طلاق مفاجيء حكايات اسما, 3

الجزء السادس
أنا وعم سعيد بصينا لبعض.
ولا واحد فينا نطق.
صوت الحديد وهو بيتحرك…
كان كفاية يخلي القلب يقف.
عم سعيد همس:
— اقفلي نور الموبايل.
عملت كده فورًا.
بقينا واقفين في الضلمة.
وسمعنا صوت راجل بره بيقول:
— فتشوا كويس… لازم تكون هنا.
رد عليه صوت تاني:
— لو لقينا الورق… كله هيتحرق.
اتسعت عيني.
يبقى هما عارفين.
وعارفين إن في حاجة مستخبية هنا.
عم سعيد شدني بهدوء ناحية آخر المخزن.
وقال:
— في باب خلفي.
مشينا على أطراف صوابعنا.
لكن فجأة…
خشبة قديمة تحت رجلي أصدرت صوتًا عاليًا.
تك!
الخطوات بره وقفت.
وسمعنا واحد بيقول:
— فيه حد جوه.
وفي ثانية…
الباب الحديد اتهز بعنف.
ضربة.
وراها ضربة تانية.
وفي التالتة…
القفل وقع على الأرض.
أول واحد دخل كان لابس كاب أسود.
وورا منه اتنين.
وشوشهم مش باينة.
واحد منهم قال:
— دوروا.
اختبينا ورا دولاب حديد قديم.
نفسي كان مسموع.
حاسّة إنهم هيسمعوه.
واحد منهم قرب جدًا.
لدرجة إني كنت شايفة الجزمة بتاعته.
مد إيده ناحية الدولاب…
وفجأة…
سمعنا صفارات شرطة.
الرجالة اتوتروا.
واحد قال:
— يلا… امشوا!
جروا بسرعة.
وفي أقل من دقيقة…
كانوا اختفوا.
طلعت من ورا الدولاب وأنا مش مصدقة.
قلت لعم سعيد:
— الشرطة جت إزاي؟
ابتسم.
ورفع موبايله.
— أول ما سمعت الأصوات… بعت موقعي لواحد صاحبي ظابط.
بعد دقائق…
دخل ضابط المباحث.
بص للمخزن.
ولآثار الكسر.
وسألني:
— في حاجة اتاخدت؟
بصيت على الخزنة.
كل الملفات كانت مكانها.
هزيت راسي.
— لأ… الحمد لله.
قال:
— يبقى خدوا كل حاجة معاكم.
واضح إن الورق ده مهم لحد مستعد يخاطر عشانه.
رجعت البيت قبل الفجر.
قفلت الباب.
وقعدت لوحدي.
قدامي الظرف اللي أبويا كاتبه.
فتحت الرسالة.
وكان أول سطر فيها:
“يا أميرة… لو وصلتي للرسالة دي، يبقى للأسف الشخص اللي كنت خايف منه عمل اللي كنت متوقعه.”
دموعي نزلت.
وكملت قراءة.
“أنا عارف إنك بتحبي كريم، وعشان كده عمري ما تدخلت بينكم. لكن من سنة تقريبًا، اكتشفت إنه بيحاول يقنع المدير القانوني ينقل جزء من الملكية من غير علمك.”
حسيت إيدي بتتلج.
وكملت.
“واجهته، وأنكر. لكني احتفظت بكل الأدلة. ولو في يوم حاول ينكر حقك… هتلاقيها في الملف الأحمر.”
بصيت للخزنة.
كان فيها خمس ملفات.
أزرق.
أسود.
بني.
أصفر.
وأحمر.
طلعت الملف الأحمر.
فتحته.
كان مليان مراسلات.
وإيميلات مطبوعة.
وأوامر تحويل.
وفي آخر الملف…
وصلت لورقة خلتني أنسى أتنفس.
كانت عبارة عن محضر اجتماع لمجلس الإدارة.
التاريخ…
قبل وفاة أبويا بشهر.
والموجودين:
كريم.
المدير القانوني.
المدير المالي.
ووالدي.
وفي آخر الصفحة…
كان فيه اعتراض مكتوب بخط إيد أبويا:
“أرفض رفضًا قاطعًا نقل أي سهم مملوك لابنتي أميرة دون حضورها وموافقتها الشخصية.”
وتحتها مباشرة…
توقيع أبويا.
لكن اللي شد انتباهي أكثر…
كان الهامش المكتوب بالقلم الأزرق.
جملة واحدة فقط.
واضح إنها اتكتبت بعد الاجتماع.
“الخطة هتتنفذ بعد ما الحاج حسن يبعد عن الطريق.”
رفعت الورقة قدام النور.
وحسيت جسمي كله بيرتعش.
لأن الجملة دي…
ما كانتش مجرد دليل على التزوير.
دي كانت بتلمح…
إن اللي حصل بعد كده…
ما كانش صدفة.
وإن وفاة أبويا…
ممكن تكون مخبية وراها أسرار أكبر بكتير مما كنت أتخيل.

الجزء السابع
فضلت أبص على الجملة…
أكتر من مرة.
يمكن أكون فاهمة غلط.
يمكن حد كتبها كنوع من الملاحظات.
لكن كل ما أعيد قراءتها…
الإحساس اللي جوايا كان بيكبر.
حطيت الملف على الترابيزة.
وأخدت نفس طويل.
وقلت لنفسي:
— لأ…
مينفعش أستنتج حاجة من جملة واحدة.
لازم أعرف الحقيقة.
رنّيت على الأستاذ فؤاد.
رد بسرعة.
قلت:
— محتاجاك تشوف حاجة.
بعد نص ساعة…
كان قاعد قدامي.
قرأ الورقة.
وسكت.
قلت بقلق:
— إيه رأيك؟
قال بهدوء:
— رأيي إن الجملة دي مقلقة…
لكن لوحدها ما تثبتش جري*مة.
بصلي مباشرة.
— إوعي تبني اتهام خطير على مجرد شبهة.
هزيت راسي.
كنت عارفة إنه معاه حق.
لكن كان في حاجة تانية لفتت انتباهه.
قال وهو بيقلب الصفحة:
— بصي هنا.
بصيت.
كان في توقيع صغير على هامش المحضر.
مش توقيع كامل.
مجرد أول حرفين.
“ع. م.”
قلت:
— ده مين؟
قال:
— لو ذاكرتي ما خانتنيش…
كان فيه مستشار خارجي للشركة اسمه عصام مرسي.
كان بيحضر الاجتماعات الكبيرة.
قلت بسرعة:
— نوصله؟
قال:
— آخر مرة شفته كانت من خمس سنين.
واختفى بعدها.
في اليوم التالي…
المحكمة انعقدت من جديد.
القاعة كانت أهدى.
لكن التوتر أكبر.
القاضي دخل.
وبدأ يتكلم مباشرة.
— ورد للمحكمة رد هيئة الاستثمار.
فتح الملف.
وقال:
— وطبقًا للسجلات…
أول مالك مسجل للشركة هي السيدة أميرة حسن.
ثم توقفت الإجراءات عدة سنوات دون نقل رسمي موثق في البداية.
بص ناحية كريم.
— بينما ظهرت لاحقًا مستندات نقل للأسهم محل نزاع في هذه الدعوى.
المحامي وقف.
— يا فندم… موكلي حسن النية.
القاضي قال:
— المحكمة لم تقل غير ذلك.
لكنها ستتحقق من صحة جميع المستندات.
بعدها…
دخل موظف المحكمة.
وسلم القاضي ظرفًا جديدًا.
القاضي فتحه.
وقرأ بسرعة.
ثم قال:
— التقرير النهائي من قسم أبحاث التزييف والتزوير وصل.
القاعة كلها اتشدت.
القاضي رفع عينه.
وقال:
— التقرير يؤكد عدم صحة التوقيعات المنسوبة للسيدة أميرة على عقود نقل الأسهم محل الفحص.
كريم غمض عينيه.
أما محاميه…
فبدأ يكتب ملاحظات بسرعة.
القاضي أكمل:
— لذلك…
تأمر المحكمة بإحالة صورة من الأوراق إلى النيابة المختصة للتحقيق في شبهة تزوير المستندات.
الكلمة الأخيرة…
كانت كفيلة تقلب القاعة.
الصحفيين خرجوا يجرو.
الموبايلات اشتغلت.
والخبر انتشر في دقائق.
بعد الجلسة…
وأنا خارجة…
لقيت راجل كبير واقف بعيد.
أول ما شافني…
رفع إيده.
وقال:
— مدام أميرة؟
قربت بحذر.
قال:
— أنا محاسب الشركة الأول.
استقلت من عشر سنين.
قلت:
— خير؟
طلع من شنطة جلد قديمة دفترًا صغيرًا.
وقال:
— احتفظت بده طول السنين.
يمكن كنت مستني اليوم ده.
فتحت الدفتر.
كان عبارة عن يوميات حسابات.
بخط إيده.
وفي أول صفحة مكتوب:
“مصروفات تأسيس الشركة.”
وفي كل صفحة…
كان فيه تاريخ.
ورقم شيك.
واسم الشخص اللي دفع.
الغريب…
إن أغلب البنود الكبيرة قدامها اسم واحد.
أميرة حسن.
وفي آخر الدفتر…
كان فيه سطر مختلف.
بدون أي أرقام.
مجرد جملة.
“الحاج حسن طلب مني ما أعدمّش النسخة الأصلية من الدفاتر مهما حصل.”
قفلت الدفتر.
وبصيت للراجل.
قلت:
— النسخة الأصلية فين؟
ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
— في المكان اللي محدش فكر يدور فيه…
داخل أول فرع للشركة…
ورا اللافتة القديمة اللي اتشالت من سنين.
اتسعت عيني.
لأن أول فرع…
كان مقفول ومهجور من أكتر من عشر سنوات.
وقبل ما أسأله أي سؤال…
لف ومشي.
وكأنه أدى الرسالة اللي جاي علشانها…
واختفى وسط الزحمة.

الجزء الثامن
في صباح اليوم التالي…
أنا والأستاذ فؤاد وعم سعيد…
رحنا أول فرع للشركة.
المكان كان مقفول من سنين.
الأتربة مالية كل ركن.
واللافتة القديمة مرمية في المخزن الخلفي.
افتكرنا كلام المحاسب.
“ورا اللافتة.”
شيلناها بصعوبة.
ولقينا تجويف صغير في الحائط.
جواه صندوق معدني.
كان عليه قفل صدئ.
فتحناه.
لقينا الدفاتر الأصلية.
مختومة.
وموقعة.
ومرتبة بالتاريخ.
الأستاذ فؤاد قلب أول دفتر.
وبعدين بصلي وقال:
— خلاص…
دي نهاية أي جدال.
كل جنيه دخل الشركة في أول سنتين…
موثق.
ومصدره واضح.
وأغلب التمويل كان من حساباتك.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
مش علشان الفلوس…
لكن علشان الحقيقة أخيرًا بقت كاملة.
بعد أسبوع…
انعقدت الجلسة الأخيرة.
قاعة المحكمة كانت أهدأ.
لكن التوتر كان أكبر من أي مرة.
القاضي دخل.
واستعرض كل التقارير.
وتقارير البنوك.
وسجلات هيئة الاستثمار.
ورأي الخبراء.
وتقرير التزييف والتزوير.
وبعدين قال:
— ثبت للمحكمة أن السيدة أميرة ساهمت في تأسيس الشركة وتمويلها منذ البداية، وأن المستندات محل النزاع لا يمكن الاعتماد عليها حتى يُفصل في التحقيقات الجنائية الخاصة بها.
ثم أكمل:
— وفيما يتعلق بحضانة الطفلين…
فلم يثبت للمحكمة ما يمنع الأم من رعايتهما.
وبناءً عليه…
تستمر الحضانة وفق ما يقرره القانون، مع تنظيم حق الأب في الرؤية.
كريم نزل برأسه.
لأول مرة…
ما حاولش يتكلم.
القاضي ختم الجلسة.
وقال:
— أما ما يتعلق بشبهة التزوير…
فهو أمر تختص به النيابة، وليس هذه المحكمة.
ثم رفع الجلسة.
خرجت من المحكمة.
الصحفيون تجمعوا.
واحدة سألتني:
— حضرتك حاسة إنك انتصرتي؟
ابتسمت.
وقلت:
— الحقيقة هي اللي انتصرت.
وركبت العربية.
بعد أيام…
رن جرس البيت.
فتحت.
لقيت كريم.
واقف لوحده.
من غير بدلة فاخرة.
ولا حراس.
ولا محامين.
وشه كان مرهق.
قال بهدوء:
— ممكن أتكلم؟
خرجت وقفلت الباب ورايا.
قال:
— أنا خسرت كل حاجة.
سكت شوية.
ثم قال:
— يمكن أول مرة أفهم إن النجاح الحقيقي مش الشركة.
ولا الفلوس.
قلت:
— متأخر يا كريم.
رد:
— عارف.
وبعدين مد إيده بملف.
— دي كل الأوراق اللي عندي.
وأي حاجة تخص حقك…
هتوصلك.
أنا مش جاي أطلب ترجعلي.
أنا جاي أعتذر.
بصيتله.
وقلت:
— الاعتذار يريح ضمير صاحبه.
لكن مش بيمسح اللي فات.
هز رأسه.
وقال:
— عندك حق.
وقبل ما يمشي…
قال:
— خلي الولاد يعرفوا إني كنت بحبهم.
قلت:
— دي حاجة بينك وبينهم.
حافظ عليها.
ومشي.
بعد عدة أشهر…
رجعت الشركة تشتغل.
لكن بشكل مختلف.
عينت إدارة محترفة.
ورجعت الموظفين القدام.
وأول قرار أخدته…
إني أسمي قاعة الاجتماعات الرئيسية باسم أبويا.
“قاعة حسن.”
تكريمًا للرجل…
اللي وثق الحقيقة.
وحافظ عليها.
لحد ما جه يومها.
أما يارا…
فاستقالت من كل مناصبها.
واختفت من حياة كريم تمامًا.
وكريم…
بدأ حياة جديدة بعيدًا عن الأضواء.
أما أنا…
فكنت كل يوم أوصل التوأم للمدرسة.
وأرجع الشغل.
وأفتكر أول مكتب صغير بدأنا منه.
وأقول لنفسي…
الحقوق ممكن تتأخر.
لكن لما يكون معاك الصبر…
والدليل…
والحقيقة…
في النهاية بتوصل لصاحبها.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *