في عمر الستين حكايات اسما السيد

في عيد ميلادي 64… ابني وقف قدام العيلة كلها وقال: «يا ريتك ما كنتش أبويا». وبعد أقل من نص ساعة… بلغ الشرطة إني سرقت عربيته..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسمي محمود… وعندي أربعة وستين سنة. طول عمري كنت فاكر إن تعب الأب لازم يهون قدام راحة ابنه. اشتغلت من وأنا شاب صغير… بالنهار أركب أجهزة تكييف… وبالليل أصلح ثلاجات وغسالات علشان أزود دخلي. أنا ومراتي أمينة بدأنا من الصفر… وكنا بنحسب كل جنيه… ونوفر من أكلنا وراحتنا علشان نكبر شغلنا ونأمن مستقبل ابننا الوحيد كريم.

بعد سنين طويلة من التعب… الورشة الصغيرة بقت شركة محترمة… وبقى عندي بيوت وأراضي وربنا وسع علينا. وكل مرة ربنا كان بيرزقني فيها… أول واحد كنت أفكر فيه هو كريم. دخلته أحسن جامعة… اشتريتله أول عربية… وسددت ديونه من غير ما أفضحه قدام حد… وساعدته يفتح مشروعه… ولما اتجوز كنت أنا اللي شايل أغلب مصاريف الفرح… ودفعت مقدم البيت اللي عايش فيه لحد دلوقتي.

بعد وفاة أمينة بسبع سنين… بقيت متعلق بكريم وأحفادي أكتر من أي وقت. كنت فاكر إن مساعدتهم في كل حاجة هي الطريقة الوحيدة أوفي بيها الوعد اللي وعدته لمراتي قبل ما تموت… لما مسكت إيدي وقالتلي: “خلي بالك من العيلة يا محمود.”

ولما جه عيد ميلادي الرابع والستين… كريم أصر يعمللي عزومة كبيرة في بيته. جمع الأقارب وأصحاب العيلة… وجاب تورتة كبيرة… والناس كانت بتضحك وتهزر. وفي نص القعدة… وقف كريم ومسِك كوباية العصير… والكل افتكر إنه هيقول كلمتين حلوين في حقي.

لكنه بصلي قدام الكل وقال:

— أنا بتمنى ييجي اليوم اللي تبطل فيه تتحكم في حياتي… وساعات بتمنى إنك ما كنتش أبويا.

في ثانية… الضحك اختفى… والسكوت ملأ المكان. حفيدتي الصغيرة فضلت واقفة مكانها وماسكة وردة ورق في إيدها… ومرات كريم نزلت عينيها للأرض كأنها كانت عارفة إنه هيقول كده.

كل الناس بصتلي… مستنية أزعق… أو أمد إيدي عليه… أو أعمل فضيحة. لكني قومت بهدوء… وعدلت قميصي… وبصيتله في عيني وقلت:

— يبقى من النهارده… عيش كأنك فعلًا ماعندكش أب.

سِبت كوباية العصير مكانها… وخرجت من البيت. ركبت البورشه السودا اللي كانت واقفة قدام الباب… وأول ما شافني بفتحها جري ورايا وهو بيصرخ:

— استنى… هتاخد عربيتي فين؟

وقفت لحظة من غير ما ألفله وقلت:

— الأوراق هي اللي هتحدد العربية بتاعة مين.

ركبت ومشيت.

بعد أقل من نص ساعة… وصلتني رسالة منه:

“رجع العربية حالًا… وإلا هبلغ الشرطة.”

ابتسمت بمرارة… لأن كريم كان ناسي إن العربية دي عمرها ما كانت باسمه. هو كان استلفها مني علشان يحضر بيها اجتماع مهم… وبعدها خدها في مناسبة تانية… وبعدين بقت مركونة في جراجه وكأنها ملكه.

لكن الحقيقة… إن الفاتورة والرخصة والتأمين وكل ورقة تخص العربية كانت باسمي أنا.

وبعد دقايق… رن موبايلي. كان ضابط من القسم وقال:

— حضرتك الأستاذ محمود؟

قلت:

— أيوه.

قال:

— فيه بلاغ مقدم ضد حضرتك إنك أخدت عربية من غير إذن صاحبها.

سألته بهدوء:

— مين صاحب البلاغ؟

رد:

— ابن حضرتك… كريم.

قفلت عيني وووو
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
@أبرز المعجبين
محمود خد نفس طويل…
وقال للضابط بهدوء:
— يا فندم… حضرتك تقدر تراجع المرور دلوقتي. العربية كلها باسمي.
سكت الضابط ثواني…
واضح إنه بيفتح البيانات.
وبعدين قال:
— معاك حق… العربية فعلًا مسجلة باسم حضرتك.
ابتسم محمود ابتسامة كلها وجع.
وقال:
— يبقى مفيش سرقة.
رد الضابط:
— لا يا فندم… مفيش أي شبهة. وآسف على الإزعاج.
أنهى المكالمة…
وبص قدامه وهو سايق.
كان حاسس إن البلاغ ما وجعوش…
اللي وجعه فعلًا إن ابنه الوحيد، اللي رباه من يوم ما اتولد، وصل بيه الحال إنه يبلغ عنه الشرطة.
…
في الناحية التانية…
كريم كان واقف في القسم مستني الضابط يخرج.
أول ما الضابط خرج قال بغضب:
— فين العربية؟
الضابط بصله باستغراب.
وقال:
— عربية إيه؟
— اللي أبويا سرقها.
الضابط رد بحدة:
— العربية مش بتاعتك أصلاً.
وشاور على الكمبيوتر.
— دي مسجلة باسم والدك… والرخصة والتأمين كمان باسمه.
وشوية كمان وأضاف:
— أنصحك متعملش بلاغات كيدية تاني.
كريم وشه احمر…
وحس بالإحراج قدام الموجودين.
رجع بيته وهو مولع من الغضب.
…
بعد يومين…
راح لمكتب المحامي اللي بيتعامل مع والده.
كان فاكر إن كل أملاك محمود هتكون باسمه في الآخر.
لكن أول ما المحامي شافه قال:
— الأستاذ محمود سابلي تعليمات إني ما أسلمكش أي ورقة.
كريم اتنرفز.
— أنا ابنه الوحيد.
المحامي فتح ملف قدامه.
وقال:
— وعلشان كده الأستاذ محمود كان بيديك كل حاجة في حياته.
لكن من أسبوع…
غيّر كل حاجة.
كريم اتجمد.
— غيّر إيه؟
المحامي قال بهدوء:
— عمل وقف خيري باسمه واسم والدتك الله يرحمها.
جزء كبير من الأرباح هيروح لعلاج غير القادرين وتعليم الأيتام.
والشركة بقت ليها مجلس إدارة.
وأي حد هيمسكها لازم يشتغل ويثبت كفاءته.
مش علشان ابن صاحبها.
كريم صرخ:
— مستحيل!
المحامي طلع ورقة.
— ودي رسالة كتبها والدك وقال تتسلم لك لو جيت.
فتحها بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيها:
“يا كريم…
أنا عمري ما زعلت على فلوس صرفتها عليك.
زعلت لأنك افتكرت إن كل اللي معايا حق مكتسب ليك.
أنا كنت مستعد أديك عمري كله…
لكن عمري ما كنت مستعد أربيك على الجحود.
يوم عيد ميلادي، لما قلت قدام الناس: يا ريتك ما كنتش أبويا…
أنا سامحتك.
لكن لما بلغت الشرطة وقلت إني سارق…
عرفت إن المشكلة مش في لحظة غضب.
المشكلة إنك بقيت شايفني خصم.
ومن النهارده…
كل حاجة هتاخدها لازم تستحقها.
ولو في يوم رجعت تعتذر بصدق…
هتلاقيني فاتحلك باب البيت.
لكن باب الكرامة…
عمره ما هيتفتح بالإجبار.”
الورقة وقعت من إيد كريم.
ولأول مرة…
افتكر كل مرة أبوه كان بيسهر جنبه وهو عيان.
وكل مرة سد عنه ديونه.
وكل مرة قال للناس:
“ابني راجل.”
رجع البيت وهو مكسور.
مراته قالتله بهدوء:
— أبوك عمره ما كان بخيل عليك.
إنت اللي كنت بخيل عليه بكلمة حلوة.
…
بعد أسبوع…
وقف كريم قدام باب بيت أبوه.
كان ماسك نفس الوردة الورق اللي بنته كانت عاملاها يوم عيد الميلاد.
خبط الباب.
فتح محمود.
فضلوا باصين لبعض من غير كلام.
كريم نزل على ركبته…
وقال والدموع في عينه:
— سامحني يا أبويا…
أنا خسرت نفسي قبل ما أخسرك.
محمود سابه شوية…
وبعدين قرب منه.
وساعده يقف.
وضمه لحضنه.
وقال:
— الغلط بيتسامح…
لكن أوعى في يوم تفتكر إن كرامة أبوك رخيصة.
هز كريم رأسه وهو بيبكي.
ومن يومها…
بدأ يشتغل في الشركة كأي موظف عادي.
من غير مكتب فاخر…
ولا امتيازات…
وكان أول واحد يحضر…
وآخر واحد يمشي.
وبعد ثلاث سنوات…
وقف مجلس الإدارة يعلن تعيين كريم مديرًا للشركة.
مش لأنه ابن محمود…
لكن لأنه أخيرًا…
استحق المكان بنفسه.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *