزل بسرعة.
عشرون ثانية.
تسعتاشر.
تمانتاشر.
بص حواليه بسرعة.
الجهاز كان متوصل بسلكين داخلين في الصندوق الخشبي.
افتكر كلام أبوه زمان لما كان ياخده معاه مواقع الإنشاءات، ويشرح له أساسيات أنظمة الإنذار.
ركع على ركبته، وبدأ يفحص التوصيلات.
برا المكتبة…
كانت ريم وصلت للعربية وهي بتصرخ على الناس يبعدوا.
اتجمع عدد من المارة، وفي نفس اللحظة وصلت أول عربية شرطة.
ضابط نزل بسرعة وقال:
“فين جوزك؟”
ردت وهي بتبكي:
“لسه جوه.”
الضابط جري ناحية الباب، لكن سيف خرج في اللحظة دي وهو شايل الصندوق بين إيديه.
صرخ بأعلى صوته:
“كله يبعد.”
جرى لآخر الشارع، وحط الصندوق داخل أرض فاضية تحت الإنشاء.
وبعد ثانيتين…
دوى انفجار هائل.
كتلة نار ارتفعت في الهوا، واتكسرت إزاز العربيات اللي كانت واقفة قريب.
سقط سيف على الأرض من قوة الانفجار، لكنه كان واعيًا.
جريت ريم عليه وهي بتحضنه.
كانت أول مرة من سنة كاملة تحس إنه اختارها هي وابنهم قبل أي حاجة تانية.
بعد دقائق…
وصلت قوات المفرقعات.
بدأوا يعاينوا بقايا الجهاز.
اقترب خبير المفرقعات من سيف وقال:
“اللي صنع القنبلة دي محترف.”
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
“ولو كنت اتأخرت خمس ثواني… المكان كله كان اختفى.”
في الوقت نفسه…
كان فارس بيتابع الأخبار من شاشة صغيرة داخل المخزن.
أول ما شاف سيف خارج حي، رمى الكوباية اللي في إيده على الأرض.
وقال بغضب:
“إزاي عاش؟”
دخل عليه الرجل اللي كان بيساعده وقال:
“نغير الخطة.”
رد فارس بعصبية:
“الخطة اتغيرت خلاص.”
بص ناحية الحاج عبدالجبار، وقال بابتسامة باردة:
“دلوقتي الدور عليك.”
رفع مسدسه، ووجهه ناحية والده.
لكن قبل ما يضغط على الزناد…
وصله إشعار على موبايله.
فتح الرسالة.
كانت عبارة عن صورة.
الصورة للحاج عبدالجبار وهو شاب، واقف جنب والد ريم، وخلفهم خزنة حديدية كبيرة.
ومكتوب تحتها:
“لسه فيه خزنة محدش وصلها.”
اتجمد فارس.
كان متأكد إن كل المستندات خرجت من المكتبة.
لكن الرسالة معناها إن لسه فيه سر أكبر.
في الناحية التانية…
كان سيف قاعد في قسم الشرطة بيدي أقواله.
دخل أحد الضباط وقال:
“في حاجة لازم تشوفها.”
فتح شاشة الكمبيوتر.
ظهرت لقطات من كاميرات المراقبة حوالين المكتبة.
الكاميرا جابت العربية اللي نزل منها الرجال.
لكن المفاجأة…
إن السواق أول ما نزل من العربية، رفع وشه للحظة.
سيف قرب من الشاشة.
وعينيه وسعت من الصدمة.
قال بصوت منخفض:
“مستحيل…”
الضابط سأله:
“تعرفه؟”
رد سيف وهو لسه مصدوم:
“ده مش غريب…”
“ده مدير مكتب أبويا… الراجل اللي شغال معانا من أكتر من عشرين سنة.”
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف الضابط.
رد، ثم تغيرت ملامحه فجأة.
بص لسيف وقال:
“لقينا مكان إشارة موبايل فارس.”
وقف سيف بسرعة.
“فين؟”
رد الضابط:
“في مصنع قديم خارج المدينة.”
في نفس اللحظة…
داخل المصنع المهجور…
ابتسم فارس وهو بيبص للحاج عبدالجبار.
وقال بهدوء:
“واضح إنهم قربوا يوصلوا.”
ثم ضغط زرًا بجوار الكرسي.
وفجأة…
بدأت أرضية المخزن تتحرك ببطء، وانفتح باب سري تحت أقدام الحاج عبدالجبار، بينما كان الكرسي ينزل تدريجيًا إلى سرداب مظلم لا يظهر له أي نهاية.
يتبع