سرقة قلب حكايات اسما 3
الجزء السابع
ساد الصمت داخل البيت الريفي.
كل واحد فيهم كان ماسك سلا..حه.
وياسين وقف قدام الباب وقال بحزم:
— محدش يفتح.
ليان كانت عينيها معلقة بالشاشة.
الست الكبيرة واقفة برا.
وشكلها هادئ بشكل غريب.
لا حراسها مصوبين سلا..ح.
ولا حد بيحاول يقتحم المكان.
بعد لحظات…
سمعوا صوتها تاني عبر مكبر الصوت.
— يا ليان… لو كنت جاية أقتلك… كنت ضربت البيت من أول دقيقة.
نبيل همس:
— متسمعيش كلامها.
لكن ليان كانت حاسة إن في حاجة ناقصة.
كل الأحداث الأخيرة كانت بتقول إن الشبكة فيها صراع من الداخل.
قالت بهدوء:
— هنسمعها… بس من غير ما ندخلها.
فتح ياسين فتحة صغيرة في الباب الحديدي.
وقال بصوت حاد:
— عندك دقيقتين.
ابتسمت المرأة.
وأخرجت ملفًا قديمًا.
رفعته قدام الكاميرا.
— الملف ده… والدك سابه عندي قبل ما يموت.
ليان اتجمدت.
قالت المرأة:
— اسمي نادية المنصور.
وأنا فعلًا كنت شريكة في تأسيس الشبكة.
لكن من عشر سنين…
انسحبت.
نبيل صرخ:
— كذابة!
ردت بهدوء:
— لو كنت كذابة… ماكنتش هفضل مستخبية كل السنين دي.
ثم نظرت مباشرة إلى ليان.
— أبوكي هو اللي خباني.
ليان همست:
— بابا؟
هزت نادية رأسها.
— لأنه اكتشف إن المستشار فؤاد قرر يتخلص من كل الشركاء القدامى.
وأنا كنت أول واحدة على القائمة.
فتحت الملف.
وأخرجت صورة قديمة.
كانت الصورة لوالد ليان…
واقف جنب نادية…
وجنبهما رجل ثالث.
وجهه واضح.
لكن ليان ماعرفتهوش.
سألت:
— مين ده؟
نادية تنهدت.
— ده مؤسس الشبكة الحقيقي.
مش فؤاد.
ولا أنا.
ولا آدم.
آدم مجرد موظف صغير بالنسبة له.
نبيل سأل:
— اسمه إيه؟
سكتت ثواني.
ثم قالت:
— الدكتور سامر الكيلاني.
ريم شهقت.
— مستحيل!
كلهم بصوا لها.
قالت:
— الدكتور سامر مات من خمسة عشر سنة.
ردت نادية بابتسامة حزينة:
— ده اللي خلاكم تصدقوا إنكم بأمان.
في اللحظة دي…
رن هاتف ليان.
رقم مجهول.
ردت بحذر.
جالها صوت هادئ جدًا.
— مساء الخير يا ليان.
عرفت الصوت فورًا.
آدم.
قالت ببرود:
— عايز إيه؟
ضحك.
— جايلك أحذرك.
استغربت.
— تحذرني؟
— أيوه.
الست اللي واقفة عندك…
لو دخلت…
مش هتخرجي عايشة.
ليان ردت بسرعة:
— دي قالت إنها جاية تنقذني.
آدم سكت ثواني.
ثم قال:
— لأنها السبب في كل اللي حصل من البداية.
قبل ما ليان ترد…
انقطع الاتصال.
وفي نفس اللحظة…
سمعوا صوت رصاص كثيف في الخارج.
ياسين جرى للشاشة.
وقال:
— في قناصة!
على بعد مئات الأمتار…
كان رجال مجهولون بيفتحوا النار على سيارات نادية.
رجالها ردوا بإطلاق النار.
وفي أقل من دقيقة…
تحول المكان إلى ساحة معركة.
ليان صرخت:
— مين بيضرب مين؟
ريم كانت تراقب الكاميرات.
ثم قالت بصدمة:
— دول مش رجال فؤاد…
ولا رجال نادية.
كل الأنظار اتجهت للشاشة.
سيارة سوداء ضخمة توقفت بعيدًا.
نزل منها رجل طويل.
يرتدي بدلة سوداء.
ونظارة داكنة.
كل المهاجمين وقفوا فجأة…
وكأنهم بينفذوا أوامره.
نادية أول ما شافته…
اتغير لون وشها.
وتراجعت خطوة للخلف.
وقالت بصوت مرتجف لأول مرة:
— لا…
مش ممكن…
ليان سألت:
— تعرفيه؟
نادية كانت بتبص للرجل وكأنها شافت شبحًا.
ثم همست:
— الدكتور سامر…
إحنا دفناه بإيدينا…
إزاي رجع؟
الرجل خلع النظارة ببطء…
وابتسم.
لكن قبل أن يتكلم…
الفصل الأخير
وقف الرجل أمام السيارات…
خلع نظارته ببطء.
حدق فيه الجميع.
أما نادية…
فكانت أول من تكلم.
قالت وهي ترتجف:
— سامر…؟
الرجل هز رأسه بهدوء.
— لا.
اقترب خطوة.
— أنا سليم الكيلاني… أخوه التوأم.
ساد الصمت.
نظر إلى ليان وقال:
— أخويا سامر مات فعلًا من خمس عشرة سنة.
فتح حقيبة جلدية كانت معه.
وأخرج شهادة وفاة أصلية…
وتقرير الطب الشرعي.
ثم قال:
— لكن قبل ما يموت سلمني كل حاجة… لأنه عرف إن المستشار فؤاد هيقتله بعد ما يخلص شغله.
تنهد وأكمل:
— ومن يومها وأنا متخفي… بجمع الأدلة لحد ما ييجي الوقت المناسب.
دخل سليم إلى البيت.
وضع أمامهم عشرات الملفات.
وقال:
— والدك كان بيشتغل معايا في السر.
نبيل سأله:
— ليه ما ظهرتش من بدري؟
رد بحزن:
— لأن أي خطوة غلط كانت هتخليهم يقتلوا ليان.
فتح أحد الملفات.
كانت فيه تحويلات مالية.
وعقود مزورة.
وتسجيلات اجتماعات.
وأوامر مكتوبة بخط المستشار فؤاد.
ثم فتح تسجيلًا صوتيًا.
خرج صوت فؤاد واضحًا:
“خلصوا من ليان بعد نقل الصندوق الاستثماري… وآدم هياخد الميراث.”
ليان أغمضت عينيها.
كل الشكوك بقت حقيقة.
قال سليم:
— دلوقتي بقى عندنا الأدلة الكاملة.
نبيل ابتسم لأول مرة.
— يعني نقدر نخلص الموضوع بالقانون.
هز سليم رأسه.
— أيوه…
لكن لازم نتحرك قبل ما يهربوا.
في صباح اليوم التالي…
توجه الجميع إلى مقر النيابة.
وكان معهم نسخ متعددة من كل الأدلة.
وأرسلوا نسخة إلى هيئة الرقابة.
ونسخة إلى البنك.
ونسخة إلى وسائل الإعلام.
بحيث لو اختفت نسخة…
تبقى الباقي موجود.
بعد ساعات…
خرج خبر عاجل على كل القنوات.
القبض على المستشار فؤاد الجندي بتهم غسل الأموال، والتلاعب في قضايا الميراث، والاشتراك في شبكة فساد طبي.
ثم خبر آخر…
القبض على الدكتورة سارة، والممرضة لارا، وعدد من العاملين بالمستشفى.
أما آدم…
فحاول الهرب عبر المطار.
لكن الشرطة كانت في انتظاره.
قيدوا يديه أمام الجميع.
ولما لمح ليان واقفة بعيد…
صرخ:
— سامحيني… أنا كنت مضغوط!
نظرت إليه ليان بهدوء.
وقالت:
— لا…
إنت كنت طماع.
وأبويا كان شايف حقيقتك من زمان…
وأنا اللي اتأخرت في رؤيتها.
أدار رجال الشرطة آدم بعيدًا.
وكان ذلك آخر لقاء بينهما.
بعد شهور…
صدر الحكم.
السجن المؤبد على المستشار فؤاد باعتباره قائد شبكة الفساد.
وأحكام طويلة على كل من اشترك معه.
وتمت مصادرة الأموال غير المشروعة.
وأُعيدت حقوق كثير من أسر الضحايا.
أما ليان…
فاستعادت شركتها كاملة.
وألغت كل التوكيلات التي كانت باسم آدم.
وقررت تحويل جزء كبير من ثروتها إلى مؤسسة خيرية تحمل اسم والدها.
كانت المؤسسة تتكفل بعلاج المرضى غير القادرين…
وتقدم منحًا للطلاب…
حتى لا يستغل أحد حاجتهم مرة أخرى.
في مساء هادئ…
وقفت ليان أمام قبر والدها.
وضعت باقة من الزهور البيضاء.
وقالت بابتسامة امتزجت بالدموع:
— اطمن يا بابا…
حقك رجع.
وحق الناس رجع.
وأخيرًا…
عرفت إن القوة مش في الفلوس…
القوة في الحقيقة.
غادرت المقبرة بخطوات ثابتة…
هذه المرة لم تكن تهرب من أحد.
بل كانت تبدأ حياة جديدة…
بعيدة عن الخوف…
ومليئة بالسلام.الخاتمة
مرت ثلاث سنوات…
وأصبحت قصة ليان حديث الناس.
لكنها لم تعد تُعرف بصاحبة الميراث الكبير…
ولا بالمرأة التي نجت من مؤامرة قتل.
بل عُرفت بأنها السيدة التي كشفت شبكة فساد أنقذت بعدها حياة عشرات الأبرياء.
في صباح يوم مشمس…
وقفت أمام المبنى الجديد الذي حمل اسم والدها:
“مؤسسة عادل الخطيب للرعاية الطبية والعدالة الإنسانية.”
ابتسمت وهي ترى المرضى يدخلون لتلقي العلاج مجانًا.
تذكرت الليلة التي استلقت فيها على سرير العمليات، وهي تظن أن حياتها انتهت.
لم تكن تعرف أن تلك الليلة ستكون بداية ولادة جديدة.
اقترب منها نبيل وقال مبتسمًا:
— والدك كان هيفخر بيكي.
رفعت عينيها إلى السماء وقالت بهدوء:
— الفضل لله… ثم لدعواته.
غادرت المكان بقلب مطمئن…
وقد أدركت أن الخيانة قد تهزم الإنسان مؤقتًا…
لكن الحقيقة، مهما طال الزمن، تجد دائمًا طريقها إلى النور.
النهاية.
تمت.