بعيد ميلاد امي حكايات اسما السيد ×4
الفصل السادس والعشرون
تجمدت في مكاني.
حدقت في الرجل الواقف أمام السيارة السوداء.
كان طويل القامة.
شعره غزاه الشيب.
لكن نظرته…
كانت حادة بصورة جعلت قلبي يرتجف.
همست للحاج سالم:
— ده… أبويا؟
أغمض عينيه لثوانٍ.
ثم قال:
— أيوه… لكنه مش الراجل اللي خرج من بيت سلوى من خمسة وعشرين سنة.
لم أفهم.
وقبل أن أسأله…
دوى صوت ارتطام عنيف.
أحد الرجال كسر باب المنزل.
وصاح:
— فتشوا كل الأوضة!
أمسكني الحاج سالم من ذراعي.
وقال بسرعة:
— من الباب الخلفي… اجري!
قلت بإصرار:
— لأ… مش ههرب تاني.
ابتسم بحزن.
— ساعات الشجاعة… بتكون إنك تعرفي إمتى تهربي.
لكن الوقت انتهى.
دخل الرجال إلى الغرفة.
وتقدم ذلك الرجل نحوي.
وقف على بعد خطوات.
وظل ينظر إلى وجهي طويلًا.
ثم قال بصوت خافت:
— كبرتي…
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
قلت بحدة:
— إنت مين؟
أجاب بهدوء:
— أنا… والدك.
صرخت:
— كذاب!
أخرج من جيبه سلسلة فضية قديمة.
تتدلى منها نصف قلب.
ارتجفت يداي.
لأنني كنت أملك النصف الآخر…
السلسلة التي وجدتها منذ طفولتي بين أغراضي.
اقترب خطوة.
ورفع السلسلة.
فالتحم النصفان في لحظة واحدة.
ساد صمت ثقيل.
قال وهو يكاد يبكي:
— أمك كانت بتلبسها يوم ما ماتت.
الفصل السابع والعشرون
قبل أن أستوعب ما يحدث…
خرج الرائد يوسف وآدم من سيارات الشرطة.
كانت القوات قد تعقبت هواتف الرجال.
وصاح يوسف:
— الشرطة! محدش يتحرك!
في ثوانٍ…
تحول المكان إلى فوضى.
طلقات تحذيرية.
ورجال يركضون.
وأوامر تتطاير في الهواء.
أمسكني آدم وسحبني خلف سور حجري.
وقال بقلق:
— إنتِ كويسة؟
هززت رأسي.
لكن عيني بقيتا معلقتين بذلك الرجل.
كان لا يقاوم الشرطة.
بل وقف رافعًا يديه.
وكأنه جاء ليسلم نفسه.
اقترب منه يوسف.
وكبله بالأصفاد.
ثم سأله:
— اسمك؟
رفع الرجل رأسه.
وقال:
— اسمي محمود سلوى عبدالرحمن.
ثم أشار إليّ.
وأضاف:
— وأنا والد هند.
ساد الصمت.
لكن المفاجأة لم تكن في اعترافه.
بل في الجملة التالية.
قال وهو ينظر مباشرة إلى الرائد يوسف:
— لو أخدتوني القسم دلوقتي…
مش هتوصلوا أبدًا لزعيم الشبكة.
لأن الراجل اللي بتدوروا عليه…
واقف وسطكم من أول يوم.
الفصل الثامن والعشرون
التفت الجميع تلقائيًا.
نظر يوسف إلى الضباط.
ثم إلى آدم.
ثم إلى أفراد القوة.
كل شخص بدأ ينظر للآخر في شك.
قال يوسف بحزم:
— تقصد مين؟
ابتسم محمود ابتسامة مرهقة.
وقال:
— الشخص اللي سرب كل تحركاتكم…
واللي كان يعرف مكان هند أولًا بأول.
صرخ آدم:
— قول اسمه!
لكن محمود هز رأسه.
— مش هقوله غير قدام النيابة.
وفي اللحظة نفسها…
انطلق صوت رصاصة واحدة.
شق الهواء بسرعة.
واستقرت في صدر محمود.
اتسعت عيناي.
وسقط أمامي على الأرض.
اندفع آدم نحوه.
وضغط بيديه على الجرح.
وهو يصرخ:
— الإسعاف! بسرعة!
فتح محمود عينيه بصعوبة.
أمسك يدي.
وهمس بكلمات متقطعة:
— الملف… مش في البيت…
ولا عند الحاج سالم…
الملف…
في…
ثم انقطع صوته.
وأغمض عينيه.
نظر آدم إليّ بصدمة.
وقال:
— لسه عايش…
لكن لو متكلمش خلال الدقائق الجاية…
السر هيدفن معاه للأبد.
الفصل التاسع والعشرون
تحولت ساحة البيت القديم إلى فوضى.
رجال الشرطة انتشروا في كل اتجاه.
وأصوات اللاسلكي لا تتوقف.
أما أنا…
فكنت راكعة على الأرض.
أمسك يد الرجل الذي قيل لي منذ دقائق إنه أبي.
دمه كان يغطي كفي.
وآدم يحاول بكل قوته أن يوقف النزيف.
صرخ في أحد المسعفين:
— جهزوا أكياس الدم قبل ما نوصل المستشفى!
اقترب الرائد يوسف من مكان إطلاق الرصاصة.
لكن القناص…
كان قد اختفى.
لم يجدوا إلا ظرفًا فارغًا.
وعلامة حذاء واضحة فوق التراب.
انحنى يوسف يتأملها.
ثم قال:
— القاتل كان عارف المكان قبلنا.
يعني حد سرب له تحركاتنا.
رفع رأسه ببطء…
ونظر إلى رجال القوة واحدًا واحدًا.
—
الفصل الثلاثون
في سيارة الإسعاف…
كنت أجلس بجوار أبي.
أول مرة في حياتي أقول الكلمة دي.
لكنها خرجت من قلبي.
قلت وأنا أبكي:
— بابا… متسبنيش.
فتح عينيه بصعوبة.
ونظر إليّ.
ثم ابتسم ابتسامة ضعيفة.
وقال:
— كنت… نفسي… أسمعها… من زمان.
انهمرت دموعي.
أمسكت يده بقوة.
— مين اللي عمل فينا كل ده؟
حاول أن يتكلم.
لكن الدم خرج من فمه.
اقترب آدم منه.
وقال:
— متتكلمش كتير.
لكن الرجل أصر.
وقال بصوت يكاد لا يُسمع:
— سامي…
اتسعت عينا آدم.
— سامي مين؟
لكن قبل أن يكمل…
دخل في غيبوبة.
—
الفصل الحادي والثلاثون
وصلوا إلى المستشفى.
وأُدخل أبي مباشرة إلى غرفة العمليات.
وقف آدم أمام الباب.
يداه ترتجفان.
الرائد يوسف اقترب منه.
وقال:
— أول مرة أشوفك متوتر بالشكل ده.
رد آدم وهو ينظر إلى الأرض:
— لأنه ذكر اسمًا…
كنت أتمنى ما أسمعوش أبدًا.
قطب يوسف حاجبيه.
— تعرفه؟
رفع آدم رأسه ببطء.
وقال:
— الدكتور سامي.
استشاري الجراحة.
كان رئيسي في أول مستشفى اشتغلت فيها.
يوسف قال بسرعة:
— فين المشكلة؟
تنهد آدم.
— لأنه اختفى من شغله فجأة من خمس سنين.
بعد ما ماتت مريضة في ظروف غامضة.
والتحقيق وقتها…
اتقفل من غير سبب مفهوم.
ساد الصمت.
ثم قال يوسف:
— تقصد إنه ممكن يكون لسه عايش؟
أجاب آدم:
— أنا متأكد.
—
الفصل الثاني والثلاثون
في نفس الليلة…
رجعت الشرطة إلى بيت أمي.
كان البيت خاليًا.
الباب مفتوح.
والأنوار كلها مطفأة.
دخل يوسف بحذر.
ثم نادى:
— مدام فاطمة!
لا رد.
بدأ يفتش الغرف.
وفجأة…
وجد رسالة فوق سريرها.
فتحها.
وكان مكتوبًا فيها:
“أنا تعبت… وهقول الحقيقة بنفسي… قبل ما يقتل بنتي.”
تجمد يوسف.
ونظر حوله.
لكنها لم تكن في البيت.
اختفت.
كما اختفت الخادمة قبلها.
وكأن شخصًا يجمع كل الشهود…
واحدًا بعد الآخر.
—
الفصل الثالث والثلاثون
في الصباح التالي…
رن هاتف الرائد يوسف.
رد بسرعة.
ثم تغيرت ملامحه.
دخل غرفة الانتظار.
وقال لآدم:
— لقينا عربية أم هند.
وقف آدم.
— فين؟
رد يوسف بصوت ثقيل:
— على طريق صحراوي.
— وهي فين؟
سكت يوسف ثواني.
ثم قال:
— العربية كانت فاضية.
لكن لقينا فيها دم…
ولقينا سلسلة مكسورة.
السلسلة نفسها…
اللي كانت فاطمة مبتفارقهاش.
يعني…
اللي كان بيحاول يقتل هند…
بدأ يتخلص من كل شخص…
يعرف الحقيقة.
الفصل الرابع والثلاثون
ساد الصمت داخل غرفة الانتظار.
لم أعد أشعر بشيء.
كل من يعرف الحقيقة…
إما اختفى…
أو يحاول أحد إسكاتَه.
وقفت فجأة.
وقلت للرائد يوسف:
— أنا لازم أشوف العربية.
اعترض آدم فورًا.
— مستحيل… حالتك لسه متسمحش.
نظرت إليه بعينين ممتلئتين بالدموع.
— كل ما أقعد مستنية… حد بيموت.
لم يجد ما يرد به.
بعد ساعة…
وصلنا إلى الطريق الصحراوي.
كانت سيارة أمي متوقفة على جانب الطريق.
باب السائق مفتوح.
والزجاج الأمامي مكسور.
اقترب رجال الأدلة الجنائية.
وبدأوا يفحصون المكان.
وفجأة…
صرخ أحدهم:
— يا فندم… لقينا ده.
كان هاتفًا محمولًا.
شاشته محطمة.
لكن شريحة الاتصال ما زالت بداخله.
أخذها الرائد يوسف بسرعة.
وقال:
— ابعتوها للمباحث الإلكترونية حالًا.
وفي أثناء التفتيش…
وجد آدم شيئًا آخر.
قطعة قماش ممزقة.
وعليها آثار دم.
لكن الدم…
لم يكن دم أمي.
—
الفصل الخامس والثلاثون
بعد ساعات…
وصل تقرير المعمل.
دخل الضابط مسرعًا.
ووضع الملف أمام الرائد يوسف.
فتح التقرير.
ثم اتسعت عيناه.
قال آدم بقلق:
— خير؟
رد يوسف:
— الدم اللي في العربية…
مش لفاطمة.
ولا لهند.
ولا لمحمود.
سأله آدم:
— أمال لمين؟
أجاب وهو يقلب الصفحة الأخيرة:
— لشخص اسمه…
الدكتور سامي.
ساد الصمت.
قال آدم بعد لحظات:
— يبقى كان موجود في العربية.
وقبل أن يكمل…
رن هاتف يوسف.
رد سريعًا.
ثم قال:
— إيه؟!
أنهى المكالمة.
ونظر إلينا.
— لقينا فاطمة.
قفزت من مكاني.
— فين؟!
قال بصوت منخفض:
— في مستشفى حكومي.
كانت فاقدة الوعي.
لكن قبل ما تدخل العمليات…
قالت للممرضة جملة واحدة.
ابتلعت ريقي.
— قالت إيه؟
نظر يوسف في الورقة.
ثم قرأ بصوت واضح:
“قولوا لهند… تسامحني… أنا ما كنتش بحاول أقتلها… كنت بحاول أخبيها.”
—
الفصل السادس والثلاثون
جريت نحو غرفة العناية المركزة.
كانت أمي ممددة على السرير.
الأجهزة تحيط بها من كل جانب.
وجهها شاحب.
لكنها كانت لا تزال تتنفس.
اقتربت منها.
وأمسكت يدها.
فتحت عينيها بصعوبة.
ولما شافتني…
بدأت تبكي.
همست:
— سامحيني يا بنتي.
دموعي نزلت بلا توقف.
قلت:
— قولي الحقيقة… بس الحقيقة.
تنهدت بصعوبة.
وقالت:
— اللي قتل أمك…
مش أبوك.
واللي سرق الملف…
مش الدكتور سامي.
شهق آدم.
أما الرائد يوسف…
فأخرج دفتره بسرعة.
واصلت فاطمة كلامها بصوت متقطع:
— سامي… كان بينفذ أوامر.
الرأس الكبير…
واحد غيره.
قلت بلهفة:
— مين؟
رفعت يدها المرتجفة.
وأشارت إلى الباب.
في اللحظة نفسها…
فتح الباب ببطء.
ودخل رجل يرتدي بدلة سوداء أنيقة.
كان يحمل باقة ورد.
ابتسم بهدوء.
وقال:
— ألف سلامة يا مدام فاطمة.
تجمدت ملامحها.
واتسعت عيناها من الرعب.
ثم صرخت بكل ما بقي لديها من قوة:
— اهربي يا هند… ده هو… ده اللي بدأ كل حاجة!
يتبع