منقذي حكـايـات أسمـا السـيد ×3

الفصل السادس: المظروف الأخير

وصلت النيابة بعد أقل من ساعة.

الممرات كانت مليانة ضباط.

والموظفين بيتحركوا بسرعة.

لكن أول ما دخلت…

كل العيون اتوجهت ناحيتي.

مش علشان أنا مريم…

لكن علشان المظروف الأصفر اللي كان على الترابيزة.

محمود الجيار كان قاعد في آخر الأوضة.

وشه باين عليه التعب.

ودقنه مليانة شعر أبيض.

أول ما شافني…

وقف.

وقال بصوت مخنوق:

— سامحيني يا بنتي…

أنا اتأخرت سنة كاملة.

قلت باستغراب:

— حضرتك تعرفني؟

هز رأسه.

— أعرفك من يوم فرحك.

وأعرف أحمد من قبل ما يتجوزك بعشرين سنة.

وكيل النيابة حط المظروف قدامي.

وقال:

— الأستاذ أحمد كتب بخط إيده…

إن المظروف ده مايتفتحش إلا بحضورك.

إيدي كانت بتترعش.

فتحت الظرف ببطء.

طلع منه جواب…

وملف…

ومفتاح تاني.

بدأت أقرا الجواب.

«”مريم…
لو وصلتي للمرحلة دي…
يبقى محمود قدر يهرب بالمستندات.
ولو محمود موجود قدامك…
اعرفي إنه خاطر بحياته علشان يحمي الحقيقة.
اللي هيحصل بعد فتح الملف…
هيخلي ناس كتير تقع.
ويمكن يخلي ناس تكرهك أكتر.
لكن أوعي تتراجعي.”»

دموعي نزلت.

كملت القراءة.

«”فيه حاجة عمري ما قدرت أقولها ليكي…
المؤسسة ما كانتش أكبر جريمة في البيت.
أكبر جريمة…
كانت موت أبويا.”»

شهقت.

رفعت عيني بسرعة.

قلت:

— والد أحمد مات بسكتة قلبية.

محمود هز رأسه بالنفي.

وقال:

— ده اللي اتقال للناس.

لكن الحقيقة غير كده.

فتح الملف.

طلع تقرير طب شرعي قديم.

وصور.

ومحاضر.

قال:

— والد أحمد كان ناوي يكتب كل ثروته باسم ابنه.

لكن قبل توقيع الأوراق بيومين…

مات فجأة.

والقضية اتقفلت باعتبارها وفاة طبيعية.

وكيل النيابة قلب في الأوراق.

وفجأة وقف.

وقال بصدمة:

— التقرير الأصلي بيقول فيه آثار مادة سامة.

محمود قال:

— التقرير ده اختفى بعدها بيوم.

واتكتب تقرير جديد.

بصيت لمحمود.

وقلت:

— مين اللي عمل كده؟

سكت ثواني.

ثم قال:

— دولت.

الأوضة كلها سكتت.

في اللحظة دي…

باب التحقيق اتفتح بعنف.

دخل ضابط.

وقال:

— يا فندم…

المتهمة دولت عايزة تقابل مريم.

وكيل النيابة رفض.

لكن دولت كانت بتصرخ من برة.

— لازم أشوفها.

بعد دقائق…

وافقوا تدخل تحت الحراسة.

دخلت وهي لابسة ملابس الحبس الاحتياطي.

لكن الكبر لسه في عينيها.

بصتلي باحتقار.

وقالت:

— مبسوطة؟

افتكرتي إنك كسبتي؟

أنا رديت بهدوء لأول مرة.

— لا…

أنا لسه بدأت.

ضحكت بسخرية.

وقالت:

— أحمد كان ضعيف.

وأبوه كان أضعف.

ولو رجع الزمن…

هعمل نفس اللي عملته.

الغرفة اتجمدت.

وكيل النيابة قال بسرعة:

— سجّلوا كل كلمة.

لكن دولت ما اهتمتش.

كملت وهي بتضحك.

— الثروة كانت لازم تبقى ليا.

مش لواحد هيتجوز خدامة.

رفعت رأسي.

وقلت بثبات:

— أنا عمري ما كنت خدامة.

أنا كنت مرات ابنك.

وأم حفيداتك.

إنتِ اللي خسرتي عيلتك بإيدك.

لأول مرة…

اختفى الغرور من وشها.

لكن ثواني…

ورجع تاني.

ابتسمت ابتسامة غريبة.

وقالت:

— فاكرة إن كل الأسرار بقت عندكم؟

لا…

لسه أهم ورقة عندي.

كلنا بصينا لها.

وكيل النيابة قال:

— أي ورقة؟

ردت وهي تضحك.

— وصية جوزي.

الوصية الحقيقية.

اللي لو خرجت…

هتخلي مريم تخسر كل حاجة.

محمود اتنفض من مكانه.

وقال بصوت عالي:

— مستحيل!

أنا كنت حاضر كتابة الوصية.

دولت ردت بثقة:

— دي مش الوصية اللي تعرفها.

دي نسخة محدش يعرف مكانها.

ولما أخرجها…

هتعرفوا إن اللعبة لسه ما خلصتش.

أنهت كلامها…

ورجعت تبص لمريم مباشرة.

وقالت جملة أخيرة هزت المكان كله:

— اسألي نفسك الأول…

إزاي أحمد مات في الحادث؟

مين قالك إنه كان حادث فعلًا؟

وبمجرد ما خرجت من غرفة التحقيق…

ساد الصمت.

لأن السؤال اللي سابته…

فتح باب قضية جديدة بالكامل.
الفصل السابع: الحادث الذي لم يكن حادثًا

فضلت جملة دولت ترن في ودني.

“مين قالك إنه كان حادث؟”

رجعت أبص لوكيل النيابة.

وقلت بصوت متردد:

— يعني إيه؟

المستشار فؤاد قال بهدوء:

— لحد دلوقتي… مفيش دليل يثبت كلامها.

لكن…

لازم نراجع ملف الحادث من أول وجديد.

محمود الجيار تنهد.

وقال:

— أحمد كان شاكك قبل وفاته بأسبوع.

كل الموجودين بصوا له.

قال:

— قالي بالحرف…
“لو حصلي حاجة… أوعى تصدق إنها صدفة.”

سأل وكيل النيابة:

— ليه قال كده؟

رد محمود:

— لأنه اكتشف إن حد كان بيتتبع تحركاته.

وكانت عربيته دخلت الصيانة مرتين في أسبوع واحد…

رغم إنها كانت جديدة.

—

بعد ساعات…

وصلت لجنة فنية لمخزن المرور.

وبدأوا يفتشوا في ملف الحادث القديم.

الضابط المسؤول قلب في الأوراق.

وفجأة قال:

— غريبة.

وكيل النيابة سأله:

— إيه؟

قال:

— تقرير فحص العربية ناقص.

فيه صفحات متشالة.

المستشار رد بسرعة:

— مين آخر واحد استلم الملف؟

بدأوا يراجعوا السجلات.

واكتشفوا إن موظفًا سابقًا استلمه…

قبل اختفائه من الشغل بثلاثة أيام.

—

في نفس الوقت…

كنت راجعة مع البنات إلى البيت.

ملك جريت عليا.

وقالت بابتسامة:

— يا ماما…

هو إحنا هنفضل هنا؟

حضنتها.

وقلت:

— لحد ما ربنا يفرجها.

سارة قالت وهي باصة لعمر:

— هو عمو عمر هيطردنا؟

عمر ابتسم لأول مرة.

ونزل لمستواها.

وقال:

— البيت ده طول ما أنتم محتاجينه…

هو بيتكم.

البنات جريوا حضنوه.

وأنا حسيت بإحراج.

قلت:

— حضرتك عملت معانا فوق طاقتك.

رد بهدوء:

— أنا بعمل اللي أي إنسان لازم يعمله.

—

وفي زنزانة الحبس…

كانت دولت قاعدة لوحدها.

دخلت عليها المحامية.

وقالت:

— الأخبار مش كويسة.

دولت سألت بعصبية:

— إيه الجديد؟

المحامية ردت:

— النيابة بدأت تحقق في حادث أحمد.

ابتسمت دولت فجأة.

ابتسامة خلت المحامية تقلق.

وقالت:

— خلاص…

يبقى لازم الورقة الأخيرة تتحرق.

المحامية سألت:

— أي ورقة؟

لكن دولت سكتت.

—

في اليوم التالي…

كان محمود الجيار خارج من النيابة.

ومعه حراسة.

وفجأة…

خرج شاب من وسط الزحمة.

وجرى ناحيته.

الضباط افتكروا إنه هيعتدي عليه.

لكن الشاب وقع على ركبته.

وسلم محمود ظرفًا صغيرًا.

وقال بسرعة:

— أبويا قبل ما يموت…

وصاني أوصل ده ليك.

ثم جرى وسط الناس واختفى.

محمود فتح الظرف.

ولما شاف اللي جواه…

وشه شحب.

جري على وكيل النيابة.

وقال وهو بينهج:

— لازم مريم تشوف ده حالًا.

دخلنا غرفة التحقيق.

حط صورة قديمة على الترابيزة.

كانت صورة لأحمد…

واقف جنب عربيته…

قبل الحادث بدقائق.

لكن اللي صدم الجميع…

إن تحت العربية…

كان واضح جدًا…

رجل راكع بيفك جزءًا من نظام الفرامل.

وكبر خبير الأدلة الصورة.

ثم قال بصدمة:

— دي مش مجرد صورة…

دي بداية إثبات إن الحادث كان مدبرًا.

وفي اللحظة نفسها…

رن هاتف وكيل النيابة.

رد.

ثم وقف فجأة.

وقال بوجه شاحب:

— للأسف…

الشاهد الوحيد اللي صور الصورة دي…

اتق*تل من ساعة واحدة.

وساب قبل موته رسالة قصيرة…

“دوروا على صاحب الخاتم الأسود…”

وساد الصمت…

لأن أحمد…

كان يلبس خاتمًا أسود دائمًا.

لكن…

لم يكن الوحيد.
الفصل الثامن: صاحب الخاتم الأسود

الجملة الأخيرة…

قلبت القضية كلها.

“دوروا على صاحب الخاتم الأسود.”

وكيل النيابة حط التليفون على المكتب.

وبص لمحمود.

وقال:

— أحمد كان بيلبس خاتم أسود فعلًا؟

هز محمود راسه.

— أيوه… لكنه ماكانش الوحيد.

في مجلس إدارة الشركة…

كان فيه أربعة أشخاص كلهم لابسين نفس الخاتم.

كان رمز لمجموعة استثمارية أسسها والد أحمد من أكتر من عشرين سنة.

قلت بسرعة:

— مين الأربعة؟

فتح محمود الملف.

وقال:

— أحمد…

ودولت بصفتها الوريثة بعد وفاة زوجها…

وشريك قديم اسمه عادل الصياد…

والمستشار القانوني السابق للشركة.

سأل عمر المنشاوي:

— وعادل ده فين دلوقتي؟

رد محمود وهو يقلب الأوراق:

— اختفى بعد وفاة أحمد بأسبوع.

—

في الوقت نفسه…

كانت دولت قاعدة في زنزانتها.

دخل عليها أحد الحراس.

وقال:

— عندك زيارة.

رفعت راسها باستغراب.

دخل رجل في الستين من عمره.

شعره أبيض.

ولابس بدلة سوداء.

أول ما شافته…

ابتسمت.

وقالت:

— كنت عارفة إنك هتيجي.

الرجل رد بهدوء:

— إنتِ غلطتي لما سيبتي مريم تعيش.

دولت قالت بعصبية:

— كل حاجة كانت ماشية كويس.

عمر المنشاوي هو اللي بوظ الخطة.

الرجل قرب منها.

وقال بصوت منخفض:

— لو الفلاشة التانية وصلت للنيابة…

إحنا كلنا انتهينا.

اتسعت عينا دولت.

— الفلاشة التانية؟

رد:

— أحمد عمل نسختين…

مش نسخة واحدة.

—

في بيت عمر…

كنت قاعدة في أوضة البنات.

بساعد ملك ترسم.

وفجأة…

سارة قالت:

— يا ماما…

هو بابا كان بيكتب مذكرات؟

استغربت.

— ليه بتسألي؟

جريت على شنطة صغيرة كانت محتفظة بيها.

وقالت:

— دي كانت تحت سريره.

كنت مخبياها علشان تيتة ما ترميهاش.

اتجمدت مكاني.

أخدت الشنطة بسرعة.

فتحتها.

كان فيها دفتر جلدي بني.

عليه اسم أحمد.

وأول صفحة مكتوب فيها:

“لو مريم لقت الدفتر ده…

يبقى ربنا أراد تعرف كل الحقيقة.”

بدأت أقلب الصفحات.

كل يوم…

كان أحمد كاتب ملاحظاته.

مواعيد.

وأسماء.

وتحذيرات.

لكن في آخر صفحة…

كانت جملة واحدة.

“الخائن مش بعيد…

الخائن من العيلة.”

شعرت بقشعريرة.

في اللحظة نفسها…

رن هاتف عمر.

رد بسرعة.

وبعد ثوانٍ تغير لون وجهه.

قلت بقلق:

— حصل إيه؟

رد وهو ينظر إليّ:

— محمود الجيار اختفى.

وقبل ما يختفي…

بعت رسالة صوتية.

شغل التسجيل.

وجاء صوت محمود متقطعًا…

واضح أنه كان بيجري.

قال:

“لو التسجيل ده وصلكم…

يبقى لحقوني متأخر.

أنا عرفت مكان الفلاشة التانية…

لكن حد سبقني…

ولو ما وصلتوش للمخزن القديم قبل منتصف الليل…

كل الأدلة هتتحرق.”

انتهى التسجيل.

ساد الصمت.

نظر عمر إلى ساعته.

وقال بحزم:

— فاضل أقل من ساعة…

لازم نتحرك حالًا.

لكنهم لم يكونوا يعرفوا…

أن شخصًا آخر…

كان قد وصل إلى المخزن قبلهم بدقائق…

وكان يحمل جركن بنزين…
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *