مشرد وسيم حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الثاني: الرجل الذي اختفى
وقفت قدام الفندق وأنا حاسة بفراغ غريب.
سألت موظف الاستقبال للمرة الثالثة:
“إنت متأكد إنه مشي؟”
هز رأسه.
وقال:
“دفع حسابه كامل، وشكرنا، وساب ظرف وقال لو حضرتك جيتي أديهولك.”
مد إيده بالظرف.
إيديا كانت بتترعش وأنا بفتحه.
فيه ورقة واحدة.
مكتوب فيها بخط مرتب:
“شكرًا لأنك عاملتيني كإنسان، مش كعبء. الاتفاق انتهى، ومش عايز أسببلك مشاكل أكتر من كده. أنسي إنك قابلتيني.”
ماكانش فيه رقم تليفون.
ولا عنوان.
ولا أي وسيلة أوصل له بيها.
رجعت البيت.
لكن دماغي كانت كلها معاه.
أمي أول ما شافتني قالت:
“لقيتيه؟”
هزيت رأسي بالنفي.
أبويا كان ساكت.
وفجأة قال:
“مش مقتنع إنه كان بيحكي كل الحقيقة.”
بصيت له باستغراب.
“ليه؟”
قال:
“طريقة كلامه… تصرفاته… حتى طريقته في مسك الشوكة والسكينة… دي مش تصرفات واحد عاش سنين في الشارع.”
أمي وافقته.
“أنا كمان لاحظت.”
بدأ الفضول يكبر جوايا.
وفي اليوم التالي…
قررت أرجع للحديقة اللي قابلته فيها.
يمكن ألاقيه.
لكن المقعد كان فاضي.
سألت بائع الذرة القريب:
“لو سمحت… الراجل اللي كان بيقعد هنا كل يوم… شوفته؟”
الراجل بص لي باستغراب.
وقال:
“تقصدي الأستاذ آدم؟”
اتصدمت.
“أيوه.”
ابتسم.
“ده عمره ما كان بيشحت.”
عقدت حواجبي.
“إزاي؟”
قال:
“كان كل يوم يشتري مني ذرة، ويدفع زيادة، ويقول وزع الباقي على أي طفل معدي.”
سكت لحظة.
وأضاف:
“والناس كانت فاكرة إنه مشرد عشان هدومه.”
الكلام خلاني محتارة أكتر.
مشيت أسأل أي حد شافه.
بائعة ورد قالت:
“كان بيشتري ورد ويوزعه على الستات الكبار.”
عامل نظافة قال:
“كان يساعدني كل يوم من غير ما أطلب.”
حارس الحديقة قال:
“مرة لقي طفل تايه… فضّل معاه أربع ساعات لحد ما أهله وصلوا.”
كل واحد كان عنده حكاية.
لكن محدش يعرف هو بيعيش فين.
وأنا ماشية…
لمحت عربية سوداء فخمة واقفة بعيد.
ومنها نزل راجل في بدلة شيك.
بص حواليه.
وبعدين سأل بائع الذرة:
“لو سمحت… الأستاذ آدم جه النهارده؟”
البائع قال:
“لأ.”
الراجل تنهد بحزن.
وركب عربيته.
جريت وراه قبل ما يمشي.
“استنى!”
فتح الزجاج.
بص لي باستغراب.
قلت:
“إنت تعرف آدم؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“حضرتك مين؟”
عرفته بنفسي.
فضل يبص لي كام ثانية.
وقال:
“اتفضلي اركبي.”
ترددت.
لكنه قال بهدوء:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة… يبقى لازم تسمعيها كلها.”
ركبت.
العربية اتحركت.
بعد عشر دقايق وقفنا قدام مبنى ضخم.
دخلنا مكتب فاخر جدًا.
الراجل قعد وقال:
“أنا اسمي حسام.”
“وكنت المدير المالي لشركة آدم.”
شهقت.
“يعني فعلًا كان مهندس؟”
ابتسم ابتسامة حزينة.
“مهندس؟”
“ده كان صاحب الشركة.”
اتسمرت مكاني.
“إيه؟”
فتح درج مكتبه.
وأخرج صورة.
آدم…
لكن ببدلة فاخرة.
واقف قدام برج كبير.
وبيصافح رجال أعمال.
قال حسام:
“من أربع سنين… كانت ثروته تتعدى مئتي مليون جنيه.”
ماقدرتش أتكلم.
حسام أكمل:
“كان أصغر رجل أعمال يحقق النجاح ده.”
“وكان مشهور بالنزاهة.”
“لحد ما الشخص اللي وثق فيه أكتر من نفسه… خانه.”
بدأ يحكي.
شريكه زور مستندات.
وسحب قروض باسم الشركة.
ولما القض*ية انفجرت…
كل الاتهامات راحت لآدم.
القض*ية كانت معقدة.
وفي النهاية…
خرج من السجن بعد ما ثبت إن فيه تزوير.
لكن بعد فوات الأوان.
الشركة اتصفت.
وكل أملاكه اتحجز عليها.
سألته:
“ليه ما رجعش يشتغل؟”
قال بحزن:
“حاول.”
“لكن كل الناس كانت فاكرة إنه نصاب.”
ثم فتح ملفًا آخر.
وقال:
“وفيه حاجة أهم.”
مد لي صورة بنت صغيرة.
عندها حوالي ست سنين.
“دي بنته… ليان.”
قلبي انقبض.
“فين هي؟”
تنهد.
“أمها سافرت بيها بره مصر.”
“ومن يومها… ما شافهاش.”
نزلت دموعي.
في اللحظة دي…
رن تليفون حسام.
رد بسرعة.
وفجأة وقف من مكانه.
وشه اتغير.
قال بصوت مرتفع:
“إنت متأكد؟”
قفل المكالمة.
وبص لي.
“لقيناه.”
قمت بسرعة.
“فين؟”
قال:
“في المستشفى.”
“وقع في الشارع وهو فاقد الوعي.”
جريت ناحية الباب.
وقلبي بيدق بجنون.
وأول ما وصلت المستشفى…
شفت الأطباء بيجروا.
وممرضة خرجت وهي بتقول:
“الحقوا… المريض دخل في توقف مفاجئ.”
وقفت مكاني…
وحسيت إن الأرض بتميد بيا.
يتبع…
الفصل الثالث: الحقيقة التي لم يتوقعها أحد
جريت ناحية غرفة الطوارئ.
“آدم!”
لكن الممرضة وقفت قدامي.
“ممنوع الدخول.”
وقفت وقلبي هيطلع من صدري.
كل ثانية كانت بتعدي كأنها ساعة.
بعد حوالي عشرين دقيقة…
خرج الدكتور.
وشه كان مرهق.
قال:
“الحمد لله… رجعنا النبض.”
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قعدت على أقرب كرسي وأنا بأتنفس بصعوبة.
الدكتور بص لي.
“حضرتك تقربي له إيه؟”
سكت.
إحنا أصلًا كنا غرب.
لكن لسبب غريب…
لقيت نفسي بقول:
“أنا… الشخص الوحيد اللي لسه بيسأل عليه.”
ابتسم الدكتور ابتسامة صغيرة.
وقال:
“واضح إنه مر بفترة صعبة جدًا.”
“سوء تغذية شديد… وإجهاد… وضغط نفسي.”
بعد ساعة…
سمحوا لي أدخل.
دخلت أوضة بسيطة.
آدم كان نايم.
وشه شاحب.
لكن أول ما فتح عينه…
ابتسم.
وقال وهو بيحاول يهزر:
“واضح إن الاتفاق لسه مخلصش.”
ضحكت وأنا دموعي بتنزل.
“إنت غبي.”
“ليه هربت؟”
لف وشه بعيد.
“علشان ما أتعودش على ناس ممكن أخسرهم.”
الجملة كسرتني.
قعدت جنبه.
وقلت:
“أنا عرفت إنك كنت صاحب شركة.”
ابتسم بسخرية.
“كنت.”
“وعرفت إنك مظلوم.”
سكت.
وبعدين قال:
“مش مهم.”
قلت بحزم:
“بالنسبالي مهم.”
في اللحظة دي…
دخل حسام.
وفي إيده ملف كبير.
قال:
“آدم… لازم تعرف.”
“إحنا لقينا الدليل.”
آدم رفع عينه باستغراب.
“دليل إيه؟”
فتح حسام الملف.
وأخرج مستندات.
“المحاسب اللي شارك في التزوير سلّم نفسه.”
“واعترف بكل حاجة.”
آدم اتجمد.
حسام أكمل:
“واعترف إن شريكك هو اللي دبّر كل شيء.”
الهدوء ملأ الأوضة.
بعد ثواني…
آدم قال:
“بعد أربع سنين؟”
“دلوقتي افتكر يعترف؟”
حسام هز رأسه.
“لأنه بيموت.”
“وعايز يقابل ربنا وهو مرتاح.”
فضل آدم ساكت.
كأنه مش مستوعب.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية.
حسام قال:
“وفيه خبر تاني.”
“النيابة قررت إعادة فتح الق*ضية.”
“ولو الحكم اتلغى…”
“كل ممتلكاتك هترجع.”
أنا بصيت لآدم.
كان المفروض يفرح.
لكنه اكتفى بابتسامة حزينة.
وقال:
“فات الأوان.”
“الشركة راحت.”
“مراتي راحت.”
“بنتي كبرت من غيري.”
حسام قرب منه.
“مش فات.”
“لسه فيه أمل.”
بعد أسبوعين…
خرج آدم من المستشفى.
وأول حاجة عملها…
ما كانتش إنه يروح للمحكمة.
ولا للشركة.
راح لنفس الحديقة.
ونفس المقعد.
قعد عليه بهدوء.
قلت له:
“ليه رجعت هنا؟”
ابتسم.
“علشان هنا قابلت أول شخص بص لي من غير احتقار.”
اتكسفت.
قلت:
“أنا أصلًا كنت مستغلاك.”
ضحك.
“بس بعدين بقيتي صديقة.”
في الوقت ده…
وقف قدامنا طفل صغير.
وقال:
“عمو… جعان.”
آدم فتح محفظته.
لكنها كانت فاضية.
ابتسم للولد.
وقال:
“استنى.”
دخل الكشك.
واشترى له سندوتش وعصير.
بآخر فلوس كانت معاه.
بصيت له.
“إنت لسه زي ما إنت.”
قال:
“الفلوس بتروح وتيجي.”
“لكن الإنسان لو خسر قلبه… مش هيعرف يشتريه تاني.”
الكلام فضل يرن في ودني.
بعد شهر…
بدأت جلسات إعادة المحاكمة.
والصحافة كلها حضرت.
لأن القض*ية كانت من أشهر قضايا رجال الأعمال.
وفي أول جلسة…
دخل شخص ما كنتش أتوقع أشوفه أبدًا.
امرأة أنيقة…
ومعاها بنت عندها حوالي عشر سنين.
آدم أول ما شافها…
وقف فجأة.
وهمس:
“ليان…”
البنت بصت له باستغراب.
لكن أمها…
اتغير لون وشها.
واضح إنها ما كانتش متوقعة وجوده.
أما ليان…
ففضلت تبص لآدم…
وكأن ملامحه مألوفة بالنسبة لها…
ثم قالت بصوت بريء:
“ماما…”
“هو الراجل ده بيعيط ليه؟”
وتجمدت القاعة كلها في انتظار ما سيحدث بعد ذلك…
يتبع…
الفصل الرابع: اللقاء الذي انتظره عشر سنوات
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة.
آدم كان واقف مكانه…
وعينيه معلقتين بالبنت الصغيرة.
دموعه نزلت من غير ما يحس.
همس بصوت مبحوح:
“ليان…”
البنت بصت له باستغراب.
ثم رفعت عينيها لأمها.
“ماما… هو يعرفني؟”
أمها، سارة، ارتبكت.
مسكت إيد بنتها بسرعة.
وقالت بحدة:
“تعالي يا ليان.”
لكن القاضي كان دخل القاعة.
وكل الناس رجعت أماكنها.
بدأت الجلسة.
المحاسب اللي اعترف بالتزوير كان حاضر على كرسي متحرك.
شكله كان مرهق جدًا.
وقف قدام القاضي وقال:
“أنا المسؤول عن كل اللي حصل.”
“آدم ما سرقش جنيه واحد.”
“أنا وشريكه زورنا المستندات، وهو اتسجن ظلم.”
ثم أخرج فلاشة.
وقال:
“دي عليها تسجيلات، ورسائل، وتحويلات بنكية.”
كل الأدلة كانت كاملة.
المحامي بتاع آدم ابتسم لأول مرة.
أما شريكه السابق…
فكان وشه أصفر.
وبعد ساعات طويلة…
القاضي رفع الجلسة للمداولة.
خرجنا كلنا برا.
آدم كان واقف بعيد لوحده.
وفجأة…
حسيت بحد بيجري.
لفيت.
لقيت ليان.
كانت سايبة إيد أمها وجاية ناحية آدم.
وقفت قدامه.
وبصت له من تحت لفوق.
وقالت ببراءة:
“إنت كنت بتعيط عشاني؟”
آدم نزل على ركبته.
وصوته كان بيرتعش.
“أيوه.”
سألته:
“إنت تعرفني؟”
ابتسم وسط دموعه.
“أنا…”
قبل ما يكمل…
أمها وصلت بسرعة.
وشدت البنت.
وقالت بعصبية:
“ابعد عنها.”
آدم وقف.
وقال بهدوء:
“أنا مش جاي أخدها.”
“أنا بس عايزها تعرف الحقيقة.”
سارة بصت له.
ولأول مرة…
الدموع نزلت من عينيها.
قالت بصوت مكسور:
“أنا ظلمتك.”
الكل سكت.
كملت وهي بتبكي:
“أنا صدقت إنك خنت الشركة.”
“لما اتقبض عليك… خفت.”
“أهلي ضغطوا عليا.”
“وقالولي اهربي ببنتك.”
آدم سألها بهدوء:
“وليه ما رجعتيش لما خرجت؟”
سكتت.
ثم قالت:
“لأن شريكك كان بيهددني.”
“قال لو رجعتلك… هيأذي ليان.”
الصدمة كانت على وشوش الكل.
حتى المحامي اتفاجئ.
سارة طلعت ظرف من شنطتها.
وقالت:
“أنا احتفظت بكل رسائل التهديد.”
ناولته لآدم.
فتح الظرف.
كانت عشرات الرسائل.
وصور.
وتسجيلات.
كلها تثبت إن شريكه كان بيبتزها.
قالت وهي بتبكي:
“أنا كنت مستنية اليوم اللي أقدر أتكلم فيه.”
“ولما عرفت إن القض*ية اتفتحت من جديد… رجعت.”
في اليوم التالي…
صدر الحكم.
أعلنت المحكمة براءة آدم بالكامل.
وإلغاء الحكم القديم.
وإدانة شريكه في كل التهم.
القاضي قال جملة هزت القاعة:
“المتهم السابق… كان ضحية لأكبر عملية تزوير شهدتها المحكمة.”
الصحفيون اتجمعوا حول آدم.
الكل كان مستني تصريح.
لكنه قال جملة واحدة:
“العدالة اتأخرت… لكنها وصلت.”
بعد أيام قليلة…
بدأت البنوك ترفع الحجز عن أمواله.
ورجعت له أسهم كان الكل فاكر إنها ضاعت.
واكتشف أن قيمة استثماراته، بعد التعويضات، أصبحت أكبر مما كانت قبل الق*ضية.
لكن أول حاجة عملها…
ما كانتش شراء فيلا.
ولا عربية.
ولا شركة.
راح لنفس الحديقة.
وقعد على نفس المقعد.
وأنا رحت له.
ابتسم وقال:
“فاكرة أول مرة عرضتي عليا أمثل إني خطيبك؟”
ضحكت.
“أفتكر.”
طلع من جيبه ظرف صغير.
ناولني إياه.
فتحته.
لقيت عقد ملكية.
مكتوب فيه اسم جمعية خيرية جديدة.
سألته باستغراب:
“إيه ده؟”
قال:
“جمعية لإعادة تأهيل المشردين.”
“علشان محدش يعيش اللي أنا عشته.”
ثم بص لي بابتسامة دافية.
وقال:
“وأول شريك فيها… إنتِ.”
ابتسمت.
وقلت:
“وافقت.”
ضحك.
“استني… أنا لسه ما خلصتش كلامي.”
مد إيده في جيبه مرة تانية.
وأخرج علبة صغيرة.
فتحها.
كان فيها خاتم بسيط.
وقال وهو بيبص في عيني:
“المرة دي…”
“مش عايز أمثل.”
“تتجوزيني بجد؟”
وقفت مذهولة.
افتكرت أول يوم شفته فيه.
هدومه القديمة.
وشعره الطويل.
ونظرته الحزينة.
وافتكرت إن كل الحكاية بدأت بكذبة صغيرة…
لكنها انتهت بأصدق حب عرفته في حياتي.
ابتسمت وسط دموعي.
ومديت إيدي.
وقلت:
“أيوه… أوافق.”
وبدأ الجميع يصفق.
حتى ليان جريت ناحيتنا وهي تضحك، وأمسكت بيد أبيها للمرة الأولى منذ سنوات، لتبدأ العائلة أخيرًا صفحة جديدة، مبنية على الحقيقة والثقة، لا على الخوف والكذب.
تمت.