الهروب حكـايـات أسمـا السـيد ×2

الفصل الثالث
لم يستطع سليم أن ينام تلك الليلة.
كان الملف القديم مفتوحًا أمامه على المكتب، وصورة الرجل ذي القلادة الفضية لا تفارق عينيه.
مرت خمسة عشر سنة…
لكنه ما زال يتذكر كل تفصيلة من ذلك اليوم.
كان في الثالثة والعشرين من عمره، منشغلًا بتأسيس شركته الصغيرة، بينما كانت شقيقته نور في السابعة عشرة.
في ذلك الوقت…
لم يصدقها عندما قالت إن هناك أشخاصًا يراقبونها.
ظن أنها تبالغ.
حتى جاء اليوم الذي اختفت فيه ساعات طويلة، ثم عادت وهي منهارة نفسيًا، رافضة أن تخبر أحدًا بما حدث.
وبعد أشهر قليلة…
رحلت نور، تاركة وراءها رسالة قصيرة لم تذكر فيها أسماء، لكنها كتبت جملة واحدة لم ينساها أبدًا:
“سيأتي يوم يعرف فيه الجميع الحقيقة.”
أغلق الملف بعنف.
ثم ضغط زر الاتصال الداخلي.
“يوسف… ادخل.”
دخل مساعده بعد ثوانٍ.
قال سليم:
“من غير ما حد يعرف… عايز كل المعلومات عن الست اللي كانت واقفة في الطريق النهارده.”
أومأ يوسف.
“اسمها؟”
“لسه معرفوش.”
“بس هتلاقيها.”
ثم أضاف:
“وعايز تعرف مين إبراهيم الدمنهوري دلوقتي… عايش فين… وبيشتغل مع مين.”
هز يوسف رأسه.
“اعتبره حصل.”
…
في الطابق السفلي…
كانت الطبيبة تنتهي من فحص إيمان.
أغلقت حقيبتها الطبية، ثم خرجت لتتحدث مع سليم.
قالت بجدية:
“جسمها فيه آثار عنف قديمة وحديثة.”
“وفيه سوء تغذية واضح.”
“واضح إنها عاشت فترة طويلة تحت ضغط نفسي شديد.”
ساد الصمت.
ثم سألت:
“هي قريبتك؟”
قال بهدوء:
“لأ.”
“بس من الليلة دي… محدش هيقربلها.”
ابتسمت الطبيبة ابتسامة خفيفة.
“كويس… لأنها محتاجة حد يحميها.”
…
داخل الغرفة…
جلست إيمان أمام النافذة.
كانت تنظر للمطر الذي بدأ يهدأ.
دخلت هناء تحمل كوبًا من الشاي.
قالت بحنان:
“اشربي.”
ابتسمت إيمان لأول مرة.
ابتسامة صغيرة جدًا…
لكنها كانت حقيقية.
جلست هناء بجوارها.
“تحبي تحكيلي؟”
هزت رأسها بالنفي.
ثم بعد لحظات…
قالت فجأة:
“أنا كنت فاكرة إن بابا هيحميني.”
“لكن مات.”
اغرورقت عيناها.
“ومن يومها…”
“كل حاجة اتغيرت.”
…
عادت بذاكرتها إلى سنوات مضت.
بعد وفاة والدها بأسبوع فقط…
دخلت سهام غرفتها.
نزعت كل الصور التي تجمعها بأبيها.
وقالت ببرود:
“من النهارده… مفيش دلع.”
ثم سلمتها مريلة قديمة.
“المطبخ مسؤوليتك.”
كانت إيمان لا تزال طالبة في المدرسة.
لكنها أصبحت تستيقظ قبل الفجر.
تنظف البيت.
تغسل الملابس.
تعد الطعام.
ثم تذهب إلى المدرسة متأخرة ومتعبة.
وإذا حصلت على درجات مرتفعة…
كانت سهام تمزق شهاداتها.
وتقول:
“الدراسة مش هتنفعك.”
“مكانك الطبيعي في المطبخ.”
مرت السنوات…
حتى أصبحت إيمان سجينة داخل البيت.
ممنوعة من زيارة صديقاتها.
ممنوعة من استخدام الهاتف.
حتى أوراقها الشخصية…
كانت سهام تحتفظ بها داخل خزنة خاصة.
…
استفاقت من ذكرياتها على صوت طرق خفيف.
دخل سليم.
توقفت عن الكلام فورًا.
قال بهدوء:
“ممكن أقعد؟”
أومأت.
جلس على الكرسي المقابل.
ثم وضع أمامها ظرفًا صغيرًا.
فتحت الظرف باستغراب.
وجدت بداخله بطاقة هوية جديدة مؤقتة.
قال:
“قدمت طلب استخراج بدل فاقد لكل أوراقك.”
اتسعت عيناها.
“إزاي؟”
“لأن أي حد بيهرب من العنف… أول حاجة لازم يسترجع هويته.”
نظرت إليه طويلًا.
ثم همست:
“أنا مش فاهمة…”
“ليه بتساعدني؟”
ظل صامتًا لثوانٍ.
ثم قال:
“لأن حد زمان…”
“طلب مني نفس المساعدة.”
“وأنا اتأخرت.”
لم يفهمها أكثر من ذلك.
لكنه نهض وغادر.
…
في صباح اليوم التالي…
كانت سهام قد وصلت إلى قسم الشرطة.
صرخت أمام الضابط:
“بنتي اتخطفت.”
رفع الضابط رأسه.
“مين خطفها؟”
قالت بسرعة:
“رجل أعمال.”
“استدرجها بالعربية.”
كتب الضابط البلاغ.
ثم سألها:
“اسم البنت؟”
“إيمان.”
“سنها؟”
“اثنين وعشرين.”
“بطاقتها معاك؟”
تلعثمت.
“آه…”
“يعني…”
“هي ضيعتها.”
نظر إليها الضابط باهتمام.
“وصورة شخصية؟”
“معنديش.”
“رقم تليفونها؟”
صمتت.
بدأت علامات الشك تظهر على وجه الضابط.
فسألها:
“حضرتك أمها فعلًا؟”
أجابت بسرعة:
“طبعًا.”
لكنه لاحظ ارتباكها.
فسجل ملاحظة صغيرة في نهاية المحضر.
“يلزم التحقق من أقوال المبلغة.”
خرجت سهام من القسم وهي تغلي غضبًا.
أخرجت هاتفها.
واتصلت بالرجل نفسه.
قالت:
“الشرطة مش هتفيد.”
جاءها صوته غاضبًا:
“يبقى هنجيبها بطريقتنا.”
…
في نفس الوقت…
وصل يوسف إلى مكتب سليم ومعه ملف جديد.
قال:
“عرفنا اسم الست.”
فتح الملف.
الاسم: سهام عزت.
الحالة الاجتماعية: أرملة.
محل الإقامة: منزل قديم ورثته عن زوجها.
ثم قلب الصفحة التالية.
وتغيرت ملامح سليم فجأة.
لأن التقرير احتوى على معلومة لم يكن يتوقعها.
قبل عشر سنوات… كانت سهام تعمل سكرتيرة خاصة لدى رجل الأعمال إبراهيم الدمنهوري.
ساد الصمت داخل المكتب.
ثم قال سليم ببطء:
“إذن…”
“القلادة ما كانتش مجرد صدفة.”
أغلق الملف.
ثم نظر إلى يوسف وقال بحزم:
“من اللحظة دي…”
“إيمان مش مجرد بنت محتاجة حماية.”
“إيمان بقت الشاهد الوحيد…”
“اللي ممكن يفتح أخطر قضية اتدفنت من سنين.”
يتبع…
الفصل الرابع
حلّ الصباح على القصر بهدوء لم تعرفه إيمان منذ سنوات.
استيقظت قبل الجميع.
كانت تلك عادة فرضتها عليها الحياة.
أن تستيقظ قبل الفجر…
قبل الصراخ…
قبل الأوامر…
قبل أن يبدأ يوم جديد من الإهانة.
لكنها عندما خرجت من غرفتها…
تفاجأت بأن المكان هادئ.
لا أحد يناديها.
لا أحد يصرخ.
ولا أحد يأمرها بتنظيف الأرض.
وقفت في الممر للحظات، وكأنها لا تعرف ماذا تفعل بحريتها.
في تلك اللحظة…
خرجت هناء من المطبخ.
ابتسمت عندما رأتها.
“صباح الخير يا بنتي.”
ارتبكت إيمان.
ثم همست:
“صباح الخير.”
قالت هناء وهي تضحك:
“إنتِ لسه مش متعودة، صح؟”
نظرت إليها إيمان باستغراب.
قالت هناء:
“متعودة إن أول ما تصحي حد يزعقلك.”
لم تستطع إيمان الرد.
لأن هناء أصابت الحقيقة تمامًا.
…
في الجهة الأخرى…
كان سليم داخل غرفة الاجتماعات.
أمامه يوسف، ورئيس الأمن الخاص بالشركة، ورجل قانوني يعمل معه منذ سنوات.
فتح يوسف شاشة كبيرة.
ظهرت عليها صورة سهام.
ثم بدأ يتحدث.
“دي كل المعلومات اللي جمعناها في أقل من عشر ساعات.”
انتقلت الصورة إلى مجموعة مستندات.
“بعد وفاة والد إيمان…”
“سهام باعت قطعة أرض كانت باسمه.”
“بعدها بسنة…”
“باعت شقة.”
“وبعدها اختفت كل الأموال.”
رفع سليم رأسه.
“راحت فين؟”
أجاب يوسف:
“الغريب…”
“إن الفلوس اتحولت لحسابات شركات وهمية.”
ثم ظهرت صورة جديدة.
رجل خمسيني، أصلع، يرتدي بدلة باهظة الثمن.
قال يوسف:
“وده إبراهيم الدمنهوري.”
ساد الصمت.
ثم أكمل:
“رغم إنه أعلن اعتزاله من عشر سنين…”
“إلا إنه لسه بيدير كل أعماله من وراء ستار.”
تغيرت ملامح سليم.
“أكيد فيه علاقة.”
…
في الوقت نفسه…
كانت سهام تجلس داخل منزلها.
ألقت كوب الشاي على الأرض بغضب.
دخل عليها رجل ضخم الجسد.
اسمه فؤاد.
قال:
“لسه ملقيناش البنت.”
صرخت فيه:
“إزاي؟!”
“دي عمرها ما خرجت لوحدها.”
“أكيد خايفة.”
ابتسم فؤاد ابتسامة باردة.
“الخوف بيخلي الناس تغلط.”
ثم أضاف:
“هنستناها تظهر.”
لكن سهام لم تكن مطمئنة.
كانت تعرف شيئًا لا يعرفه أحد.
لو تكلمت إيمان…
ستنتهي حياتها التي بنتها بالكذب.
…
بعد الظهر…
كانت إيمان تجلس في الحديقة.
لأول مرة منذ سنوات…
تشعر بدفء الشمس.
اقترب منها سليم.
جلس على المقعد المقابل.
لم يتحدث مباشرة.
ترك الصمت يسبق الكلام.
ثم قال:
“إيمان…”
“أنا محتاج أعرف الحقيقة.”
خفضت رأسها.
“أي حقيقة؟”
“ليه سهام خايفة منك بالشكل ده؟”
“وليه قالت إنك حرامية؟”
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت:
“لأنها بتخاف من الحاجة الوحيدة اللي معايا.”
نظر إليها باهتمام.
“إيه هي؟”
ترددت طويلًا.
ثم مدت يدها داخل بطانة الفستان القديم الذي كانت لا تزال تحتفظ به.
فتحت خياطة صغيرة جدًا.
وأخرجت منها…
مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا.
وضعته فوق الطاولة.
تجمد سليم.
“ده إيه؟”
قالت بصوت مرتجف:
“بابا قبل ما يموت…”
“صحاني الفجر.”
“وقالي…”
“إوعي تدي المفتاح ده لأي حد.”
“ولو حصلي حاجة… اهربي بيه.”
“وفي يوم هتقابلي شخص تثقي فيه.”
“ساعتها بس… افتحي الأمانة.”
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
“أمانة؟”
أومأت.
“بابا كان عنده خزنة في بنك.”
“معرفش فيها إيه.”
“ولا حتى البنك فين.”
“كل اللي أعرفه…”
“إن المفتاح ده هو اللي كانوا بيدوروا عليه طول السنين دي.”
اتسعت عينا سليم.
بدأت الصورة تكتمل.
إذن…
لم تكن سهام تعذبها انتقامًا فقط.
بل كانت تبحث عن المفتاح.
…
وفجأة…
دوى صوت انفجار قوي عند البوابة الرئيسية للقصر.
قفز الجميع من أماكنهم.
ركض أفراد الأمن.
وانطلقت صفارات الإنذار.
وقف سليم بسرعة.
“إيه اللي حصل؟”
جاء صوت أحد الحراس عبر جهاز الاتصال:
“يا فندم…”
“في عربية اقتحمت البوابة الخارجية.”
“وأربع رجال مسلحين نزلوا منها.”
أمسك سليم بذراع إيمان.
وقال بحزم:
“اطلعي فوق.”
لكنها لم تتحرك.
كانت تنظر من النافذة.
ثم همست بخوف شديد:
“الراجل اللي لابس الجاكيت الأسود…”
“أنا أعرفه.”
نظر سليم إليه عبر كاميرات المراقبة.
قال:
“مين؟”
ارتجفت شفتاها.
“ده فؤاد…”
“الراجل اللي كان بيحبسني في المخزن…”
“وكان يقول لسهام…”
“سيبيها تعيش… لحد ما تقول المفتاح فين.”
تبدلت ملامح سليم بالكامل.
أغلق شاشة المراقبة.
ثم التفت إلى رئيس الأمن وقال بصوت حاسم:
“من هذه اللحظة…”
“لا أحد يدخل القصر.”
“ولا أحد يخرج.”
“واضح إن الحرب الحقيقية… بدأت الآن.”
يتبع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *