الهروب حكـايات أسمـا السيـد ×5

الفصل العاشر
ساد الصمت داخل القصر بعد سماع الخبر.
اختفى إبراهيم…
وكأن الأرض انشقت وابتلعته.
أغلق يوسف الهاتف ببطء، ثم قال:
“الشرطة فتشت القصر كله.”
“المكاتب… المخازن… حتى الجراج.”
“ملقوش أي أثر.”
قطب سليم حاجبيه.
“كاميرات المراقبة؟”
أجاب يوسف:
“اتمسحت.”
“كل التسجيلات قبل وصول الشرطة بعشرين دقيقة اختفت.”
تنهد سليم.
“يعني كان عارف إنهم جايين.”
رفع العم حسن رأسه فجأة.
وقال:
“يبقى لسه عنده حد جوه.”
نظر الجميع إليه.
قال:
“واحد بينقل له كل خطوة.”
…
في صباح اليوم التالي…
بدأت القنوات الإخبارية تتحدث عن القضية.
“اختفاء رجل الأعمال إبراهيم الدمنهوري بعد اتهامات خطيرة.”
“النيابة تحقق في مستندات جديدة.”
“مصادر تؤكد وجود تسجيلات قد تقلب القضية.”
لكن اسم إيمان لم يُذكر.
بناءً على طلب سليم…
حُجبت هويتها بالكامل حفاظًا على سلامتها.
…
كانت إيمان تجلس في مكتبة القصر.
أمامها صندوق صغير يحوي متعلقات والدها.
ساعة يد قديمة.
قلم حبر.
ونظارة طبية.
أخذت الساعة بين يديها.
وتذكرت آخر مرة رأته فيها.
كان يبتسم رغم تعبه.
وقال لها:
“لو في يوم حسيتِ إن الدنيا كلها ضدك…”
“متبيعيش ضميرك علشان ترتاحي.”
“الراحة الحقيقية… إنك تنامي وإنتِ مظلمتيش حد.”
انهمرت دموعها.
دخل سليم بهدوء.
لم يتكلم.
جلس بجوارها.
وبعد لحظات قال:
“أبوك كان راجل عظيم.”
ابتسمت وسط دموعها.
“كنت صغيرة…”
“مكنتش فاهمة ليه كان بيقول إن الحق بيتأخر.”
نظر إليها.
“لأن الحق…”
“أوقات بيحتاج ناس تكمله.”
…
في الوقت نفسه…
داخل مخزن قديم على أطراف المدينة.
فتح إبراهيم عينيه ببطء.
كان يجلس أمام طاولة خشبية.
وبجواره حقيبة سوداء.
دخل رجل ملثم.
وقال:
“الدنيا كلها بتدور عليك.”
ابتسم إبراهيم.
“يدوروا.”
“مش هيلاقوني.”
جلس الرجل أمامه.
“لكن الفلاشة ظهرت.”
هز إبراهيم رأسه.
“عارف.”
“وعارف كمان إن النسخة اللي معاهم…”
“مش كاملة.”
نظر إليه الرجل باستغراب.
“إزاي؟”
أخرج إبراهيم صورة قديمة.
كانت لرجل يقف بجواره قبل ثلاثين عامًا.
وأشار إليه.
“لأن اللي سجل التسجيلات…”
“كان بيسجل على جهازين.”
“ونسخة منهم…”
“اختفت قبل وفاة والد إيمان.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“والنسخة دي…”
“فيها الاسم اللي مستحيل يطلع.”
…
في القصر…
وصل خبير الأدلة الرقمية.
أخذ وحدة التخزين.
ووصلها بجهاز الكمبيوتر.
ظهرت عشرات الملفات.
بدأ يفتحها واحدًا تلو الآخر.
تسجيلات صوتية.
صور.
نسخ من عقود.
ثم توقف عند ملف يحمل اسمًا غريبًا:
“الاجتماع الأخير.”
ضغط تشغيل.
خرج صوت والد إيمان واضحًا.
“أنا سجلت الكلام ده…”
“لأن لو حصلي حاجة…”
“الناس تعرف مين السبب.”
ثم جاء صوت إبراهيم.
“اطمن…”
“ولا قاضي في البلد هيقدر يقرب مني.”
ابتسم يوسف.
“دي لوحدها كفاية.”
لكن الخبير لم يبتسم.
قال:
“استنوا.”
ضغط على الملف مرة أخرى.
ثم عبس.
“آخر دقيقة من التسجيل…”
“محذوفة.”
نظر إليه سليم.
“تقدر ترجعها؟”
أجاب:
“هحاول.”
…
مرت ساعات.
كان الجميع ينتظر.
وأخيرًا…
قال الخبير:
“رجعت جزء منها.”
ضغط تشغيل.
خرج صوت مشوش.
ثم أصبح أوضح تدريجيًا.
كان صوت إبراهيم يقول:
“الموضوع مش هيقف عند المحاسب…”
“لازم…”
انقطع الصوت.
ثم عاد.
“حتى لو اضطريت أخلص من…”
تشويش.
ثم…
ظهر اسم واحد فقط.
“…المستشار عادل.”
تبادل الجميع النظرات.
قال يوسف:
“مين المستشار عادل؟”
لكن سليم…
تغير لون وجهه فجأة.
قال بصوت منخفض:
“مش ممكن…”
سألته إيمان:
“إنت تعرفه؟”
رفع رأسه ببطء.
وقال:
“المستشار عادل…”
“هو القاضي اللي كان بيحقق في قضية أختي نور…”
“ومات بعدها بأسبوع…”
ساد صمت ثقيل.
ثم وقف سليم وهو يقبض على الملف بقوة.
وقال:
“يبقى اللي حصل لنور…”
“مكنش حادث منفصل.”
“ولا اللي حصل لوالدك.”
“كل القضايا دي…”
“خيط واحد.”
“وإبراهيم هو طرف فيه.”
وفي تلك اللحظة…
دخل أحد الحراس مسرعًا.
وقال وهو يلهث:
“يا فندم…”
“في واحدة برا القصر…”
“بتقول إنها مرات إبراهيم الدمنهوري السابقة…”
“وعايزة تقابل حضرتك فورًا.”
ثم أضاف الجملة التي جعلت الجميع يلتفت إليه:
“بتقول إنها معاهـا دليل…”
“هيودّي إبراهيم للسجن مدى الحياة.”
يتبع…
الفصل الحادي عشر
نظر سليم إلى الحارس لثوانٍ دون أن يجيب.
ثم قال بهدوء:
“دخلها.”
بعد دقائق…
دخلت امرأة في بداية الستينيات.
كانت ترتدي ملابس بسيطة، وعلى وجهها آثار سنوات طويلة من التعب.
لم تكن تشبه الصورة التي رسمها الجميع في خيالهم لزوجة رجل أعمال ثري.
كانت تحمل حقيبة جلدية قديمة، وتتشبث بها بقوة.
توقفت عند الباب.
ثم قالت بصوت خافت:
“أنا اسمي نادية.”
“وكنت زوجة إبراهيم الدمنهوري.”
ساد الصمت.
أشار لها سليم بالجلوس.
لكنها بقيت واقفة.
قالت:
“أنا مش جاية أرتاح.”
“أنا جاية أصلح غلطة سكتُّ عليها سنين.”
نظر إليها العم حسن بتركيز.
ثم همس:
“أفتكرك…”
التفتت إليه.
وبمجرد أن رأته…
اغرورقت عيناها بالدموع.
“عم حسن…”
“لسه عايش.”
ابتسم بحزن.
“ربنا كتبلي عمر.”
تنهدت نادية.
“يبقى ربنا كاتب إن الحقيقة تطلع.”
…
وضعت الحقيبة على الطاولة.
وأخرجت منها ملفًا سميكًا.
ثم صورة قديمة.
التقطها سليم.
كانت الصورة تجمع إبراهيم…
ووالد إيمان…
ورجلًا ثالثًا.
سأل:
“مين ده؟”
أجابت:
“شريكهم الأول.”
“اسمه عادل منصور.”
شهقت إيمان.
“المستشار عادل؟”
هزت نادية رأسها.
“لأ.”
“قبل ما يبقى مستشار…”
“كان محامي.”
“وبعدها دخل القضاء.”
قطب سليم حاجبيه.
“يعني كانوا أصحاب.”
قالت:
“أكتر من أصحاب.”
“كانوا أسسوا شركة صغيرة مع بعض.”
فتحت الملف.
وأخرجت عقدًا قديمًا.
“الشركة دي…”
“كانت البداية.”
…
بدأت نادية تحكي.
قبل ثلاثين عامًا…
كان إبراهيم مجرد رجل أعمال صغير.
احتاج إلى رأس مال.
فشاركه والد إيمان.
وشاركه عادل.
لكن بعد نجاح الشركة…
قرر إبراهيم أن يستولي على كل شيء.
بدأ يزور العقود.
وينقل الملكيات باسمه.
ولما اكتشف الشريكان الحقيقة…
بدأت التهديدات.
قالت نادية وهي تبكي:
“كنت بسمع كل حاجة.”
“وكان يقولي…”
“اللي يقف في طريقي… يختفي.”
…
نظر سليم إلى الأوراق.
كلها تحمل توقيعات.
وأختامًا رسمية.
قال يوسف:
“دي كفاية لإعادة فتح ملفات قديمة.”
لكن نادية هزت رأسها.
“دي مش أهم حاجة.”
ثم أخرجت ظرفًا صغيرًا.
كان بداخله مفتاح.
يشبه المفتاح الذي وجدته إيمان…
لكن حجمه أكبر.
قالت:
“المفتاح ده…”
“لفتحة موجودة في مكتبه القديم.”
نظر إليها سليم.
“وليه محتفظة بيه؟”
أجابت:
“لأن قبل ما أهرب منه…”
“سمعته بيقول…”
“لو الورق كله اتكشف…”
“الدفتر الأسود عمره ما يقع في إيد حد.”
…
تجمد العم حسن.
ثم ضرب بيده على الطاولة.
“الدفتر الأسود!”
نظر الجميع إليه.
قال بسرعة:
“الصندوق!”
فتح سليم الصندوق الحديدي مرة أخرى.
وأخرج الدفتر الأسود.
لكن هذه المرة…
لاحظ شيئًا غريبًا.
في ظهر الدفتر…
كان هناك ثقب صغير.
تمامًا…
بحجم المفتاح الذي أحضرته نادية.
أدخل المفتاح.
وأداره.
صدر صوت خفيف.
ثم انقسم غلاف الدفتر إلى نصفين.
لتظهر…
ورقة مطوية بعناية.
فتحها سليم.
كانت عبارة عن قائمة طويلة.
أسماء.
وتواريخ.
وأرقام حسابات.
لكن أكثر ما صدم الجميع…
أن القائمة لم تضم رجال أعمال فقط.
بل ضمت أيضًا…
أسماء مسؤولين كبار، ومحامين، وموظفين سابقين، وأشخاصًا كانوا يساعدون إبراهيم على إخفاء جرائمه.
ساد صمت ثقيل.
قال يوسف بصوت مرتجف:
“دي شبكة كاملة…”
لكن نادية لم تكن تنظر إلى القائمة.
كانت تنظر إلى اسم واحد فقط.
ثم قالت وهي ترتجف:
“لا…”
“مستحيل.”
اقترب منها سليم.
“في إيه؟”
أشارت بإصبعها إلى الاسم.
نظر سليم…
وتغير لون وجهه.
كان الاسم المكتوب في منتصف القائمة هو:
“فارس الحديدي.”
والاسم لم يكن غريبًا…
لأنه كان اسم والد سليم.
رفع سليم رأسه ببطء.
شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
همس:
“أبويا…”
“كان ضمن الشبكة؟”
ساد صمت لم يجرؤ أحد على كسره.
أما إيمان…
فنظرت إلى سليم بعينين امتلأتا بالصدمة، وهي تدرك أن الحقيقة التي كانوا يبحثون عنها أصبحت أكثر تعقيدًا مما تخيلوا.
يتبع…
الفصل الثاني عشر
لم يتحرك سليم.
ظل ينظر إلى الاسم المكتوب في القائمة.
فارس الحديدي.
اسم والده.
الرجل الذي قضى عمره كله يفتخر به.
الرجل الذي كان يروي للناس كيف بدأ حياته من الصفر، وكيف ربّى أبناءه على الشرف.
قال بصوت بالكاد سُمِع:
“أكيد فيه غلطة.”
اقترب يوسف من الورقة.
قرأ الاسم أكثر من مرة.
ثم قال:
“ممكن يكون شخص تاني بنفس الاسم.”
لكن نادية هزت رأسها.
وقالت بهدوء:
“لا.”
“ده نفس فارس الحديدي.”
شعر سليم بأن أنفاسه تضيق.
“إنتِ تعرفيه؟”
تنهدت نادية.
“مرة واحدة بس.”
“إبراهيم عزمني على عشاء كان فيه شركاؤه.”
“وكان أبوك موجود.”
ساد الصمت.
لكن العم حسن ظل يراقب ملامح نادية.
وفجأة قال:
“كملي.”
التفتت إليه.
“في حاجة إنتِ مخبياها.”
ارتبكت.
“لا…”
قال بحزم:
“أنا اشتغلت مع أبو إيمان عشرين سنة.”
“وأعرف لما حد يقول نص الحقيقة.”
أطرقت نادية رأسها.
ثم قالت بعد لحظات طويلة:
“فارس الحديدي…”
“ماكانش شريك.”
رفع الجميع رؤوسهم في وقت واحد.
“كان محاسب قانوني.”
نظر إليها سليم بسرعة.
“يعني إيه؟”
قالت:
“كان بيراجع حسابات الشركة.”
“ولما اكتشف التزوير…”
“رفض يوقع.”
اتسعت عينا سليم.
“وبعدين؟”
أغلقت عينيها.
“إبراهيم حط اسمه في القائمة.”
“علشان لو اتكشف…”
“يبقى الكل متورط.”
تنفس سليم لأول مرة منذ دقائق.
لكن العم حسن لم يبتسم.
بل قال:
“يبقى أبوك كان ضحية زيه.”
…
أخذ سليم الورقة.
وقلبها.
وفي الخلف…
وجد علامة حمراء صغيرة.
وبجوار اسم والده…
كانت هناك كلمة واحدة.
(رفض)
أما بجوار أسماء أخرى…
فكانت مكتوبة كلمات مثل:
(وافق)
(استلم)
(شارك)
فهم الجميع الحقيقة.
القائمة لم تكن قائمة شركاء فقط…
بل كانت قائمة بكل من تعامل مع إبراهيم.
ومن رفض أو وافق.
جلس سليم على الكرسي.
وأغمض عينيه.
ثم همس:
“سامحني يا أبي…”
“شكيت فيك ولو للحظة.”
…
في تلك الأثناء…
داخل أحد المخازن المهجورة…
كان إبراهيم يقف أمام خريطة كبيرة معلقة على الحائط.
دخل عليه أحد رجاله.
“باشا.”
“في خبر.”
التفت إبراهيم.
“إيه؟”
“الست نادية راحت لسليم.”
لم يتغير وجهه.
كأنه كان يتوقع ذلك.
لكن الرجل أكمل:
“وخدت معاها الملف.”
ابتسم إبراهيم.
“خلاص.”
نظر إليه الرجل باستغراب.
“يعني إيه خلاص؟”
قال إبراهيم وهو يشعل سيجارًا:
“يبقى وصلت للمرحلة الأخيرة.”
ثم فتح درجًا في مكتبه.
وأخرج صورة قديمة.
كانت تجمعه بخمسة رجال.
وأشار إلى أحدهم.
وقال:
“دلوقتي… دوره.”
…
في القصر…
كان يوسف يفحص الصور القديمة الموجودة في الملف.
وفجأة…
توقف.
“يا سليم.”
اقترب الجميع.
وأشار يوسف إلى الرجل الخامس في الصورة.
كان يقف في الخلف.
وجهه نصف مخفي.
قال يوسف:
“حاسس إني شوفته قبل كده.”
أخذ سليم الصورة.
ودقق النظر.
ثم تجمد.
“مش ممكن.”
سألته إيمان:
“تعرفه؟”
رد بصوت منخفض:
“ده…”
“…المحامي حسام كامل.”
استغرب يوسف.
“اللي اتصل بيك من يومين؟”
أومأ سليم.
كان هو نفسه.
المحامي الذي قال إنه يملك معلومات عن قضية نور.
قال العم حسن:
“يعني الراجل ده كان موجود من البداية.”
أخرج سليم هاتفه فورًا.
واتصل بحسام.
لكن الهاتف…
كان مغلقًا.
نظر إلى يوسف.
“هات عنوان مكتبه.”
بعد دقائق…
وصل العنوان.
نهض سليم بسرعة.
“هنروح حالًا.”
…
بعد أقل من نصف ساعة…
وصلوا إلى مكتب المحامي.
لكنهم وجدوا الباب مفتوحًا.
والأوراق مبعثرة في كل مكان.
والخزائن مكسورة.
كأن أحدًا كان يبحث عن شيء.
دخل سليم بحذر.
وفجأة…
سمع صوتًا خافتًا يأتي من الغرفة الداخلية.
ركض نحو الصوت.
فتح الباب.
ليجد المحامي حسام ملقى على الأرض، مصابًا في كتفه، لكنه ما زال حيًا.
فتح الرجل عينيه بصعوبة.
وحين رأى سليم…
ابتسم ابتسامة متعبة.
ثم قال بصوت متقطع:
“كنت… مستنيك.”
اقترب منه سليم بسرعة.
“مين اللي عمل فيك كده؟”
رفع حسام يده المرتجفة.
وسلّم سليم مفتاحًا صغيرًا آخر.
ثم همس:
“النسخة الأخيرة…”
“في الأمانات…”
“لكن…”
سعل بقوة.
ثم أكمل:
“إوعى…”
“تثق…”
وتوقف صوته فجأة.
نظر سليم إليه بقلق.
“إوعى أثق في مين؟”
فتح حسام عينيه للمرة الأخيرة.
وحاول أن ينطق بالاسم.
لكن الكلمات خرجت بالكاد:
“…يوس…”
ثم فقد وعيه قبل أن يكمل.
نظر سليم ببطء إلى يوسف…
بينما وقف يوسف مذهولًا، لا يعرف إن كان حسام كان يقصد اسمه فعلًا…
أم اسم شخص آخر يبدأ بالحروف نفسها.
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *