غرفة طواريء حكـايـات أسمـا 2

الفصل السادس
ساد الظلام داخل المخزن.
لم يعد يُسمع سوى صوت أنفاسنا المتسارعة.
صرخ المستشار ياسين:
“محدش يتحرك!”
لكن الرجل العجوز كان قد سقط على الأرض.
أخرج ياسين مصباح هاتفه بسرعة.
أضاء المكان.
رأيناه ممسكًا بكتفه، والدم يسيل بين أصابعه.
قال وهو يتألم:
“الطلقة… في الكتف… مش هَموت… الحقوا الورق.”
انحنى كريم يجمع المستندات المتناثرة.
أما أنا فاتصلت بالإسعاف، ثم ضغطت على جرح الرجل بكل ما تعلمته كطبيبة.
قلت بحزم:
“بصلي… خليك صاحي.”
ابتسم بصعوبة.
“أنا استنيت اليوم ده… سنين.”
في الخارج…
كانت سيارة سوداء تنطلق بأقصى سرعة.
حاول رجال الشرطة ملاحقتها بعدما أبلغهم المستشار بموقعنا.
لكنها اختفت بين الطرق الجانبية.
قال أحد الضباط:
“واضح إن اللي ضرب النار كان عايز يخوفكم… مش يق*تلكم.”
رد ياسين وهو ينظر إلى الصندوق:
“لأنه كان عارف إن اللي جوه أخطر من أي رصاصة.”
فتحنا الصندوق داخل مكتب آمن في النيابة.
كان مليئًا بملفات قديمة.
وعقود.
وصور.
ووحدة تخزين إلكترونية.
بدأ المستشار يراجع الأوراق.
ثم توقف فجأة.
رفع عقدًا قديمًا ووضعه أمام كريم.
“اقرأ الاسم.”
قرأ كريم بصوت مرتجف:
“سعاد عبدالسلام…”
ثم أكمل السطر التالي.
“…تنازل نهائي عن جميع حقوقها في شركة زوجها.”
رفع رأسه باستغراب.
“إيه ده؟”
قال الرجل العجوز، الذي كان قد نُقل إلى المستشفى وظل يدلي بأقواله:
“أبوك اكتشف إنها كانت بتختلس من الشركة.”
“ولما واجهها…”
“خيرها بين السجن… أو إنها تتنازل عن كل صلاحياتها.”
“اختارت التنازل.”
تجمد كريم.
“يعني كل ده… علشان الفلوس؟”
هز الرجل رأسه.
“لا.”
“علشان الطمع.”
واصل المستشار قراءة باقي المستندات.
ثم أخرج تقريرًا لتحليل نسب.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال:
“دلوقتي فهمت.”
سأله كريم بقلق:
“فهمت إيه؟”
أجابه:
“والدك… قبل وفاته… عمل تحليل نسب.”
اتسعت عينا كريم.
“ليه؟”
قال ياسين:
“لأنه بدأ يشك إن في حد بيتلاعب بالأوراق.”
فتح التقرير.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
“النتيجة بتقول إنك…”
توقف لحظة.
“…ابنه البيولوجي.”
نظر كريم إليه غير مصدق.
“بس… أمي قالت إني متبني.”
رد المستشار:
“كذبت.”
“كذبت عليك زي ما كذبت على ريم.”
شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.
إذن…
حتى قصة التبني كانت مجرد وسيلة للسيطرة عليه.
بعد يومين…
ألقت الشرطة القبض على الحاجة سعاد.
كانت مختبئة في استراحة قديمة خارج المدينة.
وعندما واجهها المستشار بالمستندات…
وبالتسجيل…
وبشهادة السائق…
وباعتراف الرجل العجوز…
أغلقت عينيها للحظات.
ثم قالت بهدوء غريب:
“أيوه… عملت كل ده.”
نظر إليها كريم والدموع في عينيه.
“ليه؟”
ابتسمت ابتسامة باردة.
وقالت:
“لأن ريم كانت هتخليك تسمع كلام قلبك…”
“وأنا كنت محتاجة تفضل تسمع كلامي.”
ساد الصمت.
ثم أضافت:
“أنا خسرت الشركة…”
“ومكنتش مستعدة أخسرك أنت كمان.”
هز كريم رأسه بأسى.
وقال:
“إنتِ ما خسرتيش ابنك النهارده…”
“إنتِ خسرتيه من أول يوم اخترتي فيه الكذب.”
استدارت الشرطة لتقتادها خارج الغرفة.
ولم تلتفت خلفها مرة واحدة.
بعد أسابيع…
وضعتُ مولودي بسلام.
وقف كريم خارج غرفة الولادة…
لا يطلب شيئًا.
ولا يبرر شيئًا.
فقط ينتظر.
دخلت الممرضة وهي تحمل الطفل.
ابتسمت وقالت:
“تحب تشيله؟”
نظر إليّ أولًا.
ولم يمد يديه إلا عندما هززت رأسي بالموافقة.
حمل ابنه لأول مرة.
وانهمرت دموعه بصمت.
أما أنا…
فكنت أعلم أن بعض الجراح قد تلتئم…
لكنها لا تختفي أبدًا.
ورغم أن الحقيقة أعادت لكل واحد منا حقه…
إلا أنها أخذت من الجميع شيئًا…
لن يعود أبدًا. النهاية.
الفصل السابع – بداية جديدة
مرّت ثلاثة أشهر.
كنت أحمل ابني الصغير، “آدم”، بين ذراعي وأنا أقف أمام نافذة شقتي أراقب شروق الشمس.
لأول مرة منذ شهور…
شعرت أن البيت هادئ.
لا خوف.
لا تهديد.
ولا أسرار.
لكن الهدوء…
لم يدم طويلًا.
رن هاتفي.
كان المستشار ياسين.
أجبت بسرعة.
“خير يا فندم؟”
قال بصوت جاد:
“الدكتورة ريم… محتاج أشوفك النهارده.”
انقبض قلبي.
“في حاجة حصلت؟”
تنهد.
“في شخص طلب مقابلتك.”
سألته باستغراب:
“مين؟”
أجاب:
“والد كريم.”
تجمدت في مكاني.
“لكن… كريم قال إن والده متوفي.”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال:
“وده اللي كل الناس كانت فاكراه.”
بعد ساعة…
كنت أجلس في غرفة خاصة داخل مبنى النيابة.
فتح الباب ببطء.
ودخل رجل في أواخر الستينيات.
شعره أبيض.
وجسمه نحيل.
لكن ملامحه…
كانت نسخة أكبر من كريم.
وقف كريم فجأة.
وهو ينظر إليه غير مصدق.
همس:
“بابا…؟”
امتلأت عينا الرجل بالدموع.
اقترب منه خطوة.
وقال بصوت مبحوح:
“سامحني يا ابني.”
ظل كريم واقفًا مكانه.
لا يستطيع الحركة.
ولا حتى الكلام.
جلس الرجل أمامنا.
وقال:
“أنا ما موتش.”
نظرنا إليه جميعًا.
وأكمل:
“اضطريت أختفي.”
سأله المستشار:
“ليه؟”
أجاب:
“لأن اللي اكتشفته وقتها كان أخطر مما تتخيلوا.”
فتح حقيبة جلدية قديمة.
وأخرج مجموعة مستندات صفراء.
ثم وضعها على الطاولة.
وقال:
“أنا كنت بجمع أدلة ضد شبكة كبيرة كانت بتستخدم شركات وهمية لغسيل الأموال.”
نظر إلى كريم.
“ولما أمك عرفت…”
خفض رأسه بحزن.
“…خيرتني.”
“يا إما أسكت.”
“يا إما هتدمر حياة ابني.”
سأله كريم بصوت مرتجف:
“وسبتني؟”
رد الرجل والدموع في عينيه:
“كل يوم.”
“كل يوم كنت بموت ألف مرة.”
“لكن كنت فاكر إن بعدي هيحميك.”
ساد الصمت.
ثم وقف كريم ببطء.
اقترب من والده.
وظل ينظر إليه طويلًا.
قبل أن يفتح ذراعيه ويحتضنه.
انفجر الاثنان في البكاء.
أما أنا…
فنظرت إلى آدم، الذي كان نائمًا في هدوء بين ذراعي.
وهمست:
“يمكن ربنا بيأخر الحقيقة…”
“لكن عمرها ما بتضيع.”
وفي تلك اللحظة…
شعرت أن هذه المرة…
لم تكن نهاية قصة.
بل بداية عائلة تحاول أن تتعلم كيف تعيش بالصدق… بعد سنوات طويلة من الأكاذيب.
الفصل الأخير – الخاتمة
مرت سنة كاملة…
سنة لم تكن سهلة على أحد.
لكنها كانت كافية لتغيّر حياة الجميع.
كبر آدم…
وبدأ يخطو أولى خطواته الصغيرة داخل البيت، يضحك كلما سقط ثم ينهض من جديد.
وكلما رأيته…
كنت أقول لنفسي إن الأطفال يولدون بلا كراهية، وإن الكبار هم من يزرعونها في قلوبهم.
أما كريم…
فلم يحاول أن يشتري غفراني بالوعود.
لم يلاحقني.
ولم يضغط عليّ.
اختار طريقًا أصعب…
أن يثبت بأفعاله أنه تغير.
كان يأتي كل أسبوع ليرى آدم.
يلعب معه ساعات.
ثم ينصرف في هدوء.
وفي كل مرة…
كان يستأذن قبل أن يحمله.
وكأنه يخشى أن يخسر هذه النعمة أيضًا.
أما الحاجة سعاد…
فبعد محاكمات استمرت عدة أشهر، صدر ضدها حكم بالسجن بعد ثبوت تزويرها للمحررات، وابتزازها للشهود، وإخفاء أدلة والتسبب في أضرار جسيمة لعدة أشخاص.
لم تحضر جلسة النطق بالحكم وهي ترفع رأسها كما كانت دائمًا.
دخلت القاعة منكسرة…
وخرجت منها وحيدة.
ولم يكن في انتظارها أحد.
حتى كريم…
لم يذهب لزيارتها.
لكنه كان يحول لها كل شهر مبلغًا بسيطًا لشراء احتياجاتها داخل السجن.
وحين سألته يومًا:
“بعد كل اللي عملته فيك… لسه بتساعدها؟”
ابتسم بحزن وقال:
“علشان ضميري يفضل مرتاح… مش علشان هي تستحق.”
أما والد كريم…
فقرر أن يبدأ من جديد.
باع نصيبه في الشركة.
وأنشأ مؤسسة خيرية لعلاج الأطفال غير القادرين.
وفي أول يوم افتتاح…
طلب مني أن أكون المديرة الطبية للمؤسسة.
ترددت.
لكني وافقت.
لأنني كنت أعرف جيدًا معنى أن يقف إنسان عاجز أمام باب مستشفى، ولا يجد من يمد له يدًا.
في مساء هادئ…
كنا جميعًا في حديقة المؤسسة.
آدم كان يجري خلف الفراشات وهو يضحك.
وفجأة…
وقع على الأرض.
جرى كريم نحوه بسرعة.
لكن آدم سبق الجميع.
نهض وحده.
ونفض التراب عن ملابسه.
ثم ضحك.
ضحكت أنا أيضًا.
ونظر إليّ كريم مبتسمًا.
وقال:
“شكله واخد القوة منك.”
ابتسمت وقلت:
“وأخد الإصرار منك.”
كانت تلك أول مرة نتحدث فيها بلا ألم.
ولا لوم.
ولا عتاب.
بعد غروب الشمس…
وقف كريم بجانبي.
وقال بهدوء:
“ريم… أنا مش جاي أطلب فرصة تانية.”
“ولا جاي أرجع الماضي.”
“أنا بس حبيت أشكرك.”
نظرت إليه باستغراب.
“تشكرني على إيه؟”
قال وهو ينظر إلى آدم:
“إنك ربيتي ابني على إنه يحب… رغم كل اللي حصل.”
سكت لحظة.
ثم أضاف:
“لو في يوم قررتِ تفتحي باب لقصة جديدة… هكون أول واحد يتمنى يكون جزء منها.”
“ولو ما حصلش…”
“فأنا راضي… لأن وجود آدم في حياتي أكبر نعمة.”
لم أجب.
لكنني شعرت أن الكلمات هذه المرة…
كانت صادقة.
وفي طريق عودتي إلى المنزل…
كان آدم نائمًا على المقعد الخلفي.
نظرت إليه في مرآة السيارة.
ثم ابتسمت.
تذكرت الليلة التي دخل فيها كريم إلى الطوارئ وهو يحمل ليان بين ذراعيه، والدم يغطي ملابسه.
لو لم تقع تلك الحادثة…
لما انكشفت الحقيقة.
ولما عاد الحق إلى أصحابه.
وأدركت أن بعض النهايات المؤلمة…
قد تكون بداية لحياة أصدق.
تمت بحمد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *