تخلي عني حكـايـات أسمـا ×2
الفصل الرابع: الحكم الذي غيّر حياتهم جميعًا
بعد كلمتي في المحكمة…
لم يعد في القاعة شخص واحد ينظر إلى والديّ البيولوجيين بنفس النظرة.
لم يعد الناس يرونهما رجلَي أعمال ناجحين…
بل أبًا وأمًا اختارا المال على حياة طفلتهما.
أما أوليفيا…
فكانت تمسك يدي بقوة.
كأنها تخشى أن أختفي مرة أخرى.
استمرت المحاكمة ثلاثة أشهر.
وخلالها…
ظهرت حقائق جديدة كل أسبوع.
مدير الحسابات السابق في شركة أبي اعترف تحت القسم أن جزءًا من ثروته كان يُخفى في حسابات خارجية للتهرب من الضرائب.
وموظفة سابقة في المستشفى شهدت أنها تلقت تعليمات بحذف بعض الملاحظات من ملفي الطبي بعد أيام من مغادرة والديّ.
لكن أقوى شهادة جاءت من شخص لم أتوقع حضوره.
أختي الصغرى…
صوفيا.
آخر مرة رأيتها كانت وأنا في الثالثة عشرة.
دخلت المحكمة وهي في السادسة والعشرين.
اقتربت مني بتردد.
وقالت بصوت خافت:
“ممكن أتكلم معاكي؟”
نظرت إليها طويلًا.
لم أكن أكرهها.
هي لم تكن سوى طفلة وقتها.
خرجنا إلى ممر المحكمة.
وقفت تبكي.
وقالت:
“أنا عرفت الحقيقة من سنة.”
نظرت إليها في صمت.
أكملت:
“كنت بنضف مكتب بابا… ولقيت ملفك.”
“قرأت كل حاجة.”
“ومن يومها وأنا مش عارفة أنام.”
أخرجت من حقيبتها ظرفًا بنيًا.
وقالت:
“دي نسخ من رسائل وإيميلات بابا وماما.”
“احتفظت بيها.”
فتحت الظرف.
كانت رسائل متبادلة بينهما.
إحداها كتب فيها أبي:
“حتى لو عاشت… مش هتصرف الملايين دي عليها.”
ورسالة أخرى من أمي:
“صوفيا أولى بالمستقبل.”
أغلقت الظرف.
لم أبكِ.
لم أعد أملك دموعًا لذلك الماضي.
قلت لها بهدوء:
“إنتِ مالكيش ذنب.”
انهارت وهي تحتضنني.
وقالت:
“سامحيني…”
ربتُّ على كتفها.
“المسامحة مش هتمحي اللي حصل.”
“لكنها هتمنع الألم إنه يكمل يعيش جوانا.”
بعد أسبوع…
جاء يوم النطق بالحكم.
كانت المحكمة ممتلئة.
الصحافة.
الأطباء.
الطلاب.
ومرضى سابقون كانوا يعرفون أوليفيا.
وقف القاضي.
وتلا الحكم.
إدانة والديّ البيولوجيين في جرائم التلاعب بالأوراق الرسمية، والبلاغ الكيدي، ومحاولة الإضرار بالمستقبل المهني.
كما أمر بإحالة ملف التخلي عن العلاج إلى النيابة المختصة للنظر في المسؤوليات القانونية التي كانت قائمة وقت وقوع الأحداث.
ثم أعلن رفض جميع الدعاوى الكيدية المقدمة ضدي.
بعد انتهاء الجلسة…
خرجت إلى ساحة المحكمة.
كان الصحفيون ينتظرونني.
سألني أحدهم:
“ما أول شيء ستفعلينه بعد انتهاء القضية؟”
ابتسمت.
ونظرت إلى أوليفيا.
وقلت:
“هرجع المستشفى.”
استغرب.
“للعمل؟”
هززت رأسي.
“لا.”
“علشان أزور الأطفال اللي بيحاربوا السرطان.”
بعد شهرين…
بدأت عملي رسميًا في قسم أورام الأطفال.
في أول يوم…
دخلت غرفة طفلة صغيرة.
كانت في الثانية عشرة.
رأسها بلا شعر.
وتنظر إلى الأرض.
ابتسمت وجلست بجوارها.
قلت:
“أنا كمان كان معنديش شعر.”
رفعت رأسها بسرعة.
“بجد؟”
ضحكت.
“وأكتر منك كمان.”
بدأت أحكي لها قصتي.
ولأول مرة…
رأيتها تبتسم.
خارج الغرفة…
كانت أوليفيا تراقبني من خلف الزجاج.
ابتسمت.
وقالت لإحدى الممرضات:
“أنا خلصت رسالتي.”
سمعتها.
خرجت بسرعة.
وقلت لها:
“لأ.”
“إحنا لسه هنبدأ.”
بعد عام…
افتتحنا معًا مؤسسة لعلاج الأطفال غير القادرين.
وحملت المؤسسة اسمًا واحدًا فقط.
“بيت أوليفيا”.
وفي حفل الافتتاح…
طلبوا مني ألقي كلمة.
وقفت على المنصة.
ثم نظرت إلى أوليفيا الجالسة في الصف الأول.
وقلت:
“قبل سنة…
وقفت على مسرح تخرجي وكشفت الحقيقة.”
“أما النهارده…”
“فأنا واقفة علشان أقول حقيقة أهم.”
“الأسرة ليست التي تمنحك اسمًا…”
“الأسرة هي التي تتمسك بيدك عندما يتركك الجميع.”
نزلت من على المنصة.
واتجهت نحو أوليفيا.
واحتضنتها أمام الجميع.
وقف الحضور يصفق طويلًا.
أما هي…
فهمست في أذني وهي تبكي:
“أنا فخورة بيكي يا بنتي.”
ابتسمت.
وأجبتها بالجملة التي انتظرتها طوال عمرها:
“وأنا فخورة إني بنتك.”
الفصل الخامس: بعد خمس سنوات
مرت خمس سنوات…
وأصبحت حياتي مختلفة تمامًا.
كل صباح…
كنت أعبر الممر الطويل داخل “بيت أوليفيا”.
أسمع ضحكات الأطفال…
وأرى الألوان على الجدران بدلًا من لون المستشفيات الباهت.
كان المكان يعالج مئات الأطفال المصابين بالسرطان مجانًا.
وكل طفل يدخل من الباب…
كنت أرى فيه جزءًا من نفسي القديمة.
في ذلك الصباح…
دخلت أوليفيا إلى مكتبي وهي تحمل ملفًا.
ابتسمت وقالت:
“فيه بنت جديدة وصلت.”
فتحت الملف.
العمر…
اثنتا عشرة سنة.
التشخيص…
سرطان الدم.
أغلقت الملف ببطء.
وللحظة…
شعرت أن الزمن عاد بي خمسة عشر عامًا.
دخلت غرفتها.
كانت تجلس على السرير وهي تنظر إلى الأرض.
اقتربت منها.
وجلست بجوارها.
قلت بابتسامة:
“عارفة… أنا كنت قاعدة مكانك بالضبط.”
رفعت رأسها بسرعة.
“بجد؟”
هززت رأسي.
“وكنت مرعوبة أكتر منك.”
ابتسمت لأول مرة.
وسألتني:
“وخفيتي؟”
ضحكت.
“أهو قدامك.”
في الخارج…
كانت أمها تبكي.
اقتربت منها أوليفيا وربتت على كتفها.
وقالت الجملة نفسها التي قالتها لي قبل سنوات:
“لسه فيه أمل.”
—
في المساء…
وصلني خطاب رسمي.
كان من إحدى الجامعات الكبرى.
فتحته.
وجدت دعوة لتولي منصب أستاذ مساعد في كلية الطب.
ابتسمت.
ثم وضعت الخطاب جانبًا.
سألتني أوليفيا:
“مش هتوافقي؟”
قلت:
“هوافق.”
“بس بشرط.”
“كل طالب هيدرس عندي لازم يقضي شهرًا كاملًا في علاج الأطفال مجانًا.”
ضحكت أوليفيا.
“لسه عنيدة.”
قلت وأنا أضحك:
“اتعلمت منك.”
—
بعد أسابيع…
رن هاتفي.
رقم غير مسجل.
رددت.
جاءني صوت أعرفه.
كان صوت صوفيا.
قالت بتردد:
“ممكن أشوفك؟”
وافقت.
تقابلنا في مقهى هادئ.
بدت مختلفة.
أكثر نضجًا…
وأقل تكبرًا.
قالت وهي تنظر إلى فنجان القهوة:
“بابا وماما باعوا أغلب ممتلكاتهم.”
لم أعلق.
أكملت:
“هما دلوقتي عايشين في بيت صغير.”
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
“كل يوم بيسألوا عنك.”
تنهدت.
وقلت بهدوء:
“أتمنى يكونوا بخير.”
رفعت رأسها باستغراب.
“بس… بعد كل اللي عملوه؟”
ابتسمت.
“التسامح مش معناه إننا ننسى.”
“ولا معناه إننا نرجع زي الأول.”
“هو بس معناه إننا منخليش الماضي يسرق باقي عمرنا.”
مدت يدها وأمسكت يدي.
وقالت:
“نفسي نبقى أخوات من جديد.”
ابتسمت.
وضغطت على يدها.
“من غير كذب…”
“ومن غير أسرار.”
هزت رأسها وهي تبكي.
—
في عيد ميلاد أوليفيا الخامس والسبعين…
اجتمع كل الأطفال الذين تعالجوا في المؤسسة.
بعضهم أصبح مهندسًا.
وبعضهم معلمًا.
وبعضهم طبيبًا.
وكل واحد منهم صعد إلى المسرح يحمل وردة.
حتى امتلأت يداها بالزهور.
وقفت أمامها.
وأخرجت إطارًا خشبيًا صغيرًا.
كان بداخله أول صورة جمعتنا في المستشفى.
أنا…
بلا شعر.
وهي تبتسم رغم تعبها.
قلت أمام الجميع:
“في ناس بتورث أولادها فلوس.”
“وفي ناس بتورثهم اسمًا.”
“أما أنتِ…”
“فورثتِنا الشجاعة.”
وقفت القاعة كلها تصفق.
أما أوليفيا…
فقالت وهي تمسح دموعها:
“أنا ما أنقذتش بنت واحدة.”
ثم نظرت إلى الأطفال الموجودين.
وأضافت بابتسامة واسعة:
“أنا ربنا رزقني بمئات الأولاد.”
وفي تلك اللحظة…
أدركت أن أعظم ثروة يمكن أن يتركها الإنسان خلفه…
ليست المال…
ولا الشهرة…
بل حياةٌ أنقذها…
وقلبٌ أعاد إليه الأمل.
النهاية.
تمت.