حفله ملوكي حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الجزء الرابع
فضلت أبص لآدم…
ثم لعمر…
ثم لليان…
ثم لملك.
أربع عيون…
مليانة أسئلة.
ولا واحد منهم كان فاهم معنى الخيانة…
ولا معنى الطلاق…
ولا معنى إن أب يختفي من حياة أولاده.
كل اللي كانوا يعرفوه…
إن قدامهم راجل…
بيقول إنه أبوهم.
نزلت على ركبتي.
وضميت الأربع أطفال.
وقلت بهدوء:
— القرار مش قراري لوحدي.
أنا طول عمري كنت بربيكم على إن الكراهية مبتبنيش بيوت.
ولو ربنا جمعكم بأبوكم…
يبقى من حقكم تعرفوه.
بس…
بصيت ناحية كريم.
وكملت بصوت ثابت:
— من حقهم يعرفوك…
مش من حقك تدخل حياتهم وقت ما تحب وتخرج وقت ما تحب.
رفع كريم رأسه بسرعة.
وقال:
— أقسم بالله…
هعمل أي حاجة تطلبيها.
رديت:
— متقسمش.
الأفعال…
هي اللي هتتكلم.
سكت الجميع.
فجأة…
ليان قربت من كريم.
وقالت بخجل:
— هو حضرتك بتحب الرسم؟
استغرب.
وقال:
— أيوه… من وأنا صغير.
ابتسمت.
وجريت على شنطتها.
ورجعت بدفتر رسم.
فتحته.
كان فيه عشرات الرسومات.
كلها…
لنفس الرجل.
رجل طويل…
واقف بعيد.
وكل مرة…
وشه من غير ملامح.
كريم قلب الصفحات…
وإيده بتترعش.
سألها:
— مين ده؟
قالت ليان بكل براءة:
— بابا.
كل يوم كنت برسمه…
علشان لما أشوفه…
أعرفه.
الجملة دي…
خلت كريم يبكي بصوت مسموع لأول مرة.
ضم الدفتر إلى صدره.
وقال وهو بيشهق:
— يا رب…
إزاي ضيعت العمر ده كله؟
في اللحظة دي…
عمر شد جاكت كريم.
وقال:
— إحنا عندنا ماتش كورة الأسبوع الجاي.
لو إنت بابا…
تيجي تشجعني؟
كريم نزل لمستواه.
ومسك إيده الصغيرة.
وقال:
— لو سمحتلي…
هكون أول واحد في المدرج.
ملك رفعت إصبعها الصغير.
وقالت بجدية طفولية:
— بس ممنوع تغيب.
أنا في حفلة المدرسة…
كل الأطفال بييجي لهم باباهم.
وأنا…
كل مرة كنت بقول إن بابا مسافر.
بس الحقيقة…
أنا مكنتش أعرف هو فين.
كريم حضنها…
وبكى أكتر.
أما آدم…
فكان واقف ساكت.
بيبص لأبوه.
وبعدين قال:
— أنا عندي سؤال.
كريم مسح دموعه.
وقال:
— اسأل يا بطل.
قال آدم:
— لو الزمن رجع…
كنت هتسيبنا برضه؟
ساد الصمت.
السؤال كان أصعب من أي اتهام.
كريم قفل عينيه.
وقال بصوت مبحوح:
— لا.
والله لا.
ولو الزمن رجع…
كنت هحضن أمكم…
وأصدقها…
حتى لو الدنيا كلها قالت إنها كدابة.
كنت هقف جنبها في المستشفى.
وكنت هكون أول واحد يشيلكم.
بس الزمن…
للأسف…
مبيرجعش.
بصيت له.
ولأول مرة من ثماني سنوات…
شفت الندم الحقيقي في عينيه.
مش ندم على زواج ضاع…
ولا على حب انتهى…
لكن ندم أب…
اكتشف أنه خسر أول كلمة…
وأول خطوة…
وأول عيد ميلاد…
وأول يوم مدرسة…
وثماني سنوات كاملة…
لن يستطيع شراءها بكل أموال الدنيا.
وقبل أن يتكلم أي شخص…
رن هاتف كريم.
نظر إلى الشاشة.
ثم أغلقه دون أن يرد.
لكن بعد ثوانٍ…
رن مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
فنظر إليه عمه وقال:
— رد.
رد كريم.
وفجأة…
تغير لون وجهه.
وقال بصدمة:
— إيه؟!… بتقول إيه؟
وانتهت المكالمة…
ليلتفت إلينا وهو شاحب الوجه ويقول:
— في مصيبة… وفي حد عرف إن الأطفال أولادي… وبدأ ينفذ خطة علشان يحرمني منهم قبل حتى ما أعرفهم.
الجزء الخامس
اتسعت عيون الجميع.
وقفت أمي السابقة من مكانها.
وقالت بقلق:
— في إيه يا كريم؟ مين اللي كلمك؟
أخذ نفسًا طويلًا…
ثم قال بصوت متوتر:
— المحامي بتاعي.
سألته بسرعة:
— وإيه اللي حصل؟
نظر إليّ…
ثم إلى الأطفال.
وقال:
— في حد بعت له صوركم من الحفلة… وكتب إن فيه قضية هتترفع ضدي علشان أمنع الأولاد من السفر أو أحصل على حضانتهم بأي طريقة.
ارتفعت همهمات العائلة.
لكنني بقيت هادئة.
قلت:
— وأنا لا رفعت قضية… ولا فكرت أمنعك تشوفهم.
نظر إليّ باستغراب.
فأكملت:
— لو كنت عايزة أنتقم… كنت عملت ده من سنين.
أنا جيت النهارده علشان يعرفوا أبوهم.
مش علشان أبدأ حرب جديدة.
في تلك اللحظة…
دخل رجل كبير في السن من باب الفيلا.
كان محامي العائلة.
اقترب وهو يحمل ملفًا.
وقال:
— الحمد لله إنكم لسه هنا.
سأله كريم:
— مين اللي بعت الصور؟
فتح المحامي الملف.
وقال:
— الرقم مجهول.
لكن الرسالة واضحة.
في حد عايز يولع الخلاف بينكم.
عايز يخليكم تدخلوا المحاكم.
وتضيع سنين جديدة من عمر الأطفال.
ساد الصمت.
ثم قالت حماتي السابقة وهي تبكي:
— كفاية اللي ضاع.
أرجوكم… بلاش تضيعوا الباقي.
اقترب كريم من الأولاد بحذر.
ثم نظر إليّ.
وقال:
— أنا عارف إن كلمة “آسف” متكفيش.
وعارف إني مستحيل أعوضهم عن اللي فات.
لكن…
اسمحيلي أبدأ من النهارده.
حتى لو هبدأ كأني شخص غريب.
ابتسم آدم ابتسامة صغيرة.
وقال:
— يعني هتيجي ماتش الكورة؟
ضحك كريم وسط دموعه.
وقال:
— أول واحد.
قال عمر:
— وهتحضر حفلة المدرسة؟
— حاضر.
قالت ليان:
— وهتشوف رسوماتي كلها؟
— كلها.
أما ملك…
فأمسكت يده لأول مرة.
وقالت بصوت خافت:
— ينفع أناديك بابا؟
اغرورقت عينا كريم بالدموع.
وركع أمامها.
وقال:
— ده أجمل اسم حد ناداني بيه في حياتي.
تعالت شهقات البكاء في القاعة.
حتى أفراد العائلة الذين كانوا يقفون صامتين…
لم يستطيعوا إخفاء تأثرهم.
نظرت إلى أطفالي.
كانوا يبتسمون لأول مرة منذ دخلنا الفيلا.
وقتها أدركت…
أن الغفران لا يمحو الماضي…
لكنه قد يمنع الألم من الانتقال إلى جيل جديد.
خرجنا من الفيلا مع غروب الشمس.
لم أخرج وأنا زوجة عادت إلى طليقها…
ولم يخرج هو وقد استعاد ثماني سنوات ضاعت.
لكننا خرجنا…
وقد اتفقنا على شيء واحد فقط:
أن الأطفال الأربعة…
لن يدفعوا ثمن أخطاء الكبار مرة أخرى.
الجزء السادس
مر أسبوع…
ثم أسبوعان.
وكريم…
لم يختفِ.
أول مرة…
حضر مباراة عمر.
وقف في آخر المدرج…
رافضًا يقرب.
كأنه خايف…
الأطفال يرفضوه.
لكن عمر…
أول ما شافه…
رفع إيده من وسط الملعب…
ولوّح له وهو بيضحك.
صرخ المدرب:
— ركز يا عمر!
لكن الولد كان مبسوط…
لأنه لأول مرة…
لقى حد بيشجعه من المدرج وهو بيقول:
— برافو يا بطل… كمل!
بعد الماتش…
جري عليه.
وهو ماسك الميدالية البلاستيك الصغيرة.
وقال بفخر:
— شوفت؟
أنا جبت جونين.
حضنه كريم.
وقال وهو بيبتسم وسط دموعه:
— وأنا فخور بيك.
…
وفي الأسبوع اللي بعده…
كانت حفلة الرسم في مدرسة ليان.
علقت المدرسة لوحات الأطفال.
وأعلنت أسماء الفائزين.
المركز الأول…
كان من نصيب ليان.
لما طلعت تستلم الجائزة…
بصت بين الحضور.
ولما شافت كريم…
ابتسمت لأول مرة من غير تردد.
بعد الحفلة…
ناولته اللوحة.
كانت مرسومة فيها شجرة كبيرة…
تحتها أربع أطفال…
ورجل وامرأة واقفين جنبهم.
سألها كريم:
— مين دول؟
ابتسمت.
وقالت:
— إحنا.
بص لها طويلًا…
وقال:
— ينفع آخد اللوحة؟
قالت بسرعة:
— بشرط.
— إيه هو؟
— تعلقها في بيتك…
علشان كل يوم تفتكر إن عندك عيلة.
هز رأسه…
وقال:
— أوعدك.
…
أما آدم…
فكان الأصعب.
لم يكن يغضب…
لكنه لم يكن يقترب أيضًا.
كان يعامل كريم…
باحترام…
لكن بحذر.
وفي إحدى الليالي…
رن جرس الباب.
فتحت.
لقيت كريم واقف.
وفي إيده تليسكوب صغير.
قال:
— آدم قال مرة إنه بيحب النجوم.
ينفع أديهوله؟
ناديت آدم.
خرج بهدوء.
نظر إلى الهدية.
ثم قال:
— شكرًا.
وسكت.
بدأ كريم يمشي.
لكن آدم ناداه.
— استنى.
التفت كريم بسرعة.
قال آدم:
— ممكن… تعلمني أستخدمه؟
ابتسم كريم.
وقعدوا ساعتين في البلكونة…
يبصوا للسماء.
كل شوية…
آدم يسأل.
وكريم يجاوب.
ولأول مرة…
سمعت ضحكة ابني…
وهي طالعة من قلبه.
…
أما ملك…
فكانت أكثرهم تعلقًا به.
كل يوم ترسم له رسمة.
أو تكتب له ورقة صغيرة.
وفي يوم…
دخلت عليها أوضتها.
لقيتها بتكتب.
سألتها:
— بتعملي إيه؟
خبّت الورقة بسرعة.
وقالت:
— دي سر.
بعد يومين…
لقيت كريم باعتلي صورة.
كانت لورقة مكتوب فيها بخط طفولي:
“بابا… أنا زعلانة منك على التماني سنين اللي فاتوا… بس هسامحك لو متغيبش تاني.”
أسفلها…
رد بخطه:
“أوعدك… مش هضيع من عمركم يوم واحد تاني.”
قفلت الموبايل…
وأخذت نفسًا طويلًا.
لأول مرة…
شعرت أن الجرح…
بدأ يلتئم.
لكن الحياة…
لم تكن قد قالت كلمتها الأخيرة.
ففي صباح اليوم التالي…
وأثناء توصيل الأطفال إلى المدرسة…
وقفت سيارة سوداء أمام المنزل.
ونزل منها رجل أنيق…
نظر إليّ مباشرة…
وقال جملة جعلت الدم يتجمد في عروقي:
— حضرتك الأستاذة… طليقة كريم؟
أجبته بحذر:
— أيوه.
أخرج بطاقة تعريف من جيبه…
وقال:
— أنا محامي والد كريم.
وفيه حقيقة أخفاها عنكم جميعًا لمدة ثماني سنوات…
ولو عرفها الأولاد…
هتغيّر نظرتهم لأبوهم… بالكامل.
الجزء الأخير
وقفت مكاني…
وأنا أبص للمحامي.
وقلت بهدوء:
— حقيقة إيه؟
فتح حقيبته…
وأخرج ملفًا قديمًا.
وقال:
— والد كريم طلب مني ما أتكلمش إلا لو جه اليوم ده.
فتحه…
وأخرج منه مجموعة أوراق.
كانت أول ورقة…
نسخة من تحليل DNA.
بصيت له باستغراب.
وقال:
— يوم ما حضرتك قولتي إنك حامل…
كريم كان هيعمل التحليل بعد الولادة.
لكن والده رفض.
وقال له: “البنت دي بتضحك عليك.”
ولما كريم أصر…
أبوه أخفى كل الرسائل اللي حضرتك بعتها.
وأخفى عنوانك.
وخلى كل جواب يرجع.
شهقت حماته السابقة.
وقالت وهي تبكي:
— يعني… أبوه كان السبب؟
هز المحامي رأسه.
— كان شايف إن ابنه لازم يتجوز بنت من عيلة أغنى.
وكان مقتنع إن وجود الأطفال هيمنعه.
أغمضت عيني.
لم أشعر بالراحة…
ولا بالشماتة.
فقط…
حزنت.
لأن الحقيقة جاءت متأخرة جدًا.
في تلك اللحظة…
وصل كريم.
ولما رأى المحامي…
فهم أن السر انكشف.
اقترب ببطء.
وقال:
— كنت عرفت الحقيقة بعد وفاة أبويا بسنة.
سألته بصدمة:
— عرفت؟
أطرق رأسه.
— أيوه.
لقيت الرسائل كلها في خزنته.
وعرفت إنه خدعني.
وعرفت إنك حاولتي توصليلي.
لكن وقتها…
كنت بدور عليكم في كل مكان.
لحد ما لقيتك بالصدفة…
لما قبلتي الدعوة.
سكت لحظة…
ثم أكمل:
— أنا كنت ناوي أقول الحقيقة قدام العيلة كلها…
وأطلب السماح.
لكن إنتِ سبقتيني…
وجبتي أغلى حاجة كنت محروم منها.
نظر إلى الأطفال.
ثم ركع أمامهم.
وقال:
— مش هطلب منكم تنسوا.
ولا هطلب منكم تسامحوني بسرعة.
بس هفضل طول عمري…
أثبتلكم بالأفعال…
إني أبوكم.
اقترب آدم.
ومد يده إليه.
ثم تبعه عمر.
ثم ليان.
وأخيرًا…
ملك.
اجتمعت الأيدي الخمس معًا.
ابتسمت وأنا أنظر إليهم.
وقلت:
— الماضي عمره ما هيتغير.
لكن المستقبل…
لسه بإيدينا.
مر عام كامل…
صار كريم يحضر كل مناسبة.
كل عيد ميلاد.
كل اجتماع مدرسة.
كل مباراة.
ولم يعد الأطفال يسألون:
“هو بابا هييجي؟”
بل صاروا يقولون بثقة:
“بابا في الطريق.”
أما أنا…
فلم أعد زوجته.
ولم نعد إلى بعض.
لكننا صرنا شريكين في تربية أربعة أطفال…
تعلموا درسًا لن ينسوه أبدًا:
أن الحقيقة قد تتأخر…
لكنها حين تظهر…
تغيّر حياة الجميع.
تمت.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *