صبغة شعر حكـايـات أسمـا السـيد

بنتها رفضت تخليها تتصور معاها في الفرح وبعدتها بقوه وقالتلها : انتي ست مقرفه، قلتلك اصبري شعرك الابيض دا فضحتيني…
“بنتي فضلت تلح عليّا أصبغ شعري الأبيض قبل فرحها… رفضت، وماكنش حد يتوقع اللي حصل بعد كده.”

الجزء الأول

من شهر تقريبًا…

وبنتي سارة كل يوم تكلمني في نفس الموضوع.

في الأول كانت بتتكلم بهدوء.

وتقول:

— يا ماما… لو صبغتي شعرك بني غامق هتبقي أصغر بعشر سنين.

كنت أبتسم.

وأرد:

— أنا مبسوطة بشعري كده.

لكن مع قرب الفرح…

كلامها اتغير.

وقالت:

— أنا بس عايزة صور الفرح تطلع حلوة.

قبل الفرح بيوم…

اتصلت بيا.

وسألتني:

— قوليلي إنك حجزتي عند الكوافير؟

كنت تعبت من الجدال.

فقلت:

— متقلقيش… ههتم بشعري.

هي فهمت…

إني هصبغه.

لكن…

أنا ما قلتش كده.

تاني يوم…

غسلته.

وسرحته.

ولبست الفستان الكحلي…

اللي اخترناه سوا.

وروحت الفرح.

وكل خصلة بيضا…

كانت زي ما هي.

أول ما سارة شافتني…

وشها اتغير.

مسكت إيدي بسرعة.

وسحبتني جنب أوضة فاضية.

وقالت بعصبية:

— إيه اللي عملتيه؟!

قلت باستغراب:

— اتجهزت وجيت فرح بنتي.

قالت وهي بتزود صوتها:

— إنتِ فاهمة قصدي.

قلت بهدوء:

— أنا ما وعدتكيش إني هصبغ شعري.

عينيها اتمَلوا دموع.

وقالت:

— الناس كلها هتبصلك… بدل ما تبصلي أنا!

بصيت لها بذهول.

وقلت:

— يا بنتي… محدش مهتم بشعري.

صرخت:

— أنا اللي مهتمة!

وسابتني…

ومشت.

طول الفرح…

كانت كل شوية تبعدني في الصور.

مرة ورا خالت العريس.

ومرة في آخر الصف.

وبعدين…

سمعتها وهي بتقول لوحدة من البنات:

— خلي ماما ما توقفش ورايا في أي صورة.

قالتها…

وهي عارفة إني سمعتها.

وما اعتذرتش.

حسيت إن قلبي اتكسر.

مسكت شنطتي.

وقررت أمشي…

من فرح بنتي…

من غير حتى ما أودعها.

لكن…

قبل ما أوصل باب القاعة…

وقف قدامي شاب.

كان قاعد مع أهل العريس.

وقال بأدب:

— حضرتك مدام نادية؟

قلت:

— أيوه.

بص ناحية سارة.

وبعدين قرب مني.

وهمس:

— بنتك لازم تعتذرلك… بس مش بسبب الشعر.

بصيت له باستغراب.

وقلت:

— ليه؟

قال بهدوء:

— علشان السر اللي مخبياه عن كل الناس.

قبل ما أسأله أي حاجة…

مسك الشوكة.

وخبط بيها على الكوباية.

القاعة كلها سكتت.

وسارة لفت ناحيته.

ابتسم ابتسامة هادئة.

وقال بصوت سمعه كل الموجودين:

— لو سمحتوا… عندي كلام لازم أقوله… وما بقاش ينفع أفضل ساكت أكتر من كده.

وفي اللحظة دي…

عرفت…

إن الليلة دي…

لسه مخبية مفاجأة أكبر بكتير…

من مجرد شعري الأبيض.لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين _ حكـايـات أسمـا السـيد
الجزء الثاني

القاعة كلها سكتت.

وكل العيون اتجهت ناحية الشاب.

حتى الدي جي وقف الموسيقى.

وسارة بصت له بقلق.

وقالت وهي بتحاول تبتسم:

— معلش… لو عندك كلمة للعروسين اتفضل.

هز راسه.

وقال بهدوء:

— لا… الكلمة دي مش للعروسين.

الكلمة دي…

لأم العروسة.

وبص ناحيتي.

وقال:

— مدام نادية… لو سمحتي متتحركيش.

حسيت إن رجلي مش شايلاي.

وكل الموجودين بقوا يبصوا بيني وبينه.

العريس قرب من سارة.

وهمس:

— مين ده؟

ردت بسرعة:

— معرفوش كويس… ده واحد قريب مرات خالي.

لكن ملامحها…

كانت بتقول إنها مرعوبة.

الشاب خد نفس طويل.

وقال:

— يمكن ناس كتير مستغربة أنا بعمل كده ليه.

بس أنا مقدرش أشوف ست تتكسر بالشكل ده وأسكت.

من ساعة ما دخلت الفرح…

وأنا شايف العروسة بتبعد والدتها من كل صورة.

مرة بحجة إن المصور عايز ترتيب معين.

ومرة بحجة إن الضيوف كتير.

لكن الحقيقة…

إن السبب كان الشعر الأبيض.

همهمة خفيفة انتشرت وسط الناس.

وسارة احمر وشها.

وقالت بعصبية:

— لو سمحت… دي حاجة تخص عيلتنا.

ابتسم وقال:

— كانت تخص عيلتكم.

لحد ما اتحولت لإهانة قدام مئات الناس.

وبعدين بص لكل الموجودين.

وقال:

— تعرفوا الست دي عملت إيه علشان بنتها توصل لليوم ده؟

سارة صرخت:

— كفاية!

لكنه كمل.

— وأنا صغير كنت ساكن جنبهم.

كنت كل يوم الصبح أشوف مدام نادية خارجة الساعة خمسة الفجر.

وترجع بعد المغرب.

كانت بتنضف شركتين.

وبعدين تروح تخيط هدوم للناس بالليل.

علشان بنتها تدخل أحسن مدرسة.

الناس بدأت تبصلي.

وأكتر من واحدة من قرايبنا نزلت دموعها.

الشاب قال:

— فاكر مرة سارة كان عندها رحلة مدرسية.

وكان مطلوب أربعمية جنيه.

وسارة كانت زعلانة لأنها فاكرة أمها مش معاها.

تعرفوا مدام نادية عملت إيه؟

باعت خاتم جوازها.

عشان بنتها متتحرمش من الرحلة.

لقيت نفسي بعيط.

لأني افتكرت اليوم ده.

فعلاً كنت باعت الخاتم.

لكن عمري ما قلت لسارة.

هي كانت فاكرة إن الخاتم ضاع.

الشاب كمل:

— وفاكر يوم الثانوية العامة.

لما جهاز التكييف باظ.

والست دي فضلت طول الليل تهوي على بنتها بمروحة بإيدها.

وهي نفسها ما نامتش.

علشان بنتها تعرف تذاكر.

كل كلمة…

كانت بتوجع أكتر من اللي قبلها.

العريس بقى يبص لسارة باستغراب.

وقال:

— الكلام ده حقيقي؟

سارة سكتت.

ماعرفتش ترد.

الشاب ابتسم بحزن.

وقال:

— النهارده…

بعد كل السنين دي…

كل اللي شاغلها…

إن أمها شعرها أبيض.

وساعتها…

سارة فقدت أعصابها.

جريت ناحيتي.

ومسكت دراعي بعنف.

وقالت بصوت عالي:

— خلاص بقى!

وبعدين زقتني قدام الناس كلها.

وقالت وهي بتصرخ:

— انتي ست مقرفة!

قلتلك اصبغي شعرك!

فضحتيني قدام الناس كلها!

القاعة اتجمدت.

فيه ناس شهقت.

وفيه ناس حطت إيديها على بقها من الصدمة.

وأنا…

فضلت واقفة.

مش قادرة أستوعب.

دي بنتي.

البنت اللي أول كلمة قالتها في حياتها كانت “ماما”.

هي نفسها…

اللي بتبصلي النهارده بالقسوة دي.

العريس ساب إيدها.

وبص لها بذهول.

وقال:

— إنتي بتكلمي والدتك كده؟

ردت وهي منهارة:

— إنت مش فاهم.

أنا تعبت.

كل الناس كانت هتفتكرها جدتي.

العريس رجع خطوة لورا.

وكأن أول مرة يشوفها على حقيقتها.

وقال بصوت هادي…

لكن كل القاعة سمعته:

— لا…

أنا اللي مكنتش فاهم.

أنا كنت فاكر إني هتجوز بنت محترمة.

تكرم أمها.

مش تذلها.

وسابها…

ومشى ناحية والدته.

أما أنا…

فكنت لسه واقفة.

والدموع بتنزل في صمت.

وفجأة…

ست كبيرة من قرايب العريس قامت من مكانها.

ومشت لحد عندي.

حضنتني.

وبوست راسي.

وقالت بصوت عالي:

— الشعر الأبيض ده…

تاج على رأس كل أم تعبت وربت.

وساعتها…

كل الستات اللي في القاعة تقريبًا…

وقفوا حواليّا.

وبدأت واحدة ورا التانية…

تحضني.

وسارة…

كانت واقفة لوحدها.

تبص للمشهد.

وتكتشف…

إن الحاجة اللي كانت بتحاول تخبيها طول الليل…

بقت هي أكتر واحدة الناس كلها بتبصلها.
الجزء الثالث

سارة فضلت واقفة مكانها…

وشها شاحب.

وعينيها مليانة دموع.

لكن محدش قرب منها.

أم العريس بصت لابنها.

وقالت بهدوء:

— هتكمل الفرح؟

العريس ما ردش.

كان بيبص لسارة.

وكأنه أول مرة يشوفها.

وبعدين قال:

— قبل ما أرد…

عايز أعرف حاجة واحدة.

لف ناحية سارة.

وسألها:

— هو ده أول مرة تعملي كده مع والدتك؟

سارة سكتت.

لكن الشاب اللي كان اتكلم قبل شوية…

قال:

— للأسف… لأ.

كل الناس بصت له.

وقال:

— أنا كنت جارهم سنين.

وشفت حاجات كتير.

كنت بشوف مدام نادية راجعة من الشغل تعبانة.

وسارة كانت تزعق فيها علشان لبسها قديم.

وتقول لها:

“متجيش المدرسة غير لما تشتري هدوم تليق بيا.”

مرة تانية…

رفضت تمشي جنبها في المول.

وقالت لصحباتها:

“دي الشغالة بتاعتنا.”

شهقة طلعت من أكتر من حد.

أنا حطيت إيدي على وشي.

وقلت بصوت مكسور:

— ليه يا بنتي؟

أنا عملتلك إيه؟

سارة انفجرت في العياط.

وقالت:

— أنا… أنا كنت بخاف من كلام الناس.

قلت لها وأنا ببكي:

— وخوفك من كلام الناس…

كان أكبر من خوفك على قلب أمك؟

ما قدرتش ترد.

العريس نزل دبلته من صباعه.

وحطها على الترابيزة.

القاعة كلها اتجمدت.

سارة جريت عليه.

وقالت:

— إنت بتعمل إيه؟

قال بمنتهى الهدوء:

— أنا اتجوزت بنت جميلة.

لكن اكتشفت إن قلبها قبيح.

الجمال بيتغير.

الشعر الأبيض بيزيد.

لكن الأخلاق…

لو مش موجودة…

مفيش حاجة تعوضها.

سارة مسكت إيده.

وقالت وهي بتنهار:

— علشان خاطري…

متسبنيش.

قال:

— اللي يكسر قلب أمه…

بكرة هيكسر قلب مراته.

وأنا مش هعيش مستني دوري.

ولف ناحية المأذون.

وقال:

— الفرح انتهى.

القاعة اتحولت لفوضى.

أهل سارة بيجروا وراه.

وأهل العريس بيحاولوا يهدوه.

وأنا…

كنت واقفة مش قادرة أصدق.

رحت ناحية ابني أخو سارة.

وقلت له:

— الحق أختك.

هز راسه بحزن.

وقال:

— لا يا أمي…

النهارده هي لازم تتحمل نتيجة اللي عملته.

بعد حوالي عشر دقايق…

العريس رجع.

لكن المرة دي…

كان ماسك ميكروفون.

وقال:

— أنا مش هفضح حد.

ولا هشمت في حد.

لكن قبل ما أمشي…

فيه حاجة لازم تتعمل.

نزل من على المسرح.

ومشى لحد ما وقف قدامي.

وفجأة…

انحنى.

وباس إيدي.

وقال قدام كل الناس:

— سامحيني…

نيابة عن أي ابن أو بنت…

جرحوا قلب أمهم.

وانفجرت القاعة في تصفيق طويل.

أنا ما قدرتش أتمالك نفسي.

وبكيت.

لكن وسط التصفيق…

سمعنا صوت وقع قوي.

لفينا كلنا.

لقينا سارة…

واقعة على الأرض.

فاقدة الوعي.

والكل جري عليها.

أما أنا…

فضلت واقفة مكاني.

مش عارفة أجري عليها…

ولا أسيبها.

رغم كل اللي عملته…

كانت بنتي.

وقلبي…

لسه قلب أم.

الجزء الرابع

— حد يجيب دكتور!

الصوت اتردد في القاعة.

وكل الناس جريت ناحية سارة.

وأنا…

رغم الوجع اللي جوايا…

جريت قبل أي حد.

ركعت جنبها.

ورفعت راسها على رجلي.

وقلت بخوف:

— سارة… يا بنتي… افتحي عينيكي.

بعد ثواني…

فتحت عينيها ببطء.

أول ما شافتني…

انفجرت في البكاء.

وحضنتني بقوة.

وقالت بصوت متقطع:

— سامحيني يا ماما… سامحيني.

إيدي اتحركت لوحدها.

ومسحت على شعرها.

رغم إن قلبي كان لسه مكسور.

قلت:

— اهدي يا بنتي.

لكنها هزت راسها بعنف.

وقالت:

— لا… لازم الناس كلها تعرف الحقيقة.

القاعة سكتت من جديد.

سارة قامت بصعوبة.

ومسكت الميكروفون بإيد بترتعش.

وقالت:

— أنا غلطانة.

وغلطانة من سنين.

كل مرة كنت أحرج أمي…

كانت تسامحني.

كل مرة أزعقلها…

كانت تدعيلي.

وكل مرة أكسر قلبها…

كانت تحضنني.

وبعدين بصت ناحيتي.

وقالت وهي بتبكي:

— تعرفي يا ماما ليه كنت مهووسة بشعرك الأبيض؟

هزيت راسي بالنفي.

قالت:

— لأني كنت طول عمري أنانية.

كنت عايزة كل حاجة تبان كاملة قدام الناس.

الصورة.

الهدوم.

القاعة.

الميكب.

حتى انتي…

كنت عايزاكي تبقي مجرد جزء من الصورة.

ونسيت…

إنك السبب في الصورة كلها.

كل الموجودين كانوا ساكتين.

حتى الأطفال.

سارة كملت:

— وأنا عندي عشر سنين…

بابا مات.

وأمي اشتغلت في شغلانتين.

كانت بترجع وإيديها متشققة.

وشعرها بدأ يبيض بدري.

كل شعرة بيضا…

أنا النهارده عرفت إنها كانت بسبب تعبة علشاني.

وبعدين نزلت من على المسرح.

وجت قدامي.

وركعت على ركبتيها.

قدام كل الناس.

وقالت وهي بتبوس إيدي:

— سامحيني يا أمي.

أنا كنت شايفة الشعر الأبيض.

لكن ما شفتش السنين اللي عملته.

أنا كنت شايفة شكلك.

لكن ما شفتش تعبك.

أنا كنت شايفة نفسي.

وما شفتكيش.

كل الستات في القاعة كانوا بيعيطوا.

وأنا حاولت أوقفها.

وقلت:

— قومي يا بنتي.

ما ينفعش تركعيلي.

لكنها رفضت.

وقالت:

— لا.

النهارده الدور عليا.

أنا اللي لازم أوطي راسي.

العريس كان واقف بعيد.

بيبصلها.

وأمه قربت منه.

وقالت:

— القرار قرارك.

لكن افتكر…

كل إنسان بيغلط.

والفرق…

بين اللي يغلط ويكابر.

واللي يغلط ويتغير.

العريس فضل ساكت ثواني.

وبعدين مشى ناحيتنا.

وسارة بصت له.

والخوف مالي عينيها.

وقف قدامها.

وقال:

— أنا مش هنسى اللي حصل.

ولا هيكون سهل أعديه.

لكن لو فعلاً اتغيرتي…

يبقى أول اختبار ليكي…

إن اعتذارك ده ما يكونش علشان الفرح.

يكون طول العمر.

سارة هزت راسها وهي بتبكي.

وقالت:

— أوعدك.

وبصت لي.

وأضافت:

— وأوعد أمي قبل أي حد.

وأنا حضنتها.

حضن طويل.

حضن فيه وجع سنين.

وفيه حب…

ما ماتش أبدًا.

ولأول مرة من بداية الليلة…

ابتسمت.

وشعري الأبيض…

كان لسه زي ما هو.

لكن المرة دي…

ولا حد شافه.

لأن كل اللي الناس شافوه…

كان أم…

سامحت بنتها.
الجزء الخامس

افتكرت…

إن الليلة خلصت على كده.

لكن…

بعد ما الناس بدأت تباركلنا.

وبعد ما العريس وافق يكمل الفرح.

حصل اللي عمره ما جه على بالي.

إحنا واقفين بنصور.

لقيت ست أنيقة…

شكلها في أوائل الستينات.

لابسة تايير أبيض.

قربت مني.

وقالت:

— حضرتك مدام نادية؟

قلت بابتسامة هادئة:

— أيوه.

قالت:

— ممكن خمس دقايق لو سمحتي؟

خرجنا ناحية جنينة القاعة.

وقالت وهي بتطلع منديل تمسح دموعها:

— أنا والدة العريس.

ابتسمت.

وقلت:

— اتشرفت بحضرتك.

مسكت إيدي.

وقالت:

— لا…

أنا اللي اتشرفت بيكي.

وبعدين سكتت شوية.

وقالت:

— تعرفي ابني وافق يتجوز بنتك ليه؟

استغربت.

وقلت:

— علشان بيحبها.

ابتسمت بحزن.

وقالت:

— ده صحيح…

لكن فيه سبب تاني.

سألتها:

— إيه هو؟

قالت:

— من سنة…

ابني عمل حادثة.

وكان هيموت.

وأول متبرعة بالدم…

كانت بنتك.

ومن يومها…

حبها.

لكن كان دايمًا يقولي…

في حاجة مضايقاني فيها.

قلت:

— إيه هي؟

قالت:

— معاملتها ليكي.

كنت مصدومة.

قالت:

— أكتر من مرة كنا خارجين.

وكانت تكلمك بعصبية.

أو تقفل السكة في وشك.

أو تكسف منك.

وابني كان كل مرة ينصحها.

لكن كانت ترد عليه:

“دي أمي… وأنا حرة.”

نزلت دموعي من جديد.

قالت أم العريس:

— النهارده…

ابني كان ناوي يفسخ الفرح فعلًا.

لولا إنه شاف ندمها الحقيقي.

وفي اللحظة دي…

سمعنا صوت سارة.

كانت بتدور علينا.

أول ما شافتني…

جريت عليا.

وقالت:

— يا ماما…

المصور مستني.

بس المرة دي…

أنا اللي عايزاكي تقفي في النص.

استغربت.

قلت:

— في النص؟

ابتسمت وهي بتمسح دموعها.

وقالت:

— أيوه.

أنا والعريس…

هنقف يمينك وشمالك.

أنتِ صاحبة الليلة.

دخلنا القاعة.

المصور جهز الكاميرا.

وقال:

— العروسة في النص لو سمحتم.

سارة ابتسمت.

وقالت:

— لا.

النهارده…

أمي هي اللي في النص.

كل الموجودين سقفوا.

وأنا وقفت مرتبكة.

سارة مسكت إيدي.

وحطتها في إيد جوزها.

وقالت:

— لولا الست دي…

ما كانش فيه فرح.

ولا كان فيه عروسة.

ولا كان فيه أي نجاح في حياتي.

وأمام أكتر من ثلاثمائة شخص…

لفت ناحيتي.

وباست شعري الأبيض.

وقالت بصوت عالي:

— كل شعرة بيضا في رأس أمي…

أنا مدينة لها بعمر كامل.

ولو رجع بيا الزمن…

كنت هفتخر بيها…

مش أطلب منها تخبيها.

وفي اللحظة دي…

المصور ضغط زر الكاميرا.

واتصورت…

أغلى صورة في حياتي.

صورة…

كنت واقفة فيها في المنتصف.

مش علشان شعري اتغير.

لكن…

علشان بنتي أخيرًا…

شافت قيمتي.
الجزء الأخير

عدى على الفرح…

ثمانية شهور.

ورغم إن الحياة رجعت هادية…

إلا إن سارة…

بقت إنسانة تانية.

كل يوم الصبح…

تكلمني.

ولو اتأخرت في الرد…

تفضل ترن لحد ما أطمنها.

كل جمعة…

تيجي تفطر معايا.

وتدخل المطبخ…

وترفض تخليني أعمل أي حاجة.

وتقول وهي تضحك:

— اقعدي إنتِ… الدور عليا النهارده.

وفي مرة…

فتحت ألبوم صور الفرح.

ولقيت الصورة اللي كنت واقفة فيها في النص.

ولاحظت حاجة.

كل الصور اللي قبلها…

ابتسامتي كانت مكسورة.

لكن الصورة دي…

كانت أول مرة أضحك من قلبي.

بعدها بأسبوع…

سارة قالتلي:

— يا ماما… عندي مفاجأة.

ركبت معاها العربية.

ومشينا حوالي نص ساعة.

لحد ما وقفنا قدام محل كبير.

المحل كان لسه جديد.

وعليه لافتة متغطية بقماشة.

قالتلي:

— يلا… شيلي القماشة.

استغربت.

وقلت:

— أنا؟

قالت وهي مبتسمة:

— أيوه… إنتِ.

شلت القماشة…

واتجمدت مكاني.

كان مكتوب بخط ذهبي كبير:

“الخصلة البيضاء”

وتحتها…

“مشغل مدام نادية للخياطة وتصميم الملابس.”

بصيت لسارة…

وقلت وأنا ببكي:

— إيه ده؟

حضنتني.

وقالت:

— فاكرة ماكينة الخياطة القديمة؟

اللي قعدتي عليها عشرين سنة…

علشان تصرفي عليا؟

أنا احتفظت بيها.

ورممتها.

وحطيتها جوه المحل.

علشان كل يوم أدخل…

وأفتكر…

مين اللي عملني.

دخلت المحل.

لقيت الماكينة فعلًا…

متنضفة.

ومتحطوطة في واجهة زجاجية.

وتحتها لوحة صغيرة مكتوب عليها:

“من هنا… بدأت حكاية أم عظيمة.”

ما قدرتش أمنع دموعي.

سارة مسكت إيدي.

وقالت:

— سامحيني…

مش مرة.

ولا اتنين.

سامحيني عن كل يوم كسرت فيه قلبك.

أنا كنت فاكرة إن الشعر الأبيض بيكبر الإنسان.

لكن اكتشفت…

إن اللي بيكبر الإنسان…

قلة الوفا.

وأنا مش هسمح لنفسي أكون كده تاني.

حضنتها.

وقلت بابتسامة:

— خلاص يا بنتي.

العتاب انتهى.

إحنا نبدأ من جديد.

بعد سنة…

رزقها ربنا ببنت.

وأول ما الممرضة سألتها:

— هنسجل اسمها إيه؟

بصتلي.

وقالت من غير تردد:

— نادية.

بكيت…

لأن دي كانت أول مرة…

أحس إن تعبي كله…

ما راحش هدر.

وفي عيد الأم…

نزلت سارة صورة من صور الفرح.

الصورة اللي كنت واقفة فيها في النص…

بشعري الأبيض.

وكتبت تحتها:

“زمان كنت فاكرة إن الشعر الأبيض حاجة تتخبى… النهارده عرفت إنه وسام شرف على رأس كل أم ضحت بعمرها علشان ولادها. سامحيني يا أمي… وشكرًا لأنك علمتيني إن الجمال الحقيقي عمره ما كان لون شعر.”

وخلال ساعات…

المنشور انتشر بشكل كبير.

وآلاف الناس كتبوا تعليقاتهم.

لكن التعليق الوحيد…

اللي خلاني أبكي…

كان تعليق بنت صغيرة.

كتبت:

“أنا وريّت الصورة دي لمامتي… وقلت لها إنها أجمل ست في الدنيا… حتى لو شعرها كله أبيض.”

وقتها…

ابتسمت.

ولمست خصلة من شعري.

وحمدت ربنا…

إنها فضلت بيضاء.

لأنها…

كانت أجمل لون…

لبسته في حياتي.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *